وطن-في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة إعادة تحريك المسار الدبلوماسي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بدا الكرملين حذراً في التعامل مع التفاؤل الأمريكي بشأن إمكانية وضع «خريطة طريق» جديدة للتفاوض، مؤكداً أن الحديث لا يزال يدور حول مبادرة عامة ولم يتحول بعد إلى وثيقة سياسية رسمية أو اتفاق متكامل.
وبالتوازي مع هذا التحفظ، فتحت موسكو الباب أمام استئناف المفاوضات الثلاثية التي تجمع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في المستقبل القريب، في إشارة إلى أن القنوات الدبلوماسية بدأت تتحرك مجدداً، رغم استمرار العمليات العسكرية وغياب أي اختراق واضح حتى الآن.
موسكو: لا توجد خريطة طريق رسمية
قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن «خريطة الطريق» التي تحدث عنها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لا تمثل، في الوقت الراهن، وثيقة تفاوضية مكتملة أو برنامجاً تم الاتفاق عليه بين الأطراف.
وأوضح بيسكوف خلال مؤتمره الصحفي اليومي أن موسكو لا تملك حتى الآن «برنامجاً أو خريطة طريق تم إضفاء الطابع الرسمي عليها»، مشيراً إلى أن الموجود حالياً هو مبادرة عامة وإرادة سياسية مشتركة لاستئناف الحوار الثلاثي بين موسكو وكييف وواشنطن.
ويكشف هذا الموقف عن محاولة روسية لخفض سقف التوقعات المحيطة بالتحرك الأمريكي، بحيث لا يُنظر إلى الاتصالات الأخيرة باعتبارها تقدماً فعلياً نحو اتفاق سلام، وإنما باعتبارها خطوة أولى لإعادة فتح مسار تفاوضي متوقف.
الكرملين يلمّح إلى اجتماع قريب
ورغم تحفظه على وصف المبادرة بأنها «خريطة طريق»، أبدى بيسكوف استعداد موسكو لمواصلة المسار التفاوضي.
وقال إن الكرملين يأمل في استئناف المفاوضات «على المدى القريب»، مضيفاً أن موسكو تواصل اتصالاتها مع المسؤولين الأمريكيين.
وتشير هذه التصريحات إلى أن روسيا لا تغلق الباب أمام صيغة تفاوضية جديدة تضم واشنطن وكييف، حتى وإن كانت لا تزال بعيدة عن اعتبارها إطاراً رسمياً يمكن أن يقود مباشرة إلى اتفاق نهائي.
روبيو يتحدث عن فرصة خلال أسابيع
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد وصف المحادثات التي أجراها مبعوثا الرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مع المسؤولين الروس والأوكرانيين خلال عطلة نهاية الأسبوع بأنها «جوهرية».
ورأى روبيو أن هناك فرصة خلال الأسابيع المقبلة لتطوير خريطة طريق يمكن أن تساعد في إعادة إطلاق المفاوضات ووضع مسار سياسي أكثر وضوحاً، وربما الوصول في نهاية المطاف إلى صيغة تسوية مقبولة من الطرفين.
لكن الوزير الأمريكي أقر في الوقت نفسه بأن موسكو وكييف لم تبديا حتى الآن استعداداً واضحاً لتقديم التنازلات المطلوبة، في ظل استمرار تمسك كل طرف بمطالبه وما يعتبره خطوطاً حمراء في أي اتفاق محتمل.
ترامب يضغط لإنهاء الحرب
وتأتي هذه التحركات بعد اتصال هاتفي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، دعا خلاله ترامب إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا «في أقرب وقت»، معرباً عن ثقته بإمكانية الوصول إلى اتفاق سلام خلال ولايته الحالية.
وبحسب الرواية التي نقلتها «لا راثون»، عرض بوتين خلال الاتصال مجموعة من الخطوات التي ترى موسكو أن بإمكان الولايات المتحدة اتخاذها للمساعدة في تسوية النزاع، من دون الكشف عن تفاصيل هذه المقترحات.
ويأتي الاتصال في توقيت تحاول فيه إدارة ترامب إعادة بناء مسار تفاوضي جديد، بعد فترة طويلة من الجمود، مع السعي إلى الجمع بين الضغط السياسي والاتصالات المباشرة مع موسكو وكييف.
موسكو لا تفصل الحرب عن الدبلوماسية
وفي مؤشر آخر على طبيعة الموقف الروسي، أكد وزير الخارجية سيرغي لافروف أن استمرار القتال لا يتعارض، من وجهة نظر موسكو، مع استمرار المفاوضات.
