وطن-بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد، وما تبعها من إغلاق مكاتب وسجن قيادات وملاحقات سياسية، لا يزال أنصار حركة النهضة، أكبر حركة إسلامية في تونس، يرفضون فكرة أن الحركة انتهت أو خرجت نهائياً من المشهد. بل يرى قطاع من شبابها أن ما جرى لم يكن سوى فصل جديد في تاريخ طويل من السجون والمنافي والملاحقة، وأن الحركة تستعد لمرحلة سياسية مختلفة إذا عادت تونس إلى مسارها الديمقراطي.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، في تقرير من تونس أعده فيصل إدروس، إن الحملة التي قادها الرئيس قيس سعيد منذ 25 يوليو 2021 كانت تهدف، في نظر كثيرين، إلى دفن حركة النهضة سياسياً وتنظيمياً. غير أن شباب الحركة ومؤيديها يؤكدون، بعد مرور خمسة أعوام، أن النهضة لم تختفِ، وأنها تراجع تجربتها وتعيد ترتيب صفوفها استعداداً لعودة محتملة إلى الحياة السياسية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فقد شاهد أنصار الحركة قياداتهم وهي تُسجن، ومقارهم وهي تُغلق، وتنظيمهم وهو يتعرض لهجمات متكررة، لكن كثيرين منهم لا يتعاملون مع هذه المرحلة باعتبارها النهاية. على العكس، يصفونها بأنها اختبار قاسٍ أجبر حركة النهضة على مواجهة أخطائها، والتفكير في تجديد قيادتها، والاستعداد لمرحلة ما بعد حكم قيس سعيد.
في حي التضامن، أحد الأحياء الشعبية في العاصمة تونس والمعروف تاريخياً بتأييده للحركات الإسلامية، قال أحمد، وهو شاب يبلغ من العمر 23 عاماً، إن الاعتقاد بأن النهضة هُزمت أو أن التونسيين لم يعودوا يريدون أحزاباً ذات مرجعية إسلامية “غير صحيح”. وأضاف في حديثه للصحيفة: “هناك مزيد من الشباب الذين يريدون حركة متجذرة في الإسلام، حركة تعبّر عن هويتنا وتقف مع المسلمين المضطهدين حول العالم”.
وأضاف أحمد، وفقاً لما نقلته “ميدل إيست آي”، أن ما يجري اليوم ليس نهاية الحركة، بل بداية موجة جديدة، قائلاً: “نحن نشهد عودة، وسننهض من جديد”.
النهضة بين السجن والمنفى وتاريخ المعارضة
تأسست حركة النهضة في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وبرزت كأهم حركة إسلامية معارضة في تونس خلال حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وخلال تلك العقود، تعرّض آلاف من أعضائها للسجن والتعذيب أو أُجبروا على المنفى، قبل أن تعود إلى الحياة العامة بعد سقوط نظام بن علي في موجة الربيع العربي.
وقالت الصحيفة إن النهضة قدّمت نفسها بعد الثورة التونسية بوصفها نموذجاً لما سمّاه قادتها “الديمقراطية المسلمة”، معتبرة أن الإسلام والديمقراطية لا يتعارضان، بل يمكن أن يتكاملا داخل نظام سياسي تعددي يحترم الدستور والتداول السلمي على السلطة.
وبعد فوزها في أول انتخابات ديمقراطية في تونس عقب الثورة، حاولت الحركة أن تبتعد تدريجياً عن نموذج “الحزب الإسلامي” التقليدي، لتطرح نفسها كحزب لـ”ديمقراطيين مسلمين”، حسب توصيف زعيمها راشد الغنوشي. وفي مؤتمرها البارز عام 2016، أعلنت النهضة الفصل بين نشاطها السياسي والدعوي، مؤكدة أن المساجد لا ينبغي أن تتحول إلى ساحات للتنافس الحزبي.
