وطن-نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن أفعالنا تكشف حقيقتنا الداخلية، وأن الإنسان الكريم سيبقى كريماً في مختلف المواقف، وأن الشخص الرحيم لن يتردد في مساعدة من يحتاج إليه. لكن علم النفس الاجتماعي يقدم صورة أكثر تعقيداً بكثير؛ فسلوك الإنسان لا تحدده القيم التي يؤمن بها وحدها، بل يمكن أن يتأثر بصورة كبيرة بالوقت والضغط والتوتر والبيئة والأشخاص المحيطين به.
وبحسب ما أوردته مجلة “سان إي ناتيرال” فرنسية في تقرير حول السلوك البشري، فإن الرغبة في أن نصبح أشخاصاً أفضل لا تتعلق فقط بتنمية صفات مثل الصبر والكرم والتعاطف، وإنما تتطلب أيضاً فهم الظروف التي يمكن أن تدفعنا إلى التصرف بطريقة لا تتوافق مع القيم التي نؤمن بها.
عندما تتغلب العجلة على النوايا الطيبة
من أشهر الأمثلة التي توضح هذه المفارقة تجربة نفسية أُجريت على طلاب في معهد لاهوتي. كان بعض المشاركين يستعدون للحديث عن قصة «السامري الصالح»، وهي قصة دينية تتمحور حول مساعدة شخص غريب يحتاج إلى النجدة.
لكن عندما انتقل هؤلاء الطلاب من التفكير في القيم الأخلاقية إلى موقف واقعي، لم يتصرف كثير منهم بالطريقة التي كان يمكن توقعها. فقد مروا بجانب شخص بدا في حالة صحية سيئة من دون التوقف لمساعدته، والسبب الأساسي كان شعورهم بأنهم متأخرون عن موعدهم.
تكشف هذه النتيجة أن الظروف التي نعيشها في لحظة معينة يمكن أن تكون أقوى تأثيراً على سلوكنا من المبادئ التي نعتقد أننا نتمسك بها.
كيف يمكن للإنسان أن يصبح أفضل؟
عندما نسأل شخصاً عن الطريقة التي يمكن أن يصبح بها إنساناً أفضل، تأتي الإجابات عادة على شكل قائمة من الفضائل: التحلي بالصبر، مساعدة الآخرين، الاستماع إليهم، إظهار التعاطف، والتصرف بكرم ورحمة.
ورغم أهمية هذه الصفات، فإن هذا التصور يفترض ضمنياً أن السلوك الأخلاقي ناتج عن صفات ثابتة داخل الشخصية، وأن الشخص الذي يمتلك صفة معينة سيستخدمها بالطريقة نفسها تقريباً في جميع الظروف. لكن أبحاثاً عديدة في علم النفس الاجتماعي شككت في بساطة هذه الفكرة.
فالإنسان ليس آلة تعمل بالطريقة نفسها في كل موقف، كما أن السلوك الأخلاقي لا يشبه عضلة يمكن تقويتها بالتدريب ثم الاعتماد عليها مهما تغيرت الظروف. فقد يكون ضيق الوقت، أو التعب، أو التوتر، أو ضغط الآخرين، أو حتى طبيعة المكان المحيط بنا، كافياً لتغيير قرارنا.
ولهذا فإن محاولة تحسين سلوكنا لا تتطلب فقط تغيير أنفسنا، بل أيضاً فهم الظروف التي تؤثر في قراراتنا وتنظيم حياتنا وبيئتنا بطريقة تجعل السلوك الذي نريده أسهل وأكثر احتمالاً.
تجربة «السامري الصالح».. ماذا حدث؟
في عام 1973، أجرى عالما النفس جون دارلي وسي. دانيال باتسون تجربة أصبحت لاحقاً من أشهر الدراسات في علم النفس الاجتماعي، بهدف معرفة العوامل التي تدفع الإنسان إلى مساعدة شخص يواجه مشكلة.
شارك في التجربة طلاب من معهد لاهوتي، وطُلب منهم الانتقال إلى مبنى آخر لتسجيل مداخلة قصيرة. وطُلب من بعضهم التفكير في قصة «السامري الصالح»، التي تتحدث عن رجل توقف لمساعدة شخص غريب تُرك على جانب الطريق، بينما طُلب من آخرين التحضير لموضوع مختلف لا يرتبط مباشرة بمساعدة الآخرين.
وخلال طريقهم إلى المبنى، واجه المشاركون رجلاً يجلس عند مدخل أحد الأبواب ويبدو في حالة صحية صعبة. كان منحنياً ويسعل، ما يوحي بأنه يحتاج إلى المساعدة. وهنا ظهر السؤال الحقيقي للتجربة: هل سيتوقف المشاركون لمساعدته، أم سيواصلون طريقهم؟
دقائق قليلة غيّرت القرار
كان العامل الأكثر تأثيراً في النتيجة هو شعور المشاركين بضغط الوقت، إذ أُبلغ بعض الطلاب بأن لديهم وقتاً كافياً للوصول إلى المكان المطلوب، بينما أُوحي لآخرين بأنهم متأخرون وأن عليهم الإسراع.
وكان الفارق واضحاً للغاية. فقد توقف نحو 63% من المشاركين الذين لم يشعروا بضغط الوقت لتقديم المساعدة، بينما تراجعت النسبة إلى نحو 10% فقط بين الذين اعتقدوا أنهم متأخرون.
وكانت المفاجأة أن التفكير في قصة «السامري الصالح» لم يكن له تأثير واضح على قرار المساعدة. أي أن مجرد التفكير في قصة دينية تتمحور حول مساعدة شخص محتاج لم يكن كافياً لضمان أن يقوم الشخص بالفعل نفسه عندما واجه موقفاً مشابهاً بعد دقائق.
