وطن-لم تعد مشاهد قطع الأشجار في مصر تمرّ من دون جدل. فكل شجرة تُقتلع من شارع أو ميدان أو حديقة تفتح معها أسئلة حول جدوى ما يحدث، ومصير المساحات الخضراء، والأهم من ذلك: ماذا يحدث للأخشاب بعد سقوط الأشجار؟ فالشجرة التي يمكن أن تكون قد قضت عقودًا في مكانها، منحت الظل للمارة وارتبطت بذاكرة السكان، قد تختفي في دقائق تحت صوت المناشير، لكن رحلتها لا تنتهي بالضرورة عند لحظة القطع.
أشجار تسقط.. وأسئلة تبقى
خلال السنوات الأخيرة، أثارت عمليات إزالة الأشجار في عدد من المدن والمناطق المصرية انتقادات واسعة، خصوصًا عندما ترافقت مع مشروعات طرق وتطوير عمراني وإعادة تخطيط للمساحات العامة. وبينما تبرر السلطات بعض عمليات الإزالة باعتبارات مرتبطة بالمشروعات والتطوير، بقي سؤال مصير الأخشاب الناتجة عن هذه العمليات حاضرًا في النقاش العام: من يحصل عليها؟ كيف تُباع؟ وإلى أين تذهب؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية عند النظر إلى بيانات التجارة الدولية التي تظهر وجود حركة تجارية مسجلة للفحم الخشبي بين مصر وإسرائيل. فبحسب بيانات التجارة الدولية، استوردت إسرائيل من مصر خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024 نحو 19.5 مليون كيلوغرام من الفحم الخشبي، بقيمة إجمالية تقترب من 15 مليون دولار.
وتكشف البيانات عن ارتفاع تدريجي في الكميات، إذ بلغت الواردات الإسرائيلية نحو 5.5 ملايين كيلوغرام في عام 2022، قبل أن ترتفع إلى أكثر من 6 ملايين كيلوغرام في 2023، ثم تقترب من 8 ملايين كيلوغرام في 2024.
تؤكد هذه الأرقام وجود تجارة مسجلة، لكنها في الوقت نفسه لا تجيب عن السؤال الأكثر حساسية: ما مصدر الأخشاب التي صُنّع منها هذا الفحم؟ وهل لها أي علاقة بالأشجار التي يجري قطعها داخل المدن المصرية؟
من الشجرة إلى الفحم
في مصر، طُرحت خلال السنوات الماضية كميات من الأخشاب الناتجة عن أشجار جافة أو مقطوعة للبيع عبر مزادات، وشملت عمليات بيع أخشاب في مناطق مختلفة. وفي بعض المزادات، وصلت قيمة المبيعات إلى ملايين الجنيهات، بينما بيعت كميات أخرى من الأخشاب بالطن وفق الأسعار التي تحددها إجراءات المزاد.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن الأخشاب الناتجة عن الأشجار المقطوعة تمثل مادة قابلة للبيع وإعادة الاستخدام، سواء في صناعة الأخشاب أو في صناعات أخرى، ومن بينها صناعة الفحم الخشبي.
لكن وجود هذه القناة التجارية لا يعني تلقائيًا أن كل الأخشاب الناتجة عن قطع الأشجار في مصر تتحول إلى فحم، ولا يعني كذلك أن الفحم الذي تستورده إسرائيل مصنوع من هذه الأشجار تحديدًا.
وهذه نقطة أساسية في أي تناول صحفي للقضية، لأن بيانات التجارة الدولية تسجل حركة السلع بين الدول، لكنها لا تقدم وحدها سلسلة تتبع تسمح بمعرفة الشجرة التي جاء منها كل كيلوغرام من الفحم.
أرقام مصر وإسرائيل لا تتطابق
وتزداد الأسئلة إلحاحًا عندما تظهر فروق واضحة بين بيانات التجارة المصرية والبيانات الإسرائيلية. ففي عام 2024، تسجل البيانات المصرية صادرات من الفحم الخشبي إلى إسرائيل بقيمة تقارب 1.64 مليون دولار، وبكمية تقارب 1.49 مليون كيلوغرام. وفي المقابل، تظهر البيانات الإسرائيلية واردات من الفحم المصري بكميات وقيم أعلى بكثير، إذ تشير إلى نحو 7.9 ملايين كيلوغرام بقيمة تقترب من 6 ملايين دولار.
الفارق كبير-سواء من حيث القيمة أو الكمية- لا يمكن اعتباره بمفرده دليلًا على وجود تهريب أو تلاعب في التجارة. فبيانات التجارة الدولية قد تختلف بين بلد وآخر بسبب طرق تسجيل الشحنات، وتوقيت تسجيلها، وطريقة احتساب القيمة، والفارق بين بيانات الصادرات وبيانات الواردات، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بالتجارة الدولية وإعادة التصدير.
