وطن-في 4 أغسطس/آب 2020، هزّ انفجار ضخم قلب بيروت، فدمّر أجزاء واسعة من المدينة وترك جرحًا نفسيًا عميقًا لدى آلاف اللبنانيين، لم يتوقف أثره عند لحظة الانفجار، بل امتد عبر السنوات، إلى الذاكرة والعلاقات والمنافي وحتى الأحلام.
ففي ذلك اليوم، انفجرت نحو 2750 طنًا من نترات الأمونيوم كانت مخزنة في مرفأ بيروت منذ عام 2013، في كارثة تُعد من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث.
وبينما تحطمت النوافذ والمنازل، تحطمت أيضًا لدى كثير من الناجين فكرة أساسية: أن البيت يمكن أن يكون مكانًا آمنًا.
«بيروت مكسورة.. وكذلك جسدي»
تروي «ناي»، وهي ناجية من الانفجار، أنها كانت في منزل عائلتها في بيروت مساء 4 أغسطس، تجري مكالمة عبر الإنترنت مع شريكها الموجود في فرنسا. غادرت غرفتها للحظات، وفي اللحظة نفسها وقع الانفجار.
وجدت نفسها مدفوعة بقوة إلى الممر، بينما تحولت غرفتها إلى ركام. تحطم الزجاج، وسقط جزء من السقف، وتناثرت الشظايا في كل مكان.
تقول إنها حتى اليوم لا تستطيع تفسير كيف نجت، مشيرة إلى أن كل شيء توقف أمام قدميها وكأن شيئًا ما حماها. لكن المشهد الذي بقي عالقًا في ذاكرتها لم يكن الدمار وحده، بل رؤية والدها وقد أصيبت قدماه بجروح بسبب الزجاج المحطم، بينما ظل متماسكًا إلى أن سأل عن زوجته، فانكسر صوته.
هذا النوع من الذكريات لم يغادر تفكيرها.
صدمة لا تنتهي بانتهاء الانفجار
بعد سنوات، ما زالت «ناي» تعاني من آثار الصدمة. وتقول إن الانفجار غيّر علاقتها بالمكان وأفقدها الإحساس بالأمان.
كانت قد غادرت لبنان عام 2021 لمتابعة دراستها للدكتوراه في الولايات المتحدة، لكن بيروت بقيت معها، لا باعتبارها مدينة فحسب، وإنما باعتبارها تجربة جسدية ونفسية مستمرة.
حتى في ولاية كارولاينا الشمالية، كانت أصوات العواصف الرعدية تعيد إليها إحساس الخطر. وعندما تتحدث عن ذلك، تقول إنها تبتعد عن النوافذ كما لو أنها يمكن أن تنفجر في أي لحظة. فالانفجار بالنسبة إليها لم يعد حدثًا وقع في الماضي، بل احتمالًا دائمًا بأن يحدث شيء آخر.
من باريس.. انفجار بيروت على شاشة الهاتف
كانت تجربة الكاتبة والباحثة التي جمعت شهادات الناجين مختلفة. فقد عاشت لحظة الانفجار من باريس، حيث كانت في حديقة لوكسمبورغ عندما شاهدت، عبر شاشة هاتفها، المدينة التي ولدت فيها وهي تنفجر. وفي تلك الساعات، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أرشيف حي للكارثة.
صور للمنازل المحطمة، مقاطع فيديو، يوميات، قصائد، رسومات، رسائل غاضبة، وأصوات تطلب التبرع بالدم ومساعدة المصابين.
كان اللبنانيون يوثقون ما يحدث لحظة بلحظة، في وقت بدا فيه العالم الخارجي عاجزًا عن فهم حجم الكارثة. وبالنسبة إلى أبناء الشتات اللبناني، أصبحت هذه الصور وسيلة لاستعادة مدينة يعيشون بعيدًا عنها، لكنها لم تعد المدينة نفسها التي عرفوها.
وسائل التواصل.. أرشيف وذاكرة جماعية
بعد ساعات قليلة من الانفجار، بدأت عملية جمع هذه الشهادات الرقمية. لم تكن مجرد منشورات عابرة، بل أصبحت بالنسبة إلى كثيرين سجلًا شخصيًا وجماعيًا للكارثة. ففي بلد يعاني أصلًا من ضعف الأرشيف المتعلق بالحروب والأحداث الكبرى، اكتسبت هذه المواد أهمية خاصة.
