وطن-قد يبدو من المنطقي أن يكون أصحاب القدرات المعرفية المرتفعة هم الأكثر قدرة على النجاح في المواقف الصعبة، خصوصًا حين ترتفع المنافسة وتصبح النتائج ذات أهمية كبيرة. لكن أبحاثًا نفسية حديثة تكشف أن الأمر ليس بهذه البساطة؛ فالضغط النفسي قد يحرم هؤلاء الأشخاص من جزء من ميزتهم الذهنية، ويجعل أداءهم أقل مما تسمح به قدراتهم الفعلية.
وبحسب ما أوردته دراسات في علم النفس المعرفي، فإن الخوف من الفشل لا يمر على الدماغ دون أثر، بل يستهلك جزءًا من الموارد الذهنية التي يحتاجها الإنسان للتركيز وحل المشكلات. فعندما تتحول المهمة إلى اختبار للمكانة أو الكفاءة أو الصورة أمام الآخرين، يبدأ العقل في الانشغال بأسئلة جانبية مثل: هل سأنجح؟ ماذا سيعتقد الآخرون عني؟ وماذا يعني الفشل بالنسبة لي؟
ووفق ما أوردته “سان إي ناتيرال” مجلة الفرنسية، فإن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها قد تشغل مساحة مهمة من الذاكرة العاملة، وهي النظام الذهني المسؤول عن الاحتفاظ بالمعلومات مؤقتًا أثناء التفكير. وفي المهام المعقدة، مثل حل المسائل الرياضية أو التعامل مع مشكلات تتطلب استنتاجًا وتحليلًا، يصبح أي استنزاف لهذه الذاكرة مؤثرًا بشكل مباشر في جودة الأداء.
وقالت دراسات نفسية تناولت الأداء تحت الضغط إن الأشخاص الذين يمتلكون ذاكرة عاملة قوية يحققون عادة نتائج أفضل في الظروف الطبيعية. لكن عندما تزداد أهمية المنافسة، أو ترتفع قيمة المكافأة، أو يشعر الشخص بأنه مراقب ومقيّم من الآخرين، قد يتراجع هذا التفوق بشكل واضح.
ولا يعني ذلك أن الأشخاص الأكثر ذكاء يفشلون دائمًا في المواقف الضاغطة، أو أن الذكاء يتحول إلى نقطة ضعف. فهذه الأبحاث، كما تؤكد الأدبيات العلمية، لا تقيس الذكاء العام بكل أبعاده، بل تركز تحديدًا على الذاكرة العاملة وعلى أنواع معينة من الضغط النفسي المرتبط بالأداء والتقييم.
الذاكرة العاملة.. مساحة ذهنية مؤقتة قد يستهلكها القلق
يمكن تشبيه الذاكرة العاملة بذاكرة الوصول العشوائي في الكمبيوتر؛ فهي مساحة مؤقتة يستخدمها العقل للاحتفاظ بعدة معلومات في الوقت نفسه أثناء التفكير. من خلالها يستطيع الإنسان متابعة خطوات عملية حسابية، أو مقارنة حلول مختلفة، أو تجاهل المشتتات، أو بناء استنتاج منطقي من عدة معطيات.
وتلعب الذاكرة العاملة دورًا مهمًا في التفكير المنطقي والتحصيل الدراسي وحل المشكلات، لكنها ليست مرادفة للذكاء العام. فقد يمتلك شخص ذاكرة عاملة قوية، لكنه يواجه صعوبة في استخدامها بكفاءة عندما يصبح الضغط النفسي مرتفعًا أو عندما يشعر بأن النتيجة ستحدد صورته أمام الآخرين.
وبحسب دراسة نشرها عالما النفس سيان بيلوك وتوماس كار عام 2005، طُلب من مشاركين حل مسائل رياضية في ظروف متفاوتة من حيث مستوى الضغط. وقد أظهرت النتائج أن أصحاب السعة الأعلى في الذاكرة العاملة كانوا الأكثر عرضة لتراجع الأداء عند ارتفاع الضغط.
وكانت النتيجة لافتة؛ فالأشخاص الذين يُفترض أنهم يملكون أفضلية معرفية في حل المسائل المعقدة هم وحدهم تقريبًا من ظهرت لديهم خسارة ملحوظة في الأداء تحت الضغط الشديد. وبرز هذا التأثير بشكل خاص عندما كانت التمارين تتطلب قدرًا كبيرًا من الموارد الذهنية.
وأضافت الدراسة أن قدرات هؤلاء المشاركين لم تختفِ، لكن المشكلة كانت في مدى إتاحتها للاستخدام. فبدلًا من توجيه كامل الانتباه إلى المسألة، استهلكت المخاوف المرتبطة بالفشل أو الحكم الاجتماعي أو عواقب النتيجة جزءًا من المساحة الذهنية اللازمة للتفكير.
عندما يصبح الخوف من الفشل منافسًا للعقل
تشرح الأبحاث هذه الظاهرة عبر فكرة أساسية: الدماغ لا يعمل في فراغ. فعندما يواجه الإنسان مهمة صعبة، يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التركيز. لكن تحت الضغط، تتسلل أفكار مرتبطة بالنتيجة والعواقب، فتنافس المهمة نفسها على موارد الانتباه.
