وطن-تتصاعد الضغوط داخل بريطانيا على الحكومة بشأن موقفها من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدما وجّهت عشرات الشخصيات العربية البريطانية البارزة رسالة مشتركة إلى وزير الخارجية إد ميليباند، طالبت فيها بالانتقال من الإدانة السياسية إلى إجراءات قانونية ملزمة تمنع أي نشاط اقتصادي بريطاني من المساهمة في توسع المستوطنات أو دعمها.
دعوة لسد الفجوة بين الموقف والقانون
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي“، حملت الرسالة المؤرخة في 24 أغسطس/آب 2026 دعوة واضحة للحكومة البريطانية إلى سد الفجوة بين موقفها المعلن بشأن عدم شرعية المستوطنات، وبين السياسات العملية التي قد تسمح باستمرار أنشطة اقتصادية بريطانية مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
ويرى الموقّعون أن القضية لم تعد تتعلق بموقف بريطانيا من قانونية المستوطنات، في ظل اعتراف لندن بعدم شرعيتها ودعمها قرارات دولية في هذا الشأن، وإنما بمدى كفاية الأدوات التي تستخدمها الحكومة حالياً لتنفيذ التزاماتها القانونية الدولية.
وتشير الرسالة إلى أن الإرشادات الطوعية والتمييز الجمركي والعقوبات المحدودة لا تكفي، بحسب أصحابها، لمنع الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تسهم في ترسيخ المستوطنات وتوسعها.
«عدم الاعتراف وعدم المساعدة»
وطالب الموقعون الحكومة البريطانية بتطبيق ثلاثة مبادئ رئيسية، هي عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني، وعدم تقديم المساعدة في استمراره، والتمييز بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.
وبحسب الرسالة، فإن هذه المبادئ معترف بها من جانب بريطانيا، لكن المطلوب هو تحويلها إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ والرقابة، بحيث لا تتحول الأموال أو الاستثمارات أو الأنشطة التجارية البريطانية إلى مصدر دعم للمشروع الاستيطاني.
ودعت الرسالة الوزراء إلى استخدام الصلاحيات القانونية المتاحة لهم، بالتنسيق مع شركاء دوليين، لمنع تدفق الأموال أو الأنشطة التجارية البريطانية التي قد تساعد على توسيع المستوطنات أو دعم استمرارها اقتصادياً.
عقوبات على شركات وأفراد
ولا تقتصر المطالب على وقف الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات، إذ يدعو الموقّعون أيضاً إلى توسيع نطاق العقوبات ليشمل أفراداً وشركات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني.
كما تطالب الرسالة بتطبيق مبدأ التمييز الكامل في المشتريات الحكومية والمعاملات العامة، إلى جانب التعاون مع دول أخرى لمنع التحايل على الإجراءات عبر شركات أو هياكل قانونية في دول ثالثة.
ويستند أصحاب المبادرة، وفق الصحيفة، إلى قانون العقوبات ومكافحة غسل الأموال البريطاني لعام 2018، باعتباره أحد الأطر القانونية التي يمكن للحكومة استخدامها لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
الاستناد إلى قرارات دولية
وتستند الرسالة كذلك إلى موقف بريطانيا في مجلس الأمن، بما في ذلك تصويتها عام 2016 لصالح القرار 2334، الذي أكد عدم وجود شرعية قانونية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما تشير إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024 بشأن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تضمنه من مواقف بشأن النشاط الاستيطاني وضرورة إنهائه.
ويعتبر الموقعون أن هذه المواقف القانونية والسياسية تفرض على بريطانيا، من وجهة نظرهم، التزامات تتجاوز إصدار البيانات إلى اتخاذ إجراءات عملية تحول دون تقديم أي دعم اقتصادي للنشاط الاستيطاني.
حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين
وربطت الرسالة بين وقف الدعم الاقتصادي للمستوطنات وبين حماية المدنيين الفلسطينيين، داعية بريطانيا إلى التعاون مع شركائها الدوليين لإنشاء آلية مخصصة لرصد وتوثيق أعمال العنف والتهجير وحماية المجتمعات الفلسطينية الأكثر تعرضاً للخطر في الضفة الغربية.
ويقترح أصحاب الرسالة أن تتضمن الآلية مراقبة مستقلة وتوثيقاً لحوادث عنف المستوطنين، إلى جانب توفير حماية للمجتمعات الفلسطينية التي تواجه مخاطر متزايدة.
ويرى الموقّعون أن عنف المستوطنين لا يمكن فصله عن البيئة الاستيطانية الأوسع، التي يقولون إنها توفر دعماً من خلال السيطرة على الأراضي والتمويل والحماية السياسية.
من بين الموقعين شخصيات عربية وفلسطينية
وتضم قائمة الموقعين شخصيات من قطاعات قانونية وحقوقية وصحية ومجتمعية، من بينها عدنان حميدان، رئيس المنتدى الفلسطيني في بريطانيا، وصباح المختار، رئيس جمعية المحامين العرب في المملكة المتحدة، والدكتور عمر عبد المنان، رئيس منظمة العاملين في القطاع الصحي من أجل فلسطين، وفداء شاهين، الأمينة العامة لحركة التضامن مع فلسطين.
وأكد الموقعون أن مطالبهم لا تستهدف الإسرائيليين أو إسرائيل بصورة عامة، ولا تدعو إلى فرض قيود شاملة على التجارة القانونية مع إسرائيل.
وشددوا بدلاً من ذلك على أن هدفهم، وفق ما ورد في الرسالة، هو ضمان عدم استخدام التجارة والاستثمارات البريطانية لدعم المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يتوافق مع ما تعتبره بريطانيا التزاماتها بموجب القانون الدولي.
ضغط متزايد على حكومة لندن
وتأتي هذه الرسالة في وقت تتعرض فيه الحكومة البريطانية لضغوط متزايدة بشأن موقفها من خطط التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية.
وبحسب ميدل إيست آي، انتقد وزير الخارجية إد ميليباند خطة الاستيطان المعروفة باسم E1، محذراً من تداعياتها على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وعلى مستقبل حل الدولتين.
وكانت الحكومة البريطانية قد أشارت إلى استعدادها لاتخاذ إجراءات جديدة على خلفية خطط استيطانية ترى أنها تهدد فرص تحقيق حل الدولتين.
هل تتحول المواقف إلى إجراءات؟
ويبقى السؤال الرئيسي المطروح في لندن هو ما إذا كانت الحكومة البريطانية ستكتفي بالمواقف السياسية والإدانات، أم ستنتقل إلى استخدام أدوات قانونية واقتصادية أكثر إلزاماً لمنع الشركات والأموال البريطانية من الارتباط بالمستوطنات.
ومع استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، يسعى الموقعون على الرسالة إلى تحويل النقاش من إدانة الاستيطان إلى منع أي مساهمة اقتصادية في استمراره.
وقد تشكل الرسالة، التي لا تزال مفتوحة أمام توقيعات جديدة، بداية لحملة ضغط أوسع من جانب شخصيات عربية وفلسطينية وحقوقية داخل بريطانيا، بهدف دفع الحكومة إلى ترجمة مواقفها القانونية بشأن المستوطنات إلى إجراءات عملية وملزمة.
اقرأ المزيد
بريطانيا تقترب من حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية.. ضغوط متزايدة على حكومة ستارمر
الاستيطان الإسرائيلي يطوّق جنين.. وفلسطينيون: “أرضنا باتت محرّمة علينا”
بريطانيا تعلن إجراءات ضد إسرائيل بسبب التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية
الإسرائيليون من أقل الجنسيات ترحيبًا في بريطانيا.. لماذا يتغير المزاج البريطاني تجاه إسرائيل؟