وقال لافروف إن «القتال والدبلوماسية» يمكن أن يسيرا بالتوازي، معتبراً أنه لا يوجد ما يمنع استمرار المسارين في الوقت نفسه إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية.
وتعكس هذه المقاربة الروسية رفض ربط المفاوضات تلقائياً بوقف العمليات العسكرية، وهو ما قد يشكل أحد أبرز العوائق أمام أي محاولة أمريكية للتوصل سريعاً إلى وقف لإطلاق النار.
الحياد الأوكراني يعود إلى الواجهة
كما أعاد لافروف التأكيد على عدد من المطالب الروسية التي تعتبرها موسكو أساسية في أي تسوية. وقال إن الظروف التي دفعت روسيا في السابق إلى الاعتراف بأوكرانيا دولة مستقلة، ومن بينها حيادها ووضعها غير النووي، لم تعد قائمة، بحسب تعبيره.
وتشكل مسألة الحياد الأوكراني واحدة من أكثر القضايا حساسية في المفاوضات. فموسكو تريد ضمانات تمنع أوكرانيا من الانضمام إلى ترتيبات عسكرية تعتبرها روسيا تهديداً لأمنها، بينما ترى كييف أن تحديد تحالفاتها وخياراتها الأمنية جزء أساسي من سيادتها.
أكثر من ستة أشهر من الجمود
وتأتي عودة الاتصالات في أعقاب فترة طويلة من انقطاع المسار التفاوضي، إذ لم تتمكن موسكو وكييف من تحقيق تقدم سياسي ملموس بينما استمرت الحرب على الأرض.
وكانت الاتصالات الأخيرة بين الوسطاء الأمريكيين والقيادتين الروسية والأوكرانية بمثابة محاولة لإعادة تشغيل قناة تفاوضية توقفت لأشهر، إلا أنها لم تنتج حتى الآن اتفاقاً على وقف دائم لإطلاق النار أو إطار نهائي للتسوية.
بل إن التصعيد العسكري استمر بالتوازي مع التحركات السياسية، بما في ذلك تبادل الضربات، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين لغة الدبلوماسية وحسابات الميدان.
هل يعود الاجتماع الثلاثي؟
مع ذلك، تراهن واشنطن على إمكانية عقد اجتماع ثلاثي جديد يضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، على غرار اللقاء الذي جمع ممثلين عن الأطراف في جنيف في فبراير الماضي.
ومن شأن عقد اجتماع بهذا المستوى أن يمثل تطوراً سياسياً مهماً، لكنه لن يعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق سلام، خصوصاً أن القضايا الأساسية المتعلقة بالأراضي والأمن والحياد والضمانات المستقبلية لأوكرانيا لا تزال موضع خلاف عميق.
وتحاول واشنطن، في هذه المرحلة، تحويل الاتصالات الأولية إلى إطار تفاوضي أكثر وضوحاً، بينما تبدو موسكو حريصة على إبقاء سقف التوقعات منخفضاً وعدم التعامل مع المبادرة الأمريكية باعتبارها اتفاقاً قائماً.
فرصة دبلوماسية وسط حرب مستمرة
وبينما تستمر العمليات العسكرية، تفتح موسكو الباب أمام استئناف المفاوضات الثلاثية، في حين تتحدث واشنطن عن فرصة لبناء «خريطة طريق» خلال الأسابيع المقبلة.
لكن الفارق بين الموقفين واضح: الولايات المتحدة تريد تحويل الاتصالات إلى مسار سياسي قادر على إنتاج تسوية، بينما تؤكد روسيا أن الأمر لم يتجاوز بعد مرحلة المبادرة العامة.
وبذلك، تبدو الدبلوماسية أمام فرصة جديدة، لكنها لا تزال محاصرة بعقبات كبيرة، أبرزها غياب الاستعداد المتبادل للتنازل، واستمرار العمليات العسكرية، وتمسك موسكو وكييف بمطالب متعارضة بشأن مستقبل أوكرانيا وترتيبات أمنها.
فالطريق إلى اجتماع ثلاثي قد يكون أقصر من الطريق إلى اتفاق سلام، وبين الاثنين ستبقى قدرة واشنطن على إقناع موسكو وكييف بتجاوز خطوطهما الحمراء هي الاختبار الحقيقي لأي «خريطة طريق» مقبلة.
اقرأ المزيد
موسكو تشتعل.. مئات المسيّرات الأوكرانية تضرب قلب روسيا
ليلة نارية في أوكرانيا.. روسيا تشن أوسع هجوم بالصواريخ والمسيّرات ومخاوف من امتداد الحرب إلى بولندا
قبل قمة الناتو.. بوتين يبلغ ترامب: روسيا ستواصل الحرب حتى السيطرة الكاملة على دونباس

