وطن-تكشف أزمة الهجرة في سبتة عمق الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي بشأن إدارة الحدود والهجرة، بعدما تحولت موجة الوصول الجماعي للمهاجرين إلى اختبار سياسي جديد للتضامن الأوروبي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على إسبانيا وتبرز مجدداً حساسية اعتمادها على المغرب في ضبط حدودها الجنوبية.
سبتة تعيد شبح أزمة 2015
أثارت مشاهد وصول آلاف المهاجرين إلى سبتة في نهاية يوليو صدمة لدى عدد من القادة الأوروبيين، وأعادت إلى الواجهة مخاوف تكرار موجة الهجرة التي شهدتها أوروبا عام 2015، في وقت يشهد فيه اليمين المتطرف صعوداً متواصلاً في عدد من دول القارة.
وبدلاً من التركيز أولاً على أسباب التدفق وكيفية حدوثه، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خصوصاً بسبب قرارها السابق تسوية أوضاع مهاجرين، على الرغم من عدم وجود علاقة مباشرة بين هذا القرار وأحداث سبتة.
إسبانيا أمام اختبار التضامن الأوروبي
أظهرت الأزمة أن إسبانيا تواجه صعوبات كبيرة في التعامل مع تدفقات جماعية للمهاجرين إلى سبتة ومليلية، كما كشفت محدودية التضامن الأوروبي عندما يتعلق الأمر بالدول الواقعة على الحدود الجنوبية للاتحاد.
وفي المقابل، تواجه مدريد معضلة أخرى تتمثل في علاقتها بالمغرب، إذ تحتاج إلى تعاون الرباط في مراقبة الحدود وإعادة المهاجرين، الأمر الذي يجعل ملف الهجرة جزءاً من العلاقات السياسية والاستراتيجية بين البلدين.
الفقر يدفع الشباب إلى البحث عن حياة أفضل
سلطت الأزمة الضوء أيضاً على الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين المغرب وسبتة، وعلى الظروف التي تدفع بعض الشباب إلى محاولة عبور الحدود بحثاً عن فرص أفضل.
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في المغرب نحو 4153 دولاراً عام 2024، مقابل قرابة 27 ألف دولار في سبتة.
وترى الباحثة إيريني فرنانديز مولينا، أن التناقض بين الخطاب الرسمي حول الاستقرار والتنمية وبين رغبة عدد من الشباب في مغادرة البلاد يعكس فجوة واضحة بين الصورة الرسمية والواقع الاجتماعي.
ميلوني وفريدريكسن تضغطان على مدريد
تحولت أزمة سبتة سريعاً إلى مواجهة سياسية داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما قادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني حملة انتقادات ضد حكومة سانشيز.
وفي البداية، حصلت ميلوني على دعم 21 دولة، قبل أن ينحصر موقفها لاحقاً في تحالف مع رئيسة الوزراء الدنماركية ميتّه فريدريكسن، على الرغم من الاختلاف الكبير بين خلفيتهما السياسية.
ويجمع الطرفين موقف أكثر تشدداً تجاه الهجرة غير النظامية، في انعكاس لتحول القضية إلى ورقة سياسية وانتخابية في عدد من الدول الأوروبية.
من ميركل إلى صعود اليمين المتطرف
يعود جانب كبير من الجدل الأوروبي الحالي إلى أزمة اللاجئين عام 2015، عندما فتحت المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل الحدود أمام أعداد ضخمة من طالبي اللجوء، قائلة عبارتها الشهيرة: «سننجح في ذلك».
وبين عامي 2015 و2016، استقبلت ألمانيا نحو 1.2 مليون شخص، لكن تداعيات تلك السياسة ساهمت في تصاعد المخاوف الأمنية والسياسية، كما استفادت منها أحزاب اليمين المتطرف، وعلى رأسها حزب «البديل من أجل ألمانيا».
