وطن-في زيارة حملت أبعاداً اقتصادية واستراتيجية، تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بضخ استثمارات بقيمة 40 مليار يورو، أي نحو 46.5 مليار دولار، في ألمانيا، وذلك خلال زيارة الدولة التي أجراها الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى برلين، في وقت تسعى فيه أكبر اقتصادات أوروبا إلى جذب رؤوس أموال جديدة لدعم قطاعات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية الرقمية.
استثمارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات
وبحسب وكالة فرانس برس، أسفرت الزيارة عن حزمة واسعة من التفاهمات الاقتصادية بين البلدين، في ظل توجه الإمارات إلى توسيع استثماراتها العالمية في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة.
ومن بين المشاريع التي يُتوقع أن تستفيد من الاستثمارات الإماراتية الجديدة، إنشاء مراكز بيانات بقدرة قد تصل إلى غيغاواط واحد، في خطوة تعكس تزايد أهمية البنية التحتية الرقمية مع تصاعد المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
كما أعلنت برلين إنشاء مجلس استثماري جديد يهدف إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وفتح مجالات أوسع أمام الشركات الإماراتية والألمانية.
الإمارات تبحث عن اقتصاد ما بعد النفط
وتأتي هذه الاستثمارات في وقت تتحول فيه دول الخليج إلى لاعب رئيسي في تمويل الطفرة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مع توجه الدول الغنية بالنفط إلى توظيف جزء من ثرواتها في قطاعات المستقبل، بدلاً من التركيز على الاستثمارات التقليدية المرتبطة بالطاقة فقط.
وقال وزير الصناعة الإماراتي سلطان أحمد الجابر، وفقاً لفرانس برس، إن بلاده تستثمر على المدى الطويل وتسعى إلى بناء شراكات مستدامة، مشيراً إلى أن ألمانيا تمثل شريكاً استراتيجياً واقتصادياً مهماً للإمارات منذ عقود.
وأضاف أن الاستثمارات الإضافية البالغة 40 مليار يورو تعكس طموح أبوظبي في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع برلين.
استقبال رسمي وتشديد أمني
وحظي الشيخ محمد بن زايد باستقبال رسمي بارز في العاصمة الألمانية، حيث التقى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بعدما استقبله الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير في وقت سابق بمراسم عسكرية.
وشهدت برلين إجراءات أمنية مشددة خلال الزيارة، تضمنت إغلاق عدد من الشوارع التي زُينت بأعلام البلدين، إلى جانب نشر أعداد كبيرة من قوات الشرطة.
وجاءت الزيارة في مرحلة حساسة بالنسبة لمنطقة الخليج، التي تشهد اضطرابات متزايدة على خلفية الحرب الأميركية ضد إيران، وما رافقها من تحولات في السياسة الخارجية الأميركية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب.
شراكة تتجاوز الطاقة
وكان ميرتس قد زار منطقة الخليج في فبراير الماضي، قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران بفترة قصيرة، وقال حينها إن الحاجة إلى الشراكات مع دول المنطقة أصبحت أكبر من أي وقت مضى، في ظل تزايد تأثير القوى الكبرى في السياسة الدولية.
وتعد الإمارات أكبر شريك تجاري لألمانيا في منطقة الخليج، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائية بين البلدين 15 مليار دولار خلال العام الماضي.
وتوجد في الإمارات شركات ألمانية كبرى، من بينها بي إم دبليو وسيمنس وتيسن كروب، إضافة إلى شركة السكك الحديدية الألمانية دويتشه بان، وهو ما يعكس اتساع العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
29 اتفاقية بقيمة 9.4 مليار يورو
وخلال الزيارة، وقعت شركات ألمانية وإماراتية 29 اتفاقية إضافية بقيمة إجمالية بلغت 9.4 مليار يورو، وفق ما نقلته فرانس برس عن الجانب الألماني.
وتغطي الاتفاقيات عدداً من القطاعات، في وقت تسعى فيه ألمانيا إلى تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية، ولا سيما في المجالات الصناعية والتكنولوجية.
وفي المقابل، تمتلك الإمارات استثمارات كبيرة بالفعل في ألمانيا، تشمل قطاعات الصناعات الكيميائية وطاقة الرياح البحرية.
كما تعزز التعاون في مجال الطاقة خلال زيارة ميرتس إلى الخليج في فبراير، عندما وقعت شركة الطاقة الألمانية «آر دبليو إي» مذكرة تفاهم مع شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» بشأن واردات الغاز الطبيعي المسال خلال العقد المقبل.
من الطاقة إلى الصناعات الدفاعية
ولا تقتصر العلاقات بين ألمانيا ودول الخليج على التجارة والطاقة، إذ اشترت دول خليجية خلال السنوات الماضية معدات دفاعية ألمانية، كما أبدت اهتماماً متزايداً بشركات ناشئة تعمل في مجالات الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الدفاعية.
ويأتي ذلك في سياق أوسع يتعلق بتعزيز قدرات الردع الأوروبية والأطلسية في مواجهة روسيا، في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها القارة الأوروبية.
كما تدعم ألمانيا، باعتبارها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، المحادثات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات، وهو ما يمكن أن يمنح العلاقات الاقتصادية بين الجانبين دفعة إضافية خلال السنوات المقبلة.
انتقادات حقوقية للإمارات
وعلى الرغم من التركيز الكبير على الاقتصاد والاستثمار، لم تخلُ الزيارة من انتقادات حقوقية، فقد دعت منظمة هيومن رايتس ووتش القادة الألمان إلى استغلال زيارة الرئيس الإماراتي للحديث علناً عن سجل الإمارات في مجال حقوق الإنسان ودورها في النزاعات الإقليمية.
كما أشارت فرانس برس إلى اتهامات موجهة إلى الإمارات في سياق الحرب في السودان بشأن تقديم الدعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي مراراً.
وقال مدير فرع منظمة هيومن رايتس ووتش في ألمانيا، فيليب فريش، إن عدم إبداء الحكومة الألمانية رغبة في مناقشة ما وصفه بالدور الإماراتي المدمر في السودان علناً يثير القلق.
الاقتصاد في الواجهة
وعلى الرغم من ضخامة الاستثمارات والاتفاقيات الموقعة، لم يكن مقرراً عقد مؤتمر صحفي مشترك بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس والشيخ محمد بن زايد، وفق فرانس برس.
ويكشف ذلك، وفق قراءة الوكالة، أن الملفات الاقتصادية والاستثمارية تصدرت جدول أعمال الزيارة، بينما بقيت الملفات السياسية والحقوقية في الخلفية.
وتعكس الزيارة في مجملها اتجاهاً متزايداً نحو تعميق الشراكة الألمانية الإماراتية، ليس في التجارة والطاقة فحسب، بل أيضاً في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، في وقت تبحث فيه برلين عن رؤوس أموال جديدة وتعمل فيه أبوظبي على توسيع نفوذها الاقتصادي في القطاعات التي يُتوقع أن تشكل اقتصاد المستقبل.
اقرأ المزيد
من الصواريخ إلى البورصة.. كيف بدأت الحرب تضرب اقتصاد الإمارات؟
من العقارات إلى الموانئ والطاقة.. كيف تمدد النفوذ الإماراتي على الساحل الشمالي المصري؟
الإمارات وسد النهضة.. هل كانت أبوظبي شريكاً في أزمة عطّشت مصر؟
لسداد الديون.. أرض جديدة في الساحل الشمالي تدخل دائرة الاستثمارات الإماراتية وتثير جدلًا في مصر

