وطن-لم يعد الحضور الإماراتي في مصر مقتصراً على الاستثمارات العقارية والمنتجعات السياحية، بل توسع خلال السنوات الأخيرة ليشمل مشاريع ضخمة في الساحل الشمالي، إلى جانب قطاعات استراتيجية مثل الموانئ والمناطق اللوجستية والطاقة.
ويبرز مشروع رأس الحكمة في مقدمة هذه الاستثمارات، باعتباره أحد أكبر المشاريع الإماراتية في مصر، بينما تتوسع الشركات الإماراتية في مناطق أخرى من الساحل عبر مشاريع عقارية وسياحية وصناعية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الحضور وحدوده وتأثيره في الاقتصاد المصري.
رأس الحكمة.. الصفقة الأضخم
في فبراير 2024، أعلنت مصر والإمارات اتفاقاً لتطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي، في صفقة بلغت قيمتها المعلنة نحو 35 مليار دولار. وتشمل الصفقة حقوق تطوير مساحة تتجاوز 170 مليون متر مربع، أي ما يعادل نحو 40.6 ألف فدان، لتتحول المنطقة إلى مشروع عمراني وسياحي واستثماري ضخم يضم مناطق سكنية وفندقية وتجارية وترفيهية ومرافق خدمية.
وتنفذ المشروع شركة مدن القابضة الإماراتية بالشراكة مع الحكومة المصرية، ضمن رؤية لتحويل رأس الحكمة إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاستثمارية في منطقة البحر المتوسط.
وتكتسب الصفقة أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، التي كانت تواجه في ذلك الوقت ضغوطاً كبيرة على احتياطيات النقد الأجنبي والحاجة إلى تدفقات استثمارية ضخمة.
من رأس الحكمة إلى خريطة أوسع
لكن رأس الحكمة ليست المشروع الإماراتي الوحيد على الساحل الشمالي. فالشركات الإماراتية موجودة أيضاً عبر مشاريع عقارية وسياحية ضخمة، من بينها مشاريع شركة إعمار مصر، وفي مقدمتها مراسي، إلى جانب استثمارات أخرى في مناطق مثل الساحل الشمالي والعلمين.
وبذلك أصبح الحضور الإماراتي موزعاً على مجموعة من المشاريع التي تتجاوز فكرة المنتجع السياحي التقليدي، لتشمل مدناً ومجمعات عمرانية ومرافق تجارية وسياحية واسعة.
وتشير تقديرات متداولة في بعض التقارير والحسابات إلى أن إجمالي المساحات المرتبطة بمشروعات واستثمارات إماراتية في الساحل الشمالي يصل إلى نحو 188 مليون متر مربع. غير أن هذا الرقم يحتاج إلى التمييز بين الأراضي المملوكة فعلياً، وحقوق التطوير، والمساحات الإجمالية للمشروعات، حتى لا تتحول الأرقام إلى صورة مضللة عن طبيعة الملكية.
لماذا الساحل الشمالي؟
لا تأتي أهمية الساحل الشمالي المصري من موقعه السياحي فقط. فالمنطقة تمتد على البحر المتوسط، وتضم مدناً وموانئ ومطارات ومناطق صناعية ولوجستية، كما أصبحت خلال السنوات الأخيرة محوراً رئيسياً لخطط مصر المتعلقة بالسياحة والاستثمار والنقل والطاقة.
ولهذا فإن دخول استثمارات إماراتية ضخمة إلى المنطقة يمنح الشركات الإماراتية حضوراً اقتصادياً في مساحة ذات أهمية استراتيجية متزايدة.
ومع توسع المشاريع، يتحول الاستثمار تدريجياً من تطوير العقارات إلى المشاركة في منظومة اقتصادية أوسع تضم السياحة والعمران والخدمات والنقل واللوجستيات والطاقة.
من العقار إلى الطاقة
التطور الأحدث في هذا المسار يتمثل في دخول الاستثمارات الإماراتية إلى قطاع الطاقة والمنتجات البترولية. ففي أغسطس 2026، وافقت الحكومة المصرية على إنشاء منطقة حرة إماراتية لتخزين وتداول النفط والمنتجات البترولية في العلمين، باستثمارات أولية تقدر بنحو 500 مليون دولار، وفق المعطيات الواردة في المادة.
وتعكس هذه الخطوة تغيراً في طبيعة الحضور الاقتصادي الإماراتي؛ فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط ببناء الفنادق والمساكن والمنتجعات، وإنما باتت تشمل أنشطة مرتبطة بحركة الطاقة والتخزين والتجارة.
وهنا تكتسب الاستثمارات أهمية أكبر، لأن البنية التحتية للطاقة والموانئ والتخزين ترتبط مباشرة بحركة التجارة والإمدادات وسلاسل التوريد.
شبكة استثمارات مترابطة
يمكن قراءة التوسع الإماراتي في الساحل الشمالي باعتباره سلسلة مترابطة من الاستثمارات: الأرض، ثم المدينة، ثم المرافق، ثم الميناء واللوجستيات والطاقة. فالمشروع العقاري الكبير يحتاج إلى طرق ومطارات ومرافق وخدمات، بينما تحتاج حركة التجارة والطاقة إلى بنية لوجستية وموانئ ومناطق تخزين.