وبعد عقد، أصبح الحزب قوة رئيسية في المعارضة الألمانية، بينما انتقلت قضايا الهجرة والأمن تدريجياً إلى قلب أجندة الأحزاب المحافظة التقليدية.
ميثاق الهجرة الأوروبي يواجه أول اختبار
اندلعت أزمة سبتة بعد أسابيع قليلة من دخول الإصلاح الأوروبي الجديد للهجرة حيز التنفيذ، وهو إصلاح يهدف إلى تعزيز مراقبة الحدود الخارجية، وتوزيع المسؤوليات بين الدول الأعضاء، وتنظيم إجراءات العودة والتعامل مع «الدول الثالثة الآمنة».
لكن الأزمة أظهرت أن تطبيق السياسة الأوروبية الموحدة لا يزال يواجه اختلافات كبيرة بين الدول، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالدول الواقعة على الحدود الجنوبية للاتحاد.
وتزداد صعوبة الموقف مع استمرار الخلاف حول مدى فعالية سياسة نقل مسؤولية ضبط الهجرة إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي.
إيطاليا تواجه تناقضاتها الخاصة
على الرغم من انتقادات ميلوني لإسبانيا، تظهر البيانات أن إيطاليا تواجه بدورها تدفقات كبيرة من الهجرة غير النظامية.
ووفق الأرقام التي أوردها التقرير نقلاً عن وكالة «فرونتكس»، تراجعت عمليات الدخول غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 37% بين يناير ويوليو 2026، إلى نحو 61 ألف حالة.
وسجل طريق وسط البحر المتوسط، الممتد من ليبيا وتونس باتجاه إيطاليا، 16,454 حالة، مقابل 11,217 حالة في غرب البحر المتوسط، أي الطريق الإسباني عبر مضيق جبل طارق. وكان الطريق الإسباني الوحيد بين المسارات الرئيسية الذي شهد زيادة، بلغت 37% مقارنة بعام 2025.
المغرب.. شريك استراتيجي أم ورقة ضغط؟
تضع أزمة سبتة العلاقة بين مدريد والرباط أمام اختبار حساس. فالحكومة الإسبانية تصر على اعتبار المغرب «شريكاً استراتيجياً وموثوقاً»، بينما يرى منتقدو هذه السياسة أن اعتماد مدريد الكبير على التعاون المغربي في مراقبة الحدود يضعها في موقف تفاوضي ضعيف.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر لأن سبتة ومليلية تمثلان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع إفريقيا، ما يجعل أي أزمة على الحدود بين المغرب والمدينتين ذات انعكاسات مباشرة على إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
أوروبا أمام معادلة صعبة
تضع أزمة سبتة الاتحاد الأوروبي أمام معادلة معقدة: دول الجنوب، وعلى رأسها إسبانيا وإيطاليا واليونان، تتحمل الجزء الأكبر من ضغط الحدود والهجرة، بينما تتعامل دول الشمال مع الملف من منظور أمني وسياسي وانتخابي مختلف.
وفي الوقت نفسه، يدفع صعود اليمين المتطرف الحكومات الأوروبية إلى تبني سياسات أكثر تشدداً تجاه الهجرة، حتى في دول كانت تقليدياً أكثر انفتاحاً.
وهكذا تحولت أزمة سبتة من قضية حدودية بين إسبانيا والمغرب إلى اختبار أوسع لقدرة الاتحاد الأوروبي على بناء سياسة هجرة مشتركة تقوم على توزيع المسؤوليات والتضامن بين دوله.
اقرأ المزيد
طبيبة طوارئ في سبتة تحذر من ارتفاع محتمل في حالات الجرب والسل بعد موجة الهجرة
6 اعتداءات جنسية قيد التحقيق.. الوجه الخفي لأزمة المهاجرين في سبتة
“المغرب لم يمنحني شيئاً”.. آلاف الشباب يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة وسط مأساة إنسانية
أزمة سبتة تتصاعد.. اتهامات لإسرائيل وأميركا بعد عبور 60 ألف مهاجر من المغرب إلى إسبانيا