وأوضحت “ميدل إيست آي” أن الحركة لم تطرح تطبيق الشريعة الإسلامية كبرنامج حكم، بل قالت إن الدين يجب أن يكون إطاراً أخلاقياً للمجتمع، بينما تبقى المؤسسات الديمقراطية والانتخابات التنافسية والقضاء المستقل أساس إدارة الدولة. كما نصّت أدبياتها السياسية على الالتزام بالحريات المدنية والمواطنة المتساوية والتعددية السياسية، وهي مواقف جعلتها مختلفة عن كثير من الحركات الإسلامية في المنطقة.
هذا التحول منح النهضة، وفق الصحيفة، دعماً حذراً من حكومات غربية كانت تبحث عن قصة نجاح ديمقراطية في العالم العربي بعد تعثر تجارب الربيع العربي في دول أخرى. فبعد فوز الحركة في انتخابات 2011، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها تتطلع إلى العمل مع القادة المنتخبين في تونس لبناء “مستقبل ديمقراطي”، كما رحّبت الخارجية البريطانية بالانتخابات الحرة والنزيهة وتعهدت بدعم الانتقال الديمقراطي التونسي.
تجربة الحكم.. وعبء الإحباط الاقتصادي
غير أن الرؤية التي أرادت حركة النهضة ترسيخها، وهي إمكانية التعايش بين الإسلام السياسي والحكم الديمقراطي، اصطدمت سريعاً بواقع إدارة الدولة ومشكلات الاقتصاد. فرغم أن النهضة لم تحكم منفردة، بل شاركت في ائتلافات متعاقبة مع قوى علمانية ومدنية، فإن الاقتصاد التونسي ظل يعاني الركود، واستمرت البطالة عند مستويات مرتفعة، وفشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيق التحسن المعيشي الذي انتظره كثير من التونسيين بعد الثورة.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، تحولت حركة النهضة تدريجياً إلى الواجهة السياسية التي حمّلها كثيرون مسؤولية الإحباطات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية، ما أتاح لقيس سعيد أن يقدّم نفسه لاحقاً كمرشح من خارج الطبقة السياسية التقليدية، قادر على إزاحة “النظام القديم” بكل مكوناته الحزبية.
وفي 25 يوليو 2021، علّق قيس سعيد عمل البرلمان، ثم مضى في تفكيك مؤسسات الديمقراطية التونسية التي تشكلت بعد الثورة. ومنذ ذلك التاريخ، سُجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وعدد من كبار شخصيات المعارضة، بينما تعرّضت قيادات عديدة في الحركة للملاحقة القضائية أو اضطرت إلى مغادرة البلاد.
وقالت الصحيفة إن النهضة، التي كانت ذات يوم القوة الأبرز في الانتقال الديمقراطي التونسي، أصبحت اليوم في أضعف وضع سياسي وتنظيمي منذ عهد بن علي. ومع ذلك، لا يعتقد كثيرون داخل الحركة أن قصتها انتهت.
“لم نغادر المشهد السياسي”
يرى أنصار النهضة أن أكبر خطأ ارتكبته الحركة لم يكن فكرياً أو أيديولوجياً، بل كان خطأ استراتيجياً. فهم يقولون إن سنوات طويلة من البحث عن التوافق مع خصوم علمانيين، ومحاولة طمأنة المنتقدين في الداخل والخارج، لم تنجح في حماية النظام الديمقراطي الذي ساهمت الحركة في بنائه بعد ثورة 2011.
وفي جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية عام 2019، رفضت النهضة دعم رجل الإعلام والأعمال نبيل القروي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره شخصية مثيرة للجدل وقريبة من شبكات النظام القديم، وقررت بدلاً من ذلك دعم قيس سعيد بعد خروج مرشحها من السباق. في ذلك الوقت، اعتبر كثيرون داخل الحركة أن سعيد خيار أقل خطورة من القروي، الذي لُقّب أحياناً بـ”برلسكوني تونس”.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن أحمد قعلول، القيادي البارز في حركة النهضة، قوله إن الحركة أساءت تقدير تصميم خصومها المحليين والإقليميين، كما أساءت تقدير استعداد الشركاء الدوليين لتقبّل تفكيك المؤسسات الديمقراطية في تونس.
