وطن-عاد مشروع محطة الضبعة النووية في مصر إلى دائرة الجدل، بعد تقرير نشرته مجلة بوليتيكو استند إلى وثائق داخلية تحدثت عن ملاحظات هندسية وعيوب في أعمال الخرسانة والإنشاء، وأثارت تساؤلات بشأن جودة التنفيذ ومدى الالتزام ببعض المعايير الفنية في المشروع الذي تنفذه مؤسسة «روساتوم» الروسية.
وبحسب التقرير، تضمنت الوثائق ملاحظات على عدد من منشآت المحطة، بينها أساسات الوحدات النووية الأولى والثانية والثالثة، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالبنية الخرسانية في الوحدة الرابعة. كما تحدثت الوثائق عن مخاوف تتعلق بإدارة المشروع والالتزام ببعض التعهدات التعاقدية، وصولاً إلى احتمال تأخر تشغيل الوحدة الأولى عن الموعد الذي كان محدداً في الخطط الأولية.
لكن هذه المعطيات لا تعني، في حد ذاتها، أن المحطة غير آمنة أو أن تشغيلها يمثل خطراً على السكان، إذ إن المشكلات الإنشائية والملاحظات الفنية في المشاريع النووية تخضع لإجراءات فحص وتصحيح ورقابة متخصصة قبل السماح بالانتقال إلى مراحل التشغيل.
انتقادات لوضع الخرسانة
وأشارت «بوليتيكو» إلى أن الوثائق التي اطلعت عليها تحدثت عن ظهور عيوب في الخرسانة، بينها مشكلات في ألواح أساسات الوحدات الأولى والثانية والثالثة، وهي عيوب استغرق إصلاح بعضها فترة طويلة.
كما تطرقت إلى وجود فراغات خلف الكسوة المعدنية في الوحدة الرابعة، وملاحظات على البنية الخلوية للجدار الأسطواني لمبنى المفاعل.
وتكتسب مثل هذه الملاحظات حساسية استثنائية في مشروع نووي، لأن جودة الخرسانة والمنشآت الحاملة وأنظمة الاحتواء تمثل عناصر أساسية في سلامة المنشآت النووية.
اتهامات بالإهمال.. ماذا تقول الوثائق؟
الأكثر إثارة للجدل في التقرير كان ما يتعلق بإدارة المشروع، إذ أشارت وثائق داخلية إلى مخاطر مرتبطة بعدم الوفاء ببعض الالتزامات التعاقدية، فيما تضمنت إحدى المراسلات انتقادات لمسؤول في «روساتوم» بشأن طريقة التعامل مع بعض المشكلات.
ووفق التقرير، وصلت بعض الانتقادات إلى حد الحديث عن احتمال وجود إهمال متعمد، وهي اتهامات خطيرة لا يمكن اعتبارها مثبتة بمجرد ورودها في وثائق أو مراسلات داخلية، ما لم تؤكدها تحقيقات مستقلة أو جهات رقابية مختصة.
كما أثار التقرير احتمال تأخر دخول الوحدة الأولى إلى الخدمة، من الموعد الأولي في سبتمبر 2028 إلى مارس 2030.
مصر ترد: صورة غير دقيقة وغير متوازنة
في المقابل، سارعت هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء إلى الرد على ما ورد في التقرير، معتبرة أن المادة المنشورة قدمت صورة «غير دقيقة وغير متوازنة» عن واقع مشروع الضبعة.
وقالت الهيئة إن الملاحظات الفنية وحالات عدم المطابقة تعد أمراً وارداً في مشروع هندسي بهذا الحجم والتعقيد، وإنها تخضع للمعالجة والمتابعة والرقابة وفق الإجراءات الفنية المعتمدة.
وشددت الهيئة على أن تفسير تلك الملاحظات باعتبارها دليلاً على وجود مشكلة في سلامة المشروع يتجاهل السياق الفني والرقابي الذي تتم فيه أعمال الإنشاء.
ويأتي هذا الرد في وقت تؤكد فيه الهيئة استمرار تنفيذ المشروع وفق الجداول الزمنية المعتمدة، مع متابعة دورية للأعمال بالتعاون مع الجانب الروسي.
وروساتوم تنفي ثبوت الاتهامات
من جانبها، رفضت مؤسسة «روساتوم» الروسية ما اعتبرته اتهامات لم تثبت من خلال الإجراءات الفنية والرقابية المعتمدة في المشروع.
وتتمتع هيئة المحطات النووية المصرية بدور المالك والمشغل المستقبلي للمحطة، بينما تتولى شركات تابعة لـ«روساتوم» أعمال المقاول الرئيسي، بما في ذلك الهندسة والتوريد والبناء، وفق العقود المبرمة بين الجانبين.
