وطن-لطالما مثّل سد النهضة الإثيوبي، المقام على النيل الأزرق، واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة، بعدما تحول المشروع على مدى سنوات إلى مصدر توتر مستمر بين إثيوبيا ومصر والسودان.
لكن مع توسع الحضور الإماراتي في إثيوبيا والقرن الإفريقي، برز سؤال جديد يثير الجدل: كيف دخلت الإمارات على خط سد النهضة؟ وهل ساهم الدعم الإماراتي لإثيوبيا في تعزيز قدرتها على مواصلة بناء المشروع؟
بداية التحول في 2018
بدأت ملامح العلاقة الإماراتية الإثيوبية تتضح بشكل أكبر عام 2018، في ذروة أزمة سد النهضة، عندما أعلنت الإمارات عن حزمة دعم لإثيوبيا بقيمة 3 مليارات دولار، حيث وُضع مليار دولار منها في البنك المركزي الإثيوبي لمواجهة أزمة العملة، بينما خُصص الملياران الآخران لاستثمارات في قطاعات من بينها السياحة والطاقة المتجددة والزراعة.
هذا ولم تقل أبوظبي إنها تمول سد النهضة بشكل مباشر، لكن هذا التفصيل يفتح باباً لسؤال أوسع: عندما تضخ دولة مليارات الدولارات في اقتصاد بلد يخوض مشروعاً استراتيجياً ضخماً، هل يمكن فصل هذا الدعم المالي والسياسي عن قدرة الدولة على مواصلة مشاريعها الكبرى؟
أبوظبي تتوسع في إثيوبيا
لم تكن الإمارات مجرد مستثمر بعيد عن المشهد الإثيوبي، إذ وسعت أبوظبي حضورها في البلاد، وارتبط اسمها بمشاريع في مجالات الطاقة المتجددة والاستثمار.
وبالتوازي مع ذلك، تحولت الإمارات إلى لاعب مؤثر في القرن الإفريقي، على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، مع اتساع حضورها في منطقة البحر الأحمر.
وهذا الحضور جعل العلاقة بين أبوظبي وأديس أبابا تتجاوز مجرد الاستثمارات الاقتصادية، لتصبح جزءاً من شبكة أوسع من المصالح والنفوذ الإقليمي.
مصر وسد النهضة.. أزمة أمن مائي
في المقابل، تنظر مصر إلى سد النهضة باعتباره ملفاً يمس أمنها المائي بصورة مباشرة، نظراً لاعتمادها على مياه النيل في الجزء الأكبر من احتياجاتها المائية. ومن هنا يظهر التناقض الذي يثير التساؤلات: كيف تكون الإمارات حليفاً لمصر من جهة، وشريكاً استراتيجياً لإثيوبيا من جهة أخرى؟
ففي الوقت الذي ترتبط فيه أبوظبي بعلاقات وثيقة مع القاهرة، تطورت العلاقة الإماراتية الإثيوبية بشكل كبير منذ عام 2018، بالتوازي مع تنامي الدور الإماراتي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
الإمارات وسيط بين القاهرة وأديس أبابا
حاولت أبوظبي في مراحل مختلفة تقديم نفسها كوسيط بين القاهرة وأديس أبابا، في محاولة للمساهمة في إدارة الخلاف حول سد النهضة.
لكن الموقف الإماراتي لم يكن دائماً متطابقاً مع الرؤية المصرية بشأن كيفية التعامل مع أزمة السد.
وفي الوقت نفسه، استمرت العلاقات الإماراتية الإثيوبية في التوسع، ما جعل الدور الإماراتي في المنطقة موضع اهتمام ومراقبة، خصوصاً في ظل ارتباط ملف النيل بقضايا الأمن القومي المصري.
استثمار أم نفوذ إقليمي؟
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت أبوظبي تبحث في إثيوبيا عن الاستثمار والطاقة والنفوذ فقط؟ أم أن المياه والنيل والقرن الإفريقي أصبحت جميعها أوراقاً ضمن لعبة نفوذ إقليمية أكبر؟
فالتوسع الإماراتي في إثيوبيا لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الحضور الإماراتي المتنامي في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهي مناطق ترتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة والطاقة والتجارة والنفوذ السياسي.
هل بنت الإمارات سد النهضة؟
السؤال الأكثر إثارة للجدل هو: هل بَنت الإمارات سد النهضة؟ فالمعطيات الواردة في هذه الرواية لا تقول إن الإمارات قامت ببناء السد أو مولت إنشاءه بشكل مباشر.
لكن السؤال الأهم قد يكون مختلفاً: هل ساهم المال والنفوذ الإماراتي في تقوية الاقتصاد الإثيوبي، وبالتالي تعزيز قدرتها على المضي قدماً في مشروع أصبح ورقة ضغط استراتيجية على مصر؟ فالفرق كبير بين تمويل مشروع السد بشكل مباشر وبين تقديم دعم اقتصادي واستثماري لدولة تنفذ المشروع.
قصة أكبر من السد
في النهاية، لا تتعلق القضية بالسد وحده، بل بشبكة متشابكة من المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي. فإثيوبيا تنظر إلى سد النهضة باعتباره مشروعاً استراتيجياً، بينما ترى مصر أن طريقة إدارة السد وملء بحيرته وتشغيله ترتبط بشكل مباشر بأمنها المائي.
وفي خضم هذا الصراع، أصبح الحضور الإماراتي في إثيوبيا جزءاً من النقاش حول موازين القوى في المنطقة. وهكذا، تتحول قصة سد النهضة إلى قصة أكبر: ماء ومال ونفوذ وصراع على من يملك مفاتيح النيل.
اقرأ المزيد
سد النهضة يدخل أخطر اختبار.. الجفاف يكشف تحديات إدارة السد وتأثيرها على السودان ومصر
تصعيد عسكري وشيك على الحدود الإثيوبية السودانية يهدد النيل الأزرق وسد الروصيرص
مصر أمام اختبار مائي خطير.. إثيوبيا تلوّح بسدود جديدة والنيل الأزرق يدخل عصر النفوذ المائي