وقال قعلول: “كنا نعتقد أن أحداً لن يجرؤ على إسقاط نظام ديمقراطي ضحّى التونسيون كثيراً من أجل بنائه. لقد أسأنا قراءة اللحظة”. وأضاف أن قوى إقليمية معادية للربيع العربي عملت على تقويض التجربة الديمقراطية التونسية، بينما أخفقت أوروبا والولايات المتحدة في الدفاع عنها.
وتابع القيادي في النهضة، بحسب الصحيفة: “الضعف والتفكك كانا أساساً في أوروبا. لم يدافعوا عن ديمقراطيتنا”. واعتبر أن الحكومات الغربية بدأت تتقبل رواية مفادها أن التجربة الديمقراطية التونسية فشلت، متجاهلة ما وصفه بالتراجع السلطوي. وأضاف: “الديمقراطية التي صمدت عشر سنوات بعد الثورة تُركت وحيدة”.
جيل جديد يريد قيادة أكثر ثقة
داخل حركة النهضة، ساهمت الاعتقالات التي طالت جزءاً كبيراً من القيادة التاريخية في تسريع نقاش داخلي حول جدوى سياسة التوافق التي حكمت مرحلة الانتقال الديمقراطي. ويعتقد عدد من الشباب أن الحركة بالغت في تقديم التنازلات، وأنها أنفقت كثيراً من طاقتها في محاولة إثبات أن الإسلام السياسي قادر على التعايش مع الديمقراطية، قبل أن تنهار المؤسسات نفسها التي حاولت حمايتها.
وقال حاتم، وهو مهندس يبلغ من العمر 28 عاماً وعضو في الحركة، إن كثيرين من أبناء الجيل الجديد يحترمون ما حققته النهضة بعد الثورة، لكنهم يرون أنها قدّمت تنازلات أكثر من اللازم. وأضاف للصحيفة: “قضينا سنوات نحاول إرضاء الجميع على حساب حزبنا. الآن يريد الجيل الشاب، وأنا منهم، قيادات أكثر ثقة في تنفيذ برنامجها بدلاً من تقديم التنازلات دائماً”.
وتابع حاتم: “لا نريد توافقاً بلا نهاية إذا كان يعني التخلي عن قيمنا الإسلامية”. وترى “ميدل إيست آي” أن هذه النظرة باتت شائعة بشكل متزايد بين النشطاء الشباب في الحركة، خصوصاً بعدما رأوا أن خصوم النهضة الذين حاولت طمأنتهم لم يدافعوا عن المؤسسات الديمقراطية عندما تعرضت للتفكيك.
من جانبه، قال النائب السابق عن حركة النهضة ماهر مذيوب إن الحركة أمضت السنوات الخمس الماضية في مراجعة عميقة لأخطائها. وأضاف: “النهضة لم تولد في حكومة أو مؤسسة من مؤسسات الدولة، بل وُلدت من تضحيات هائلة قدّمها أعضاؤها على مدى أكثر من أربعة عقود”.
وأوضح مذيوب، بحسب الصحيفة، أن الحركة نشأت كحركة مدنية عامة وذات امتداد إنساني، وأنها فازت في بعض الانتخابات وخسرت في أخرى، لكنها وقفت دائماً مع تطلعات الشعب التونسي إلى الحرية والكرامة والعدالة. وقال: “الحكم كان دائماً وسيلة لتحقيق غاية، ولم يكن غاية في ذاته”.
