وطن-تشهد مدينة سبتة الإسبانية، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب، واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية في تاريخها، بعدما عبر عشرات الآلاف من المغاربة الحدود خلال أيام قليلة، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمات البطالة والفقر والهجرة، وأثار تساؤلات واسعة حول أسباب هذا التدفق غير المسبوق.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي“، دخل نحو 72 ألف شخص مدينة سبتة بطريقة غير نظامية خلال الأسبوع الماضي، بينما أعلنت الحكومة الإسبانية أنها أعادت ما يقارب 70 ألف مهاجر إلى المغرب، في حين لا تزال عمليات البحث والإنقاذ مستمرة بعد سقوط عدد كبير من الضحايا.
141 قتيلاً وآلاف الأطفال بين المهاجرين
ووفقاً للتقرير، شارك في موجة العبور نحو 8 آلاف طفل، بينما ارتفع عدد الوفيات إلى 141 شخصاً، مع توقعات بزيادة الحصيلة بسبب استمرار عمليات البحث عن مفقودين.
وأوضحت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن المشاهد التي شهدتها الحدود تعكس حالة من “اليأس العميق” لدى الشباب المغربي، نتيجة غياب فرص العمل، واستمرار الفساد، وتراجع العدالة الاجتماعية، وتدهور الظروف المعيشية.
كما حملت الجمعية الدولة المغربية المسؤولية الكاملة عن موجة النزوح، معتبرة أن ما حدث يشبه الأوضاع التي تشهدها مناطق الحروب والنزاعات.
اتهامات بتواطؤ السلطات المغربية
وعلى الرغم من أن وزارة الداخلية المغربية أرجعت موجة الهجرة إلى معلومات مضللة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال شبكات تهريب البشر لقرار قضائي إسباني يتعلق بإعادة المهاجرين، فإن خبراء ومهاجرين تحدثوا إلى ميدل إيست آي قدموا رواية مختلفة.
وقالت كارلا هوبز، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن حدوث هذه الموجة “كان سيصبح صعباً للغاية من دون قدر من التواطؤ المغربي”، مشيرة إلى أن تخفيف الرقابة الحدودية وتوقيت الأزمة بعد زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر يعززان هذا الانطباع.
“قالوا لنا: أسرعوا… ادخلوا إلى الماء”
يروي حمزة، البالغ من العمر 19 عاماً، والذي قطع أكثر من 40 كيلومتراً سيراً للوصول إلى سبتة، أن عناصر الأمن المغربي لم يمنعوا المهاجرين من العبور، بل شجعوهم على ذلك.
وقال لموقع “ميدل إيست آي”: “كانوا يقولون لنا: أسرعوا… ادخلوا إلى الماء”، مضيفاً أن رجال الشرطة كانوا يستخدمون العصي فقط ضد من يتردد في العبور أو يحاول العودة.
وأكد حمزة أنه لن يعود إلى المغرب مهما حدث، قائلاً: “المغرب لم يمنحني شيئاً”، موضحاً أن شهاداته الدراسية لم تساعده في العثور على عمل يوفر له حياة كريمة.
شباب يحملون الشهادات… لكن بلا مستقبل
وتشترك أسماء، البالغة من العمر 23 عاماً والمنحدرة من الدار البيضاء، مع حمزة في الشعور ذاته، إذ قالت إنها قررت التوجه إلى سبتة بعد مشاهدة منشورات على “إنستغرام” تتحدث عن إمكانية العبور.
وأكدت أن الشرطة المغربية تعاملت مع المهاجرين بهدوء، ولم تمنعهم من المغادرة طالما لم تقع أعمال شغب أو عنف.
وأشار التقرير إلى أن غالبية المهاجرين في هذه الموجة هم من الشباب المغربي، في تحول لافت مقارنة بموجات سابقة كان يقودها مهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
من حلم أوروبا إلى كابوس
أما يونس، وهو شاب مغربي يحمل شهادة جامعية ويتحدث عدة لغات، فقال إنه اعتقد أن الوصول إلى سبتة سيكون بداية حياة جديدة.
وأوضح أنه شاهد ثلاثة مراهقين يغرقون أثناء السباحة نحو المدينة الإسبانية، مضيفاً أنه شعر بسعادة كبيرة فور وصوله، لكنها لم تدم طويلاً بعدما تعرض للضرب من قبل السلطات.
كما وصف الظروف داخل سبتة بأنها كارثية، مشيراً إلى نقص المياه، وإغلاق المتاجر، وانهيار عدد من المهاجرين من شدة الإرهاق، إلى جانب تهديد بعضهم بالسلاح.
وقال يونس إن حلمه تحول إلى كابوس، موجهاً رسالة إلى الأسر المغربية بعدم إرسال أبنائها إلى هذه الرحلة الخطيرة.
عائلات تبحث عن أبنائها المفقودين
وفي الجانب المغربي من الحدود، ما تزال عشرات العائلات تنتظر أي خبر عن أبنائها. ومن بين هؤلاء نجاة، وهي أم لستة أبناء، حاول ثلاثة منهم عبور الحدود، بينهم طفلتان تبلغان 12 و13 عاماً.
وقالت إنها لم تتلق أي اتصال منهم منذ مغادرتهم، ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانوا على قيد الحياة، معربة عن خوفها الشديد من تعرض ابنتيها للعنف أو الاستغلال.
منظمات حقوقية تتحدث عن ترحيل قسري
من جانبها، قالت منظمة “No Name Kitchen”، التي تعمل مع المهاجرين، إنها وثقت عمليات ترحيل جماعية واستخداماً للقوة ضد المهاجرين لإجبارهم على العودة إلى المغرب.
وأوضح منسق المنظمة ريك فرنانديز أن قوات الأمن شكلت سلاسل بشرية لدفع المهاجرين نحو الحدود، مع تسجيل حالات ضرب وركل وتهديد، خاصة خلال عمليات الترحيل الليلية.
وأضاف أن المنظمة تعمل حالياً على توثيق الحالات التي يحق لها طلب الحماية الدولية، خشية ترحيل أصحابها قبل استكمال الإجراءات القانونية.
توتر جديد بين الرباط ومدريد
ويرى التقرير أن الأزمة الحالية قد تلقي بظلالها على العلاقات بين المغرب وإسبانيا، رغم التحسن الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة بعد أزمة الصحراء الغربية.
وتعتقد الباحثة كارلا هوبز أن الحكومة الإسبانية لن تنسى هذه الأزمة بسهولة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسبانية، حيث قد تستغل أحزاب اليمين المتشدد مشاهد الهجرة في حملاتها السياسية.
كما رجحت أن تعتبر الرباط رد الفعل الأوروبي المحدود دليلاً على أن استخدام ورقة الهجرة لا يزال أداة ضغط فعالة في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، ما قد يشجع على تكرار هذا السيناريو مستقبلاً.
اقرأ المزيد
وثيقة تاريخية تكشف مواجهة نارية بين الحسن الثاني وسواريز حول سبتة ومليلية سنة 1978
المغرب يحمّل المافيات والتضليل الإعلامي مسؤولية أزمة سبتة بعد حكم المحكمة العليا
أزمة سبتة تتصاعد.. اتهامات لإسرائيل وأميركا بعد عبور 60 ألف مهاجر من المغرب إلى إسبانيا
هل تدفع إسبانيا ثمن مواقفها من غزة؟.. أزمة سبتة تتجاوز ملف الهجرة

