وطن-افتتحت كوريا الشمالية وروسيا أول جسر بري يربط بين البلدين مباشرة عبر نهر تومن، في خطوة تتجاوز أهميتها مجرد تطوير البنية التحتية، وتأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ تقارباً متسارعاً على المستويين الاقتصادي والعسكري.
ويبلغ طول الجسر نحو كيلومتر واحد، ويتكون من مسارين، ويربط منطقة خاسان الروسية بمدينة تومانغانغ في كوريا الشمالية. ومن المقرر أن يسمح بمرور ما يصل إلى 300 مركبة يومياً، مع بدء نقل البضائع، على أن يصبح استخدامه لنقل الركاب ممكناً لاحقاً هذا العام.
جسر في توقيت سياسي حساس
جرت مراسم افتتاح الجسر، الاثنين، بمشاركة رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين ورئيس الوزراء الكوري الشمالي باك ثاي سونغ عبر اتصال بالفيديو.
وقدمت بيونغ يانغ المشروع باعتباره دليلاً على تطور العلاقات مع موسكو، بينما وصفه الجانب الروسي بأنه خطوة ستعزز التجارة والتعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والسياحي بين البلدين.
ويحمل الجسر اسم ياكوف نوفيتشينكو، وهو جندي سوفييتي تحظى قصته بمكانة رمزية في الرواية الرسمية لكوريا الشمالية.
لكن توقيت افتتاح الجسر يجعله أكثر من مجرد مشروع نقل. فمنذ اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، تحولت العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ إلى شراكة أكثر عمقاً، شملت التعاون العسكري والتبادل الاقتصادي.
طريق بري جديد بعد عقود من الاعتماد على السكك الحديدية
حتى الآن، كانت أبرز وسيلة اتصال برية بين روسيا وكوريا الشمالية تعتمد على خط السكك الحديدية الذي يمر عبر جسر الصداقة، فيما توجد أيضاً روابط جوية بين البلدين.
أما الجسر الجديد، فيوفر للمرة الأولى ممراً برياً مخصصاً للمركبات، ويضيف خياراً لوجستياً جديداً إلى شبكة النقل بين البلدين.
وتقول موسكو إن الجسر سيرتبط بشبكة الطرق الفيدرالية الروسية، بما يتيح الوصول إلى ممرات نقل رئيسية تمتد من الشرق الأقصى الروسي إلى مناطق أخرى من البلاد.
وبالنسبة إلى بيونغ يانغ، يمكن أن يمثل هذا الاتصال منفذاً جديداً للتجارة والنقل والسياحة، في وقت تحاول فيه توسيع خياراتها الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد الكبير على الصين.
موسكو وبيونغ يانغ.. تحالف يتجاوز التجارة
لا يمكن فصل الجسر الجديد عن التحول الكبير في العلاقات الروسية الكورية الشمالية خلال السنوات الأخيرة.
فكوريا الشمالية أرسلت قوات وذخائر لدعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وفق تقديرات وتقارير دولية، كما شاركت قوات كورية شمالية في منطقة كورسك الروسية عام 2024 لمساندة موسكو في مواجهة التوغل الأوكراني. وتقدر تقديرات حديثة عدد القوات التي أرسلتها بيونغ يانغ بنحو 15 ألف جندي في تلك المرحلة.
وفي المقابل، تحصل كوريا الشمالية على دعم سياسي واقتصادي وعسكري متزايد من روسيا، في وقت تواجه فيه بيونغ يانغ عقوبات دولية واسعة.
ولهذا، ينظر بعض الخبراء إلى الجسر باعتباره جزءاً من البنية التحتية التي يمكن أن تدعم هذا التقارب المتزايد، وليس مجرد مشروع تجاري منفصل.
مخاوف من استخدام الجسر في الإمدادات العسكرية
وتثير العلاقة العسكرية المتنامية بين موسكو وبيونغ يانغ مخاوف في أوكرانيا ودول غربية من إمكانية استخدام طرق النقل الجديدة في نقل معدات أو إمدادات عسكرية.
وحذرت جهات أوكرانية من أن الجسر يمكن أن يوفر قناة لوجستية جديدة بين البلدين، لكن لا يوجد ما يثبت أن الجسر افتُتح لغرض عسكري أو أنه سيستخدم بالفعل لنقل أسلحة.
وتزداد هذه المخاوف بسبب وجود تقارير عن إرسال كوريا الشمالية كميات كبيرة من الذخائر إلى روسيا، إلى جانب نشر قوات كورية شمالية في الأراضي الروسية.
لذلك، يبقى الجانب العسكري في هذه المسألة ضمن نطاق الاحتمالات والتحليلات، بينما الاستخدام المعلن للجسر هو نقل البضائع والأشخاص وتعزيز التعاون الاقتصادي.
الاقتصاد الكوري الشمالي يستفيد من التقارب مع موسكو
وتزامن تعميق العلاقات مع روسيا مع تحسن نسبي في أداء الاقتصاد الكوري الشمالي، وفق تقديرات البنك المركزي في كوريا الجنوبية.
فقد قدر البنك أن اقتصاد كوريا الشمالية نما بنحو 3.5% خلال عام 2025، مسجلاً ثالث عام متتالٍ من النمو الذي يتجاوز 3%.