وتشير الهيئة إلى أن اختيار تقنية مفاعلات الماء المضغوط الروسية من طراز «في في إي آر-1200» استند إلى اعتبارات تتعلق بالأمان والموثوقية، وأن التصميم ينتمي إلى الجيل الثالث المطور ويتوافق مع متطلبات الأمان الدولية لما بعد حادثة فوكوشيما.
أين وصل مشروع الضبعة؟
على الرغم من الجدل، يستمر العمل في الموقع. ففي يوليو 2026، أعلنت هيئة المحطات النووية تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية، بحضور رئيس الوزراء المصري ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعدد من المسؤولين المصريين والروس.
وتتكون محطة الضبعة من أربع وحدات نووية، تبلغ قدرة كل منها 1200 ميغاوات، بإجمالي قدرة إنتاجية تصل إلى 4800 ميغاوات.
كما بدأت أعمال الصبة الخرسانية الأولى للوحدة الرابعة في يناير 2024، وبذلك دخلت الوحدات الأربع مرحلة الإنشاءات الرئيسية.
هل تعني الملاحظات وجود خطر على المحطة؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية، فوجود عيوب أو حالات عدم مطابقة أثناء مرحلة البناء لا يعني بالضرورة وجود خطر نووي، لكن طريقة اكتشاف هذه العيوب ومعالجتها وتوثيقها وإخضاعها للرقابة المستقلة هي التي تحدد مدى خطورتها.
وفي المشاريع النووية، لا يكفي أن تقول الجهة المنفذة إن المشكلة عولجت، كما لا يكفي أن تورد وثائق داخلية وجود عيوب للحكم بأن المنشأة غير آمنة.
الفيصل في النهاية هو الجهات الرقابية المختصة، والاختبارات الهندسية، والوثائق الفنية، ومدى استيفاء المحطة لمتطلبات الترخيص والسلامة قبل التشغيل.
وتؤكد هيئة المحطات النووية أن موقع الضبعة خضع لدراسات جيولوجية وجيوفيزيائية وهيدرولوجية وزلزالية وجيوتقنية، وأن هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية منحت في مارس 2019 إذن قبول الموقع بعد مراجعة الوثائق والدراسات المقدمة.
مشروع استراتيجي بين مصر وروسيا
لا تقتصر أهمية الضبعة على كونها أول محطة نووية مصرية لتوليد الكهرباء، بل تمثل أيضاً أحد أكبر مشاريع التعاون الاستراتيجي بين القاهرة وموسكو.
وتراهن مصر على المحطة لإضافة مصدر كبير ومستقر للكهرباء، وتنويع مزيج الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري على المدى الطويل.
وفي المقابل، يمثل المشروع أحد أكبر مشاريع «روساتوم» الخارجية، ويمنح روسيا حضوراً طويل الأمد في قطاع الطاقة النووية المصري.
الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد
وبينما تؤكد القاهرة وموسكو استمرار العمل وفق المعايير المطلوبة، تطرح وثائق «بوليتيكو» أسئلة تستحق الإجابة، خصوصاً بشأن طبيعة العيوب التي ظهرت أثناء الإنشاء، وكيف جرى إصلاحها، ومن أشرف على عمليات المعالجة، وما إذا كان لذلك أي تأثير فعلي في الجداول الزمنية أو متطلبات السلامة.
وفي مشروع نووي بحجم الضبعة، لا تكمن أهمية هذه الأسئلة في إثارة المخاوف بقدر ما تكمن في ضرورة الشفافية.
فالجدل الحقيقي ليس حول وجود ملاحظات هندسية من عدمه، وإنما حول كيفية التعامل معها، ومن يراقب عملية الإصلاح، وما إذا كانت جميع المتطلبات الفنية والرقابية قد استوفيت قبل الانتقال إلى التشغيل.
وبين رواية تتحدث عن عيوب وتأخيرات، ورواية رسمية مصرية تنفي أن تكون تلك الملاحظات دليلاً على خلل في سلامة المشروع، يبقى مشروع الضبعة تحت المجهر، فيما تستمر أعمال البناء على الأرض.
اقرأ المزيد
موانئ مصر في مرمى الخطر.. هل تدفع الإسكندرية ودمياط ثمن التجارة مع إسرائيل؟
مصر خارج تحالف مكة.. هل اصطدمت الشراكة الدفاعية بمعاهدة السلام مع إسرائيل؟
حملة “120 مليون جندي مصري”.. دعم للجيش أم هروب من الأسئلة حول مسيّرة دمياط؟

