وطن-هل وجدت نفسك تفتح هاتفك، وتتصفح بعض المنشورات لدقائق، ثم تغلقه دون أن تعرف لماذا فعلت ذلك أصلاً؟ هذا السلوك الذي يبدو عابراً أصبح شائعاً للغاية، وبدأ الباحثون يهتمون به باعتباره جزءاً من العادات الرقمية التي تؤثر في الانتباه والملل وطريقة تعاملنا مع الوقت.
فتح الهاتف أصبح عادة تلقائية
أصبح الهاتف الذكي حاضراً في معظم تفاصيل الحياة اليومية، ولم يعد استخدامه مرتبطاً فقط بالمكالمات والرسائل. وبحسب ما أوردته مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية، نقلاً عن بيانات مقياس الرقمنة لعام 2025، يقول 72% من الفرنسيين إنهم يقضون أكثر من ساعتين يومياً أمام الشاشات لأغراض شخصية، بينما يتجاوز الاستخدام خمس ساعات لدى 25% منهم.
ومع هذا الاستخدام المكثف، يمكن أن يتحول فتح الهاتف من قرار واعٍ إلى مجرد استجابة تلقائية للشعور بالملل أو الانتظار أو الفراغ.
يدك قد تسبق تفكيرك
يسمي الباحثون هذا السلوك التحقق العفوي من الهاتف، أي أن الشخص يمسك هاتفه ويتفقده دون وجود مهمة محددة يريد إنجازها. قد يحدث ذلك أثناء انتظار المصعد، أو أثناء الجلوس بمفرده، أو حتى بعد دقائق قليلة من إغلاق الهاتف.
المثير للاهتمام أن الشخص قد لا يكون يبحث عن شيء محدد، وإنما أصبح الهاتف نفسه وسيلة تلقائية لملء أي لحظة فراغ.
الهاتف يسرق لحظات الشرود
قبل انتشار الهواتف الذكية، كانت لحظات الانتظار والملل تمنح العقل مساحة للشرود والتفكير الحر. أما اليوم، فقد تتحول هذه الثواني إلى فرصة لفتح تطبيقات التواصل الاجتماعي ومشاهدة مقاطع قصيرة أو قراءة منشورات متتالية.
ويرى علماء النفس أن الشرود الذهني ليس بالضرورة وقتاً ضائعاً؛ إذ يمكن أن يمنح العقل فرصة للتجول بين الأفكار وربط المعلومات واستعادة الهدوء، بينما يؤدي التدفق المستمر للمحتوى إلى إبقاء الانتباه مشغولاً باستمرار. وهنا لا تكمن المشكلة في استخدام الهاتف بحد ذاته، وإنما في أن يصبح الخيار التلقائي كلما ظهرت لحظة فراغ.
الخوف من أن يفوتك شيء
تتمثل أحد التفسيرات المحتملة لهذا السلوك في ما يُعرف باسم الخوف من فوات شيء مهم، أو «فومو». وهو شعور يدفع الشخص إلى الاعتقاد بأن هناك ربما رسالة جديدة، أو خبراً مهماً، أو منشوراً يجب رؤيته، أو حدثاً يجري في هذه اللحظة.
حتى عندما لا يصل أي إشعار، قد يدفع هذا التوقع الشخص إلى فتح الهاتف مرة أخرى للتأكد. ومع تكرار السلوك، يمكن أن يتحول إلى دائرة من الأفعال مثل:
فراغ أو ملل → فتح الهاتف → محتوى سريع → إغلاق الهاتف → عودة الفراغ → فتح الهاتف من جديد.
لماذا يبدو التصفح ممتعاً رغم أنه بلا هدف؟
التطبيقات الحديثة مصممة لتقديم محتوى متتابع وسريع، ولذلك لا يحتاج المستخدم إلى اتخاذ قرار كبير في كل مرة؛ يكفي تمرير الشاشة ليظهر شيء جديد. وهذا يجعل الهاتف حلاً سريعاً للملل، لكنه قد يجعلنا أيضاً أقل قدرة على تحمل اللحظات التي لا يحدث فيها شيء.
ولهذا قد يجد الشخص نفسه يتصفح هاتفه دون أن يكون لديه هدف واضح، ثم يكتشف بعد دقائق أنه لم يفعل شيئاً مما كان يحتاج إليه فعلاً.
هل المشكلة في عدد الساعات فقط؟
ليس بالضرورة، فقد يستخدم شخص هاتفه لساعتين لإنجاز أعمال مهمة أو التواصل مع عائلته، بينما يستخدم شخص آخر الهاتف لعدد أقل من الساعات، لكنه يفتحه عشرات المرات خلال اليوم دون هدف.
لذلك فإن السؤال المفيد ليس فقط: كم ساعة أقضي على الهاتف؟ بل أيضاً: كم مرة أستخدمه تلقائياً دون أن أقرر ذلك؟
تجربة بسيطة قد تكشف عادتك
في المرة المقبلة التي تمد فيها يدك إلى الهاتف، توقف لثلاث ثوانٍ واسأل نفسك: «ماذا أريد أن أفعل على الهاتف الآن؟» إذا كان لديك جواب واضح، استخدمه وأنجز ما تحتاج إليه، أما إذا لم تجد سبباً محدداً، فجرب أن تترك الهاتف جانباً لدقيقة واحدة فقط، ولاحظ ما إذا كنت تشعر بالملل أو التوتر أو الرغبة في معرفة ما يحدث. هذا التوقف القصير يمكن أن يساعدك على اكتشاف الفرق بين الاستخدام المقصود والاستخدام التلقائي.
فتح الهاتف دون سبب واضح ليس بالضرورة علامة على مشكلة نفسية، لكنه قد يكون دليلاً على أن استخدام الهاتف تحول إلى عادة آلية مرتبطة بالملل والانتظار والخوف من فوات المستجدات.
وربما يكون السؤال الأهم في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك تتصفح بلا هدف: هل أنا بحاجة فعلاً إلى هاتفي الآن، أم أنني فقط لم أعد معتاداً على أن أترك عقلي يشعر بالملل؟
اقرأ أيضاً
هل أنت فعلاً أفضل نسخة من نفسك؟ علم النفس يكشف كيف تغيّر الظروف شخصيتك وسلوكك
تأثير دانينغ-كروغر: لماذا يثق الجاهل بنفسه بينما يشك الخبير في قدراته؟
ما هو أفضل مستوى لشحن بطارية الهاتف؟ الخبراء يحذّرون من وصول شحن الهاتف إلى 100%
لماذا نلتقط لقطات الشاشة باستمرار؟ علم النفس يكشف السر وراء هذه العادة اليومية