كان هناك خوف من أن تُنسى الحقيقة، أو تُطمس المسؤوليات، أو تتحول الكارثة مع مرور الوقت إلى مجرد صورة قديمة. لهذا، أصبح التوثيق شكلًا من أشكال المقاومة.
«كأن التاريخ يعيد نفسه»
لم يكن انفجار المرفأ منفصلًا عن ذاكرة أوسع لدى اللبنانيين. فالأجيال التي عاشت الحرب الأهلية اللبنانية حملت معها آثار تلك السنوات، غالبًا عبر الصمت والإنكار ومحاولة مواصلة الحياة وكأن شيئًا لم يحدث.
وتقول «ناي» إن والديها، بعد التأكد من أن أفراد الأسرة على قيد الحياة، دخلا مباشرة في ما تسميه «وضع إعادة البناء».
والدها استعد للذهاب للاطمئنان على زملائه، ووالدتها ساعدته، وكأن الكارثة حدث عابر يجب تجاوزه. بالنسبة إليها، كان ذلك انعكاسًا للطريقة التي تعلم بها جيل الحرب كيفية البقاء.
ذاكرة الآباء تنتقل إلى الأبناء
هنا تظهر فكرة «ذاكرة ما بعد الذاكرة»، التي طورتها الباحثة ماريان هيرش، والتي تشير إلى الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها آثار الصدمات الكبرى من جيل إلى آخر، حتى إلى أشخاص لم يعيشوا الحدث الأصلي بأنفسهم.
وفي الحالة اللبنانية، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. فماذا يحدث عندما لا يرث الأبناء ذكريات الحرب فقط، بل يرثون أيضًا الخوف من حرب جديدة، والسياسيين أنفسهم، والانقسامات نفسها، وكوارث تبدو وكأنها تتكرر؟
بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، لم يعد الماضي ماضيًا بالكامل. إنه حاضر يعيش داخل تفاصيل الحياة اليومية.
«أنتيغونا البيروتية».. الفن في مواجهة النسيان
من بين الأصوات التي حاولت تحويل الصدمة إلى عمل فني، الفنانة اللبنانية-الفرنسية ماري، التي أعادت صياغة شخصية «أنتيغونا» من الأساطير اليونانية من منظور لبناني.
كانت شخصية أنتيغونا، التي تتحدى سلطة الملك دفاعًا عن حقها الأخلاقي في دفن شقيقها، تحمل بالنسبة إليها معنى خاصًا في ظل الاحتجاجات والقمع والأزمات التي شهدها لبنان.
استلهمت ماري أيضًا إعادة الكاتب الفرنسي جان أنوي لشخصية أنتيغونا، والتي عُرضت للمرة الأولى في باريس عام 1944 خلال الاحتلال النازي.
لكنها أرادت إعادة كتابة القصة من خلال عدسة لبنانية، لتصبح أنتيغونا رمزًا لمجتمع يواجه السلطة والنسيان والإفلات من العقاب.
مدينة تغيّرت.. وذاكرة تغيّرت معها
عندما عادت ماري إلى بيروت بعد الانفجار، وجدت مدينة يصعب التعرف إليها. في أحياء مثل الجميزة، بقيت آثار الانفجار واضحة: نوافذ مفقودة، مبانٍ متضررة، ومنازل تحاول الاستمرار رغم آثار الدمار.
وتصف بعض المناطق بأنها أصبحت أشبه بـ«أحياء أشباح»، تضم مساكن للإيجار القصير الأجل، لكنها فقدت جزءًا من سكانها وروحها القديمة. وحتى الأصوات تغيّرت.
في طفولتها، كانت ماري وأختها تعدّان الفواصل بين أبواق السيارات. أما اليوم، فتعدّان أبواق السيارات بين فترات الصمت.
العدالة الغائبة تزيد الجرح عمقًا
بعد ست سنوات، لا يزال ملف انفجار مرفأ بيروت حاضرًا في الذاكرة، بينما تستمر عائلات الضحايا في المطالبة بالعدالة والمحاسبة.