وقال البنك إن توسع التعاون الاقتصادي مع روسيا، وزيادة التجارة مع الصين، إلى جانب مشاريع التنمية الحكومية، كانت من العوامل التي ساهمت في هذا النمو.
كما ارتفع قطاع التعدين والصناعة، فيما استفادت الصناعات التحويلية من زيادة الطلب، بما في ذلك الإنتاج المرتبط بالتعاون العسكري مع روسيا وفق تقديرات البنك.
وتبقى هذه الأرقام تقديرات خارجية، لأن كوريا الشمالية لا تنشر بيانات اقتصادية رسمية مفصلة عن اقتصادها.
الصين حاضرة في المعادلة أيضاً
ولا تتحرك بيونغ يانغ نحو موسكو بمعزل عن علاقتها التاريخية مع بكين، فالصين لا تزال الشريك التجاري الأكبر لكوريا الشمالية، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 98% من تجارة كوريا الشمالية تتم مع الصين.
وفي الوقت نفسه، تعمل كوريا الشمالية والصين على استكمال مشروع جسر جديد فوق نهر يالو يربط مدينة داندونغ الصينية بسينويجو الكورية الشمالية.
الجسر الجديد اكتمل إنشاؤه منذ سنوات، لكنه لم يدخل الخدمة رسمياً بسبب تأخر أعمال البنية التحتية والمنشآت الجمركية على الجانب الكوري الشمالي. وتشير صور الأقمار الصناعية إلى تقدم كبير في هذه الأعمال خلال 2026، ما يزيد احتمال تشغيله قريباً.
ممرات جديدة لكوريا الشمالية
إذا دخل الجسر الروسي والجسر الصيني الجديد الخدمة بشكل كامل، فستمتلك كوريا الشمالية خيارات برية أوسع للتجارة والحركة مع جارتيها الأكبر والأكثر أهمية بالنسبة إليها.
ويرى خبراء أن هذا التطور قد يمنح بيونغ يانغ هامشاً أكبر للمناورة بين موسكو وبكين، بدلاً من الاعتماد على مسار اقتصادي واحد.
لكن من السابق لأوانه القول إن ذلك سيُنهي عزلة كوريا الشمالية الاقتصادية؛ فالعقوبات الدولية لا تزال قائمة، كما أن حجم اقتصاد البلاد يظل صغيراً مقارنة بجيرانها.
وتقدر بيانات البنك المركزي الكوري الجنوبي الدخل القومي الإجمالي لكوريا الشمالية في 2025 بنحو 33.8 مليار دولار فقط، أي ما يعادل نحو 1.8% من اقتصاد كوريا الجنوبية.
هل تتشكل كتلة ثلاثية؟
في ظل توسع التعاون بين كوريا الشمالية وروسيا، واستمرار العلاقات الوثيقة مع الصين، بدأت تظهر تحليلات تتحدث عن تشكل محور ثلاثي بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ.
لكن وصف هذه الدول بأنها أصبحت بالفعل كتلة سياسية وعسكرية موحدة قد يكون مبالغاً فيه؛ فالعلاقات بين الدول الثلاث ليست متطابقة، ولكل منها حساباتها ومصالحها الخاصة.
مع ذلك، فإن تزامن افتتاح الجسر الروسي مع تقدم مشروع الجسر الصيني يمثل تحولاً لافتاً في الخريطة اللوجستية لكوريا الشمالية.
فبعد سنوات من العزلة الحدودية المشددة، تعمل بيونغ يانغ الآن على توسيع روابطها البرية مع القوتين اللتين تشكلان أهم شريكين لها في المنطقة.
من مشروع نقل إلى ورقة جيوسياسية
تقدم موسكو وبيونغ يانغ الجسر باعتباره مشروعاً لتعزيز التجارة والسياحة والتواصل بين الشعبين، لكن موقعه وتوقيته يجعلان منه أيضاً جزءاً من المشهد الجيوسياسي الجديد في شرق آسيا.
فروسيا تحتاج إلى توسيع خياراتها اللوجستية والتجارية في ظل العقوبات الغربية، بينما تبحث كوريا الشمالية عن أسواق ودعم وتكنولوجيا وشراكات تقلل من تأثير عزلتها الدولية.
وبينما لا يمكن الجزم بأن الجسر سيصبح ممراً عسكرياً، فإن وجوده يضيف قناة نقل جديدة إلى علاقة عسكرية واقتصادية أصبحت بالفعل أكثر عمقاً من أي وقت مضى.
وهنا تكمن أهمية المشروع: فالجسر الذي يعبر نهر تومن لا يربط فقط بين ضفتين، بل يفتح طريقاً جديداً أمام شراكة موسكو وبيونغ يانغ، في وقت تعيد فيه الحرب في أوكرانيا رسم التحالفات وموازين القوى في آسيا.
اقرأ المزيد
كيم جونغ أون يكشف أسلحة جديدة ويتوعد خصوم كوريا الشمالية بردع أقوى.
روسيا تفشل في استقطاب عمال كوريا الشمالية.. والسنغاليون يسدّون أزمة نقص العمالة