هل يعني ذلك أننا نعيش عكس قيمنا؟
لا تعني هذه النتائج بالضرورة أن المشاركين كانوا منافقين أو يفتقرون إلى الرحمة. بل تكشف عن نقطة أكثر تعقيداً في طبيعة السلوك البشري: قد نمتلك قيماً حقيقية ونؤمن بها، لكن قدرتنا على تطبيقها يمكن أن تتغير عندما نواجه ظروفاً ضاغطة.
وهذا يطرح سؤالاً مهماً: هل الشخصية أهم من الظروف، أم أن الظروف هي التي تحدد سلوكنا؟ وفي الحقيقة، وفقاً للاتجاهات الحديثة في علم النفس، تقع في مكان ما بين الاثنين.
الشخصية مهمة.. لكنها ليست ثابتة في كل موقف
شهد علم النفس نقاشاً طويلاً بين الباحثين الذين ركزوا على السمات الشخصية المستقرة، مثل الكرم والانفتاح والضمير، وبين أولئك الذين رأوا أن الظروف المحيطة تلعب دوراً حاسماً في تحديد السلوك. لكن الدراسات اللاحقة قدمت صورة أكثر توازناً. فالإنسان يمتلك بالفعل سمات شخصية مستقرة نسبياً، إلا أن ذلك لا يعني أنه سيتصرف بالطريقة نفسها في جميع الظروف.
وأظهرت أبحاث عالم النفس وليام فليسون حول تغيرات الشخصية في الحياة اليومية أن الشخص نفسه يمكن أن يتصرف بصورة مختلفة جداً من موقف إلى آخر. ومع ذلك، فإن مراقبة سلوكه على مدى فترة طويلة تكشف أنماطاً عامة تميزه عن الآخرين.
وبالتالي، فإن الشخصية ليست وهماً، لكنها في الوقت نفسه ليست برنامجاً صارماً يحدد كل تصرف نقوم به. كما يمكن النظر إليها باعتبارها ميلاً عاماً أو مجموعة من الأنماط المتكررة، بينما تحدد الظروف كيف سيظهر هذا الميل في لحظة معينة.
لماذا قد يفشل الإنسان في تطبيق قيمه؟
قد يرى الإنسان نفسه شخصاً كريماً أو شجاعاً أو متعاطفاً، لكنه قد يتصرف بشكل مختلف عندما يكون مرهقاً أو تحت ضغط الوقت أو خائفاً من نظرة الآخرين أو متأثراً بسلوك المجموعة المحيطة به. وهنا تكمن أهمية فهم علم النفس الاجتماعي: لا يكفي أن نعرف ما نؤمن به، بل علينا أن نعرف أيضاً ما الذي يمنعنا من التصرف وفقاً لما نؤمن به. فالشخص الذي يريد أن يكون أكثر مساعدة للآخرين، على سبيل المثال، قد يستفيد من ترك مساحة أكبر من الوقت في يومه، بدلاً من وضع نفسه دائماً في حالة استعجال تجعل التوقف لمساعدة شخص آخر أمراً صعباً.
كيف نصبح أشخاصاً أفضل فعلاً؟
قد لا يكون الطريق إلى تحسين سلوكنا مجرد محاولة مستمرة لأن نكون «أكثر أخلاقاً»، بل يمكن أن يبدأ بفهم أنفسنا والظروف التي تؤثر فينا. وإذا كنا نعرف أن الإرهاق يجعلنا أقل صبراً، فإن الحصول على قدر كافٍ من الراحة قد يكون جزءاً من تحسين تعاملنا مع الآخرين.
واما إذا كنا نعرف أن العجلة تجعلنا أقل استعداداً لمساعدة شخص يحتاج إلينا، فإن تنظيم الوقت يمكن أن يصبح وسيلة عملية للالتزام بقيمنا. وفي السياق نفسه، إذا كنا نتأثر بشدة بسلوك المجموعة، فإن اختيار الأشخاص والبيئات التي تحيط بنا يمكن أن يساعدنا على التصرف بالطريقة التي نريدها.
القيم لا تختفي.. لكن الظروف قد تحجبها
من بين أحد أهم الدروس التي يقدمها علم النفس الاجتماعي هو أن القيم الشخصية مهمة، لكنها لا تعمل في فراغ. فالظروف لا تلغي مبادئ الإنسان بالضرورة، لكنها يمكن أن تؤثر في قدرته على تحويل تلك المبادئ إلى أفعال.
ولهذا، فإن أن نصبح أشخاصاً أفضل لا يعني فقط أن نكرر لأنفسنا أننا نريد أن نكون أكثر كرماً أو صبراً أو تعاطفاً، وإنما يعني أيضاً أن نفهم المواقف التي تضعف أفضل ما فينا.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: «هل أنا شخص جيد؟»، بل: «هل أهيئ لنفسي الظروف التي تساعدني على التصرف بالطريقة التي أؤمن بها؟» فأحياناً، لا يحتاج الإنسان إلى تغيير شخصيته بالكامل كي يصبح أفضل؛ بل يحتاج إلى تغيير بعض الظروف التي تمنعه من إظهار أفضل ما لديه.
قد يعجبك
الجميع يعتمد عليه.. لكن من يسند “سند العائلة” عندما ينهار؟
عندما يخذل العقل صاحبه.. لماذا يتراجع أداء الأذكياء تحت الضغط؟
علماء النفس يكشفون 5 سمات شخصية مشتركة لدى من ينامون والباب مغلقاً دائماً