لكن الاحتجاجات الشهرية أمام المرفأ، التي كان يشارك فيها أهالي الضحايا، أصبحت أصغر مع مرور الوقت. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالسؤال عن المسؤول عن الانفجار، بل أيضًا بما يعنيه غياب المحاسبة بالنسبة إلى الناجين.
بالنسبة إلى «ناي»، فإن فكرة أن كارثة بهذا الحجم يمكن أن تقع من دون أن يشعر المواطنون بأن المسؤولين يحاسبون عليها، خلقت إحساسًا عميقًا بالإهانة وفقدان القيمة.
من الانفجار إلى الخوف من «الحرب المقبلة»
بعد سنوات من الانفجار، أصبح سؤال آخر يفرض نفسه: هل يستطيع اللبنانيون فعلًا معالجة صدماتهم بينما تستمر المنطقة في إنتاج حروب وأزمات جديدة؟
تقول «تارا»، التي عاشت تجربة الانفجار أيضًا، إنها كانت بعد يوم واحد فقط من الكارثة تتحدث مع أصدقائها عن كيفية مغادرة البلاد، وفي الوقت نفسه عن الانتقام من السياسيين.
كانت المدينة مدمرة، والدخان لا يزال في الهواء، ومع ذلك كان عليهم التفكير في اليوم التالي. تلك القدرة على الانتقال السريع من الصدمة إلى محاولة مواصلة الحياة أصبحت سمة متكررة في التجربة اللبنانية.
«بيروت من جديد»
في عام 1990، كتبت الشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان عن الحرب الأهلية في السلفادور، وهي تشاهد أحداثها من منزلها في سان فرانسيسكو، فرأت فيها صدى لما عاشته بيروت.
وبعد عقود، بدا الوصف وكأنه يعود إلى المدينة نفسها. في 2021، لاحظت الباحثة مايا مقدشي أوجه التشابه بين لبنان عام 1990 ولبنان بعد انفجار المرفأ: ركام، نفايات، أزمات وقود، طوابير للحصول على الخبز، وانقسام سياسي وسلاح. كأن الزمن لا يتحرك إلى الأمام بالسرعة التي نتخيلها.
بيروت التي لم تنمِ بعد
اليوم، وبعد ست سنوات على الانفجار، لا تزال بيروت حاضرة في ذاكرة الناجين وأبناء الشتات والفنانين والباحثين.
من جهتها، تقول ماري إنها تستيقظ أحيانًا مرهقة، وتتفقد هاتفها وأخبار العالم، وتسأل نفسها إن كانت عائلتها بخير.
أما الرسم، فقد أصبح بالنسبة إليها وسيلة للبقاء، حيث تستخدم الطين في أعمالها، ربما كرد فعل على كل هذا الدمار، وتقول إن التوثيق أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. لكن السؤال يبقى مفتوحًا: كيف يمكن للإنسان أن يحزن على كارثة واحدة بينما تتراكم حوله كوارث أخرى؟ وربما لهذا السبب لا يزال انفجار مرفأ بيروت حيًا في الذاكرة.
فهو لم يكن مجرد انفجار دمّر الأبنية في دقائق، بل لحظة كشفت هشاشة مدينة كاملة، وفتحت جروحًا قديمة، وربطت ذاكرة جيل بذاكرة جيل آخر. وبينما قد لا يعرف اللبنانيون يومًا كل تفاصيل ما حدث في ذلك المساء، يبقى التوثيق والكتابة والفن وسيلة لمقاومة النسيان.
وكما كتبت إيتيل عدنان: بيروت لا تنام أبداً، لأن الذاكرة لا تعرف كيف تنام.
قد يعجبك
قصف إسرائيلي بالفوسفور الأبيض يستهدف بلدات في جنوب لبنان ودمار واسع في بيت الصياد
نواف الموسوي: لا انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان بلا قوة.. وحزب الله يتمسك بخيار المقاومة
من هو أنطون صحناوي؟ ولماذا أصبح مطلوبًا للتحقيق في لبنان بتهمة التعامل مع إسرائيل؟