لكن هذا الاختلاف يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا لا تتطابق الأرقام؟ ومن يستطيع تفسير الفجوة بين ما تسجله مصر وما تسجله إسرائيل؟
أين يذهب الخشب؟
السؤال يصبح أكثر أهمية إذا انتقلنا من الأرقام إلى مصدر الخشب نفسه. فإذا كانت هناك كميات كبيرة من الفحم الخشبي تغادر مصر إلى الأسواق الخارجية، فمن أين تحصل مصانع الفحم على المواد الخام؟ فهل تعتمد على أخشاب مخصصة أصلًا لهذا النشاط؟ أم على مخلفات زراعية وصناعية؟ أم تدخل أخشاب الأشجار المقطوعة ضمن هذه الدورة التجارية؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من خلال بيانات الاستيراد والتصدير وحدها، بل تحتاج إلى تتبع فعلي لسلسلة الإنتاج، يبدأ من مصدر الأخشاب ويمر بالمصانع وشركات النقل والتجار، وصولًا إلى شركات التصدير والموانئ والجهات المستوردة.
حق الناس في معرفة المصير
وفي حالة الأشجار التي تُقطع داخل المدن، تبرز أيضًا مسألة أخرى تتعلق بالشفافية. فمن حق المواطنين أن يعرفوا، عندما تُقتلع شجرة بحجة التطوير، ما مصير أخشابها. هل بيعت في مزاد رسمي؟ من اشترى الخشب؟ ما الكمية التي بيعت؟ وبأي سعر؟ وهل جرى نقلها إلى مصنع معروف؟ وما المنتج الذي خرج منها في النهاية؟ وإذا تحولت هذه الأخشاب إلى فحم، فمن قام بعملية التصنيع؟ ومن صدّر المنتج؟ وما الوجهة النهائية للشحنة؟
هذه التفاصيل قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تصبح مهمة جدًا عندما ترتبط بجدل واسع حول مصير الأشجار في بلد يواجه أصلًا تحديات بيئية ومناخية مرتبطة بالمساحات الخضراء وارتفاع درجات الحرارة.
هل هناك رابط بين المسارين؟
أما الربط المباشر بين الأشجار التي تُقطع في شوارع ومناطق مصرية محددة وبين الفحم الذي وصل إلى إسرائيل، فلا يمكن إثباته اعتمادًا على أرقام التجارة وحدها.
فحتى الآن، لا تكشف البيانات التجارية عن مسار كل قطعة خشب منذ لحظة قطعها وحتى تحولها إلى فحم وتصديرها إلى الخارج.
وبالتالي، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت مصر تصدر الفحم إلى إسرائيل، لأن البيانات التجارية تشير بالفعل إلى وجود هذه التجارة، وإنما السؤال هو: ما مصدر هذا الفحم، وكيف دخل إلى سلسلة التصدير، ومن المستفيد اقتصاديًا من هذه العملية؟
كما أن الفجوة بين البيانات المصرية والإسرائيلية تستحق بدورها مزيدًا من البحث، ليس لأنها تثبت وجود مخالفة، وإنما لأنها تكشف اختلافًا كبيرًا في طريقة تسجيل التجارة يحتاج إلى تفسير واضح.
الشجرة تسقط.. والقصة تبدأ
في النهاية، القضية تتجاوز مجرد شجرة قُطعت أو شحنة فحم غادرت ميناءً. إنها تتعلق بسلسلة تبدأ من الأرض وتنتهي في السوق، وبحق المجتمع في معرفة ما يحدث للموارد التي تختفي من المجال العام بعد عمليات القطع والإزالة.
فالشجرة قد تسقط في دقائق، لكن خشبها يمكن أن يدخل بعد ذلك في رحلة طويلة: من موقع القطع إلى المزاد، ومن المزاد إلى المصنع، ومن المصنع إلى الميناء، ثم إلى سوق في بلد آخر.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا قُطعت الأشجار؟ بل أيضًا: من حصل على أخشابها؟ وبأي سعر؟ وأين انتهت؟
وعندما تظهر في الوقت نفسه بيانات عن ملايين الكيلوغرامات من الفحم الخشبي المصري التي وصلت إلى إسرائيل، يصبح تتبع هذه السلسلة أكثر أهمية، لا لإدانة طرف من دون دليل، وإنما لمعرفة الحقيقة كاملة.
فإذا كانت الشجرة تُقتلع باسم التطوير، فإن من حق الناس أن يعرفوا مصيرها بعد القطع. لأن الشجرة قد تسقط في دقائق، لكن قصة الخشب تبدأ بعد سقوطها.
اقرأ المزيد
إضراب عمال النسيج في مصر.. غضب الأجور يفتح جبهة جديدة في قلب الشرق الأوسط
موانئ مصر في مرمى الخطر.. هل تدفع الإسكندرية ودمياط ثمن التجارة مع إسرائيل؟
مصر خارج تحالف مكة.. هل اصطدمت الشراكة الدفاعية بمعاهدة السلام مع إسرائيل؟