هل تعود النهضة بشكل مختلف؟
يرى مذيوب أنه إذا عادت تونس في المستقبل إلى الحياة الديمقراطية، فإن حركة النهضة ستظهر بصورة مختلفة عن السابق. وقال: “لا شك أنها تعلمت كثيراً مما حدث. ستكون أكثر ثقة بنفسها وبخياراتها وبكفاءاتها، وستتحمل كامل مسؤولياتها”.
لكن موعد أي انفتاح سياسي جديد في تونس لا يزال غير واضح. فالرئيس قيس سعيد يواصل التمتع بدعم إقليمي مهم، خصوصاً من الجزائر. وقد قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مؤخراً إن أمن تونس لا ينفصل عن أمن الجزائر، متعهداً بالدفاع عنها ضد “أي تهديد”.
وأشارت “ميدل إيست آي” إلى أن تصريحات تبون، التي جاءت بعد أيام من الذكرى الخامسة لإجراءات قيس سعيد، عكست استمرار دعم الجزائر للرئيس التونسي رغم تصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكمه واتهامه بترسيخ مسار سلطوي.
داخل النهضة، لا يبدو أن هناك توقعاً بعودة قريبة إلى السلطة. فالأولوية، بحسب أعضاء في الحركة، هي الحفاظ على الشبكات التنظيمية، ودعم الزملاء المسجونين، والاستعداد لليوم الذي تُفتح فيه الحياة السياسية من جديد.
وقال محمد، وهو صاحب مشروع صغير يبلغ من العمر 31 عاماً: “لم نغادر المشهد السياسي وما زلنا هنا”. وأضاف أن الحركة مطالبة في المستقبل بأن تتحدث بقوة أكبر عما يحدث خارج حدود تونس، سواء في فلسطين أو السودان أو غيرهما من الأزمات التي تمس المسلمين.
وتابع محمد، وفق الصحيفة: “نريد قيادة تتحدى الجهات التي تضر بالمسلمين. لن نقبل الصمت باسم الدبلوماسية”.
الإسلاميون المعتدلون باقون في المشهد
رغم سنوات القمع والملاحقات، يرى رضوان المصمودي، رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، أن حركة النهضة متجذرة في المجتمع التونسي بشكل لا يسمح باختفائها بسهولة. وقال إن النهضة تحديداً، والأحزاب الإسلامية المعتدلة عموماً، “باقية”.
وأضاف المصمودي، بحسب ما نقلته “ميدل إيست آي”، أن أي ديمقراطية حقيقية في تونس أو العالم العربي لا يمكنها استبعاد جزء مهم وحيوي من المجتمع. وتابع: “أعتقد أنه سيكون هناك مكان للنهضة في تونس ديمقراطية جديدة، كما سيكون هناك مكان لكل الحركات السياسية الإسلامية والعلمانية الأخرى”.
بالنسبة إلى أنصار الحركة، فإن مستقبل النهضة لا يتوقف فقط على عودتها إلى الحكم، بل على سؤال أوسع: هل تعود تونس نفسها إلى الديمقراطية؟ فالحركة، في نظرهم، قد تخسر انتخابات أو تكسبها، لكنها لا تستطيع العمل بحرية إلا في فضاء سياسي مفتوح وتنافسي.
واختتم ماهر مذيوب رؤيته بالقول إن كثيرين اعتقدوا في السابق أن النهضة اختفت، لكنها عادت. وأضاف: “إذا فازت النهضة بأول انتخابات ديمقراطية تُجرى بعد نهاية هذا الانقلاب الرهيب، فسيكون ذلك لأنها تعلمت مما حدث”.
اقرأ أيضاً
المرزوقي يشعل مواجهة دبلوماسية بين تونس وفرنسا.. وسعيد يستدعي السفيرة الفرنسية
غزة توقظ روح الثورة في سيدي بوزيد.. والغضب يتصاعد ضد السلطة في تونس
تصاعد المخاوف على صحة راشد الغنوشي بعد تقارير عن إغمائه داخل السجن ومنع عائلته من زيارته