وبحسب ما تشير إليه دراسات في علم النفس المعرفي، فإن هذا التأثير لا يظهر بالقدر نفسه في كل المواقف. فهو يكون أوضح في المهام التي تتطلب تفكيرًا معقدًا، وتحتاج إلى متابعة خطوات متعددة في الذهن. أما المهام الأبسط أو التي تعتمد على عادات تلقائية فقد لا تتأثر بالطريقة نفسها.
ووجدت دراسة أخرى ظاهرة مشابهة عند استخدام تمارين في التفكير التجريدي واختبارات تقيس ما يُعرف بالذكاء السائل، أي القدرة على حل مشكلات جديدة دون الاعتماد المباشر على معرفة سابقة. فقد أدى الضغط إلى انخفاض الأداء لدى المشاركين الذين يمتلكون ذاكرة عاملة قوية، وكانت مشاعر القلق المرتبطة بالموقف جزءًا من تفسير هذا التراجع.
وبمعنى آخر، فإن الموارد الذهنية تظل موجودة تحت الضغط، لكنها تصبح أقل قابلية للاستخدام بكفاءة. فالقلق لا يلغي القدرة، لكنه يزاحمها داخل الذهن، ويجعل الوصول إليها أكثر صعوبة في اللحظة التي يحتاجها الشخص فيها بشدة.
النجاح أم التعلم؟ طريقة تحديد الهدف تصنع الفارق
لا يعتمد الضغط النفسي على الظروف الخارجية فقط، مثل وجود جمهور أو منافسة أو مكافأة. فطريقة الشخص في تفسير هدفه قد تكون عاملًا حاسمًا في أدائه. هل يدخل المهمة بهدف التعلم والتطور؟ أم بهدف إثبات التفوق وإظهار أنه أفضل من الآخرين؟
يميز الباحثون بين نوعين من الأهداف: أهداف الإتقان وأهداف الأداء. في أهداف الإتقان، يكون التركيز على الفهم والتحسن واكتساب مهارة جديدة. أما في أهداف الأداء، فينصب الاهتمام على إثبات القدرة، أو الحصول على نتيجة أعلى، أو التفوق على المنافسين.
وبحسب ما أوردته م مكتبة العلوم العامة، درست الباحثات والباحثون ماري كروزفيال، وأنيك سميدينغ، وفابريتسيو بوتيرا هذه الفروق من خلال تجربتين شملتَا طلابًا طُلب منهم حل مسائل حسابية معقدة في ظروف متفاوتة، بعضها ركز على المقارنة مع الآخرين وبعضها قلل من هذا البعد التنافسي.
وكشفت الدراسة أن توجيه الهدف بقوة نحو الأداء والمقارنة قد يجعل الذاكرة العاملة العالية مرتبطة أحيانًا بنتائج أضعف، خصوصًا لدى المشاركين الذين يساورهم الشك في قدرتهم على التفوق على الآخرين.
في هذه الحالة، لا ينشغل الدماغ بحل المشكلة فقط، بل يضيف إلى المهمة سؤالًا اجتماعيًا ثقيلًا: ماذا سيقول هذا الأداء عن قيمتي مقارنة بغيري؟ وهنا تتحول المسألة من تحدٍ معرفي إلى اختبار للذات، بما يرفع الضغط ويستهلك جزءًا من الانتباه.
لماذا قد يضر السعي لإثبات الذات بالأداء؟
توضح هذه النتائج أن الرغبة الشديدة في إثبات الكفاءة قد تأتي بنتيجة عكسية. فكلما زاد تركيز الشخص على ما سيعنيه النجاح أو الفشل بالنسبة لمكانته، زادت احتمالات تشتيت الذاكرة العاملة، خصوصًا في المهام التي تحتاج إلى دقة وتركيز عالٍ.
وقالت الدراسات إن التركيز على التعلم والتقدم يساعد غالبًا في توجيه الموارد الذهنية نحو المهمة نفسها، بدلًا من توزيعها بين التفكير في الحل والتفكير في الانطباع الذي سيتركه الأداء. وهذا لا يعني إلغاء الطموح أو المنافسة، بل يعني أن طريقة صياغة الهدف داخليًا قد تحدد ما إذا كان الضغط سيحفز الأداء أم يعرقله.
ومن هنا، تبدو المفارقة واضحة: السعي القوي لإثبات القدرة على النجاح قد يمنع الإنسان أحيانًا من تقديم أفضل ما لديه. فحين يتحول الأداء إلى حكم على القيمة الشخصية، يصبح الضغط أكبر من المهمة نفسها، وتبدأ القدرات الذهنية في العمل بطاقة أقل مما هي عليه بالفعل.
وختاماً فإن الأداء تحت الضغط لا يرتبط بالقدرة وحدها، بل بطريقة استخدام هذه القدرة في اللحظة الحاسمة. فالذاكرة العاملة القوية تمنح صاحبها أفضلية مهمة، لكنها تحتاج إلى بيئة نفسية تسمح لها بالعمل دون أن يزاحمها الخوف من الفشل أو المقارنة أو الحكم الاجتماعي.
اقرأ المزيد
لماذا نتذكر الوجوه وننسى الأسماء؟.. علم النفس يفسر واحدة من أكثر الظواهر شيوعاً
علماء النفس يكشفون 5 سمات شخصية مشتركة لدى من ينامون والباب مغلقاً دائماً
تأثير دانينغ-كروغر: لماذا يثق الجاهل بنفسه بينما يشك الخبير في قدراته؟
3 عادات يومية تجعلك أكثر سعادة وتساعد على إطالة العمر.. ماذا كشفت دراسة هارفارد؟