وبالتالي، فإن تراكم هذه الاستثمارات يمنح الشركات الإماراتية حضوراً اقتصادياً متنوعاً في منطقة واحدة، بدلاً من الاقتصار على مشروع منفرد.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الإمارات أصبحت تملك الساحل الشمالي، أو أن هناك «إمارة إماراتية» داخل الأراضي المصرية، كما قد توحي بعض العناوين المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالحديث الأدق هو عن حقوق تطوير واستثمارات ومشاريع وشراكات اقتصادية ضخمة تخضع للأطر القانونية والاتفاقات المبرمة بين الطرفين.
هل يعادل ذلك مساحة إمارة عجمان؟
تداولت بعض الحسابات مقارنة بين مساحة المشاريع الإماراتية المزعومة في مصر ومساحة إمارة عجمان، بالقول إن 188 مليون متر مربع تعادل نحو 72% من مساحة الإمارة.
لكن هذه المقارنة تحتاج إلى قدر من الحذر؛ إذ إن جمع مساحات مشروعات متعددة لا يعني بالضرورة أنها تمثل مساحة مملوكة بالكامل لجهة إماراتية واحدة.
كما أن حقوق التطوير والشراكات الاستثمارية تختلف قانونياً واقتصادياً عن الملكية المباشرة للأرض. لذلك فإن الرقم الأكثر أهمية ليس فقط كم تبلغ مساحة الأراضي المرتبطة بالمشاريع الإماراتية، بل ما طبيعة كل حق استثماري، وما مدة الانتفاع به، وما نسبة الملكية، وما الدور الذي تحتفظ به الدولة المصرية في كل مشروع.
أزمة مصر الاقتصادية وراء جذب الاستثمارات
يأتي هذا التوسع الإماراتي في وقت تعتمد فيه مصر بصورة متزايدة على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتدفقات رأس المال الخارجي لتخفيف الضغوط على الاقتصاد.
وكانت صفقة رأس الحكمة واحدة من أبرز الأمثلة على قدرة الاستثمارات الخليجية الضخمة على توفير سيولة بالعملة الأجنبية للاقتصاد المصري.
وفي المقابل، تحصل الإمارات على فرصة للدخول في مشاريع استراتيجية وسياحية ضخمة في سوق يتمتع بموقع جغرافي مهم، وقاعدة سكانية كبيرة، وإمكانات سياحية ولوجستية واسعة.
وهكذا تبدو العلاقة قائمة على مصلحة اقتصادية متبادلة، وإن كانت طبيعة وحجم بعض المشاريع تثير نقاشاً داخلياً حول حدود الاعتماد المصري على رأس المال الأجنبي.
نفوذ اقتصادي أم استثمار طبيعي؟
السؤال الأساسي الذي تطرحه هذه التطورات ليس ما إذا كانت الإمارات تستثمر في مصر، فهذا أمر معلن وواسع النطاق، وإنما إلى أي حد يتحول تراكم هذه الاستثمارات إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي؟ فحين تمتد الاستثمارات من العقارات والسياحة إلى الموانئ واللوجستيات والطاقة، يصبح تأثيرها أكبر من مشروع عقاري منفرد.
ومع ذلك، فإن وصف هذا الحضور بأنه «سيطرة إماراتية على الساحل الشمالي» يحتاج إلى أدلة قانونية واقتصادية دقيقة، لأن الاستثمار الأجنبي وحقوق التطوير لا تعني تلقائياً السيادة على الأرض. لكن المؤكد أن الحضور الإماراتي في الساحل الشمالي المصري أصبح أحد أكبر مظاهر الاستثمار الخليجي في مصر، وأن رأس الحكمة يمثل نقطة تحول رئيسية في هذه العلاقة.
الساحل الشمالي.. ساحة نفوذ اقتصادي جديدة
من رأس الحكمة إلى العلمين ومراسي، تتشكل تدريجياً خريطة استثمارية إماراتية واسعة على الساحل الشمالي المصري.
وبينما ترى القاهرة في هذه المشاريع مصدراً مهماً للاستثمار والعملة الأجنبية والتنمية، تنظر إليها أبوظبي باعتبارها فرصاً طويلة الأمد في العقارات والسياحة والبنية التحتية والطاقة واللوجستيات.
وبذلك لم يعد السؤال فقط: ماذا تستثمر الإمارات في الساحل الشمالي؟بل أصبح السؤال الأوسع: كيف سيؤثر هذا التراكم الاستثماري في شكل المنطقة ومكانتها الاقتصادية خلال السنوات المقبلة؟
اقرأ المزيد
لسداد الديون.. أرض جديدة في الساحل الشمالي تدخل دائرة الاستثمارات الإماراتية وتثير جدلًا في مصر
بين الفجيرة والعلمين.. ما تفاصيل أضخم مشروع مصري إماراتي لتخزين وتداول النفط على المتوسط؟

