وطن-وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى البيت الأبيض في واشنطن، الخميس، في زيارة دولة هي الأولى له إلى مقر الرئاسة الأميركية منذ أكثر من عقد، حيث استقبله الرئيس دونالد ترامب في مراسم رسمية حملت رسائل ودية، رغم الخلافات العميقة التي تحكم العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
وتأتي الزيارة في وقت تسعى فيه واشنطن وبكين إلى تثبيت قدر من الاستقرار في علاقتهما، بينما تستمر المنافسة بينهما في التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وقضايا الأمن الدولي وتايوان. وكانت إدارة البيت الأبيض قد أعلنت أن زيارة شي في 24 سبتمبر 2026 تأتي بعد أكثر من عشر سنوات على آخر زيارة له إلى البيت الأبيض.
ترامب يتحدث عن «صداقة حقيقية»
حرص ترامب خلال مراسم الاستقبال على إبراز الطابع الودي للعلاقة الشخصية مع نظيره الصيني، متحدثاً عن «صداقة استثنائية» قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وقال ترامب إن شي «صديق» له، مشيراً إلى أن البلدين سبق أن تعاونا خلال الحرب العالمية الثانية، عندما قاتلت القوات الأميركية والصينية ضد اليابان.
وأضاف أن الشعبين الأميركي والصيني تعاونا في الماضي من أجل الانتصار في تلك الحرب، وأنه يأمل في مواصلة العمل مع شي لبناء مستقبل أفضل للبلدين.
وجاءت هذه التصريحات في إطار محاولة لإبراز نقاط التعاون التاريخية، في وقت لا تزال فيه ملفات اقتصادية وتكنولوجية واستراتيجية حساسة مطروحة على طاولة المفاوضات.
شي: المنافسة يجب ألا تتحول إلى صراع
في المقابل، حمل خطاب شي جين بينغ رسالة أكثر تفصيلاً بشأن طبيعة العلاقة التي تريدها بكين مع واشنطن. وقال الرئيس الصيني إن البلدين يمكنهما الاستفادة من التعاون، بينما سيخسر الطرفان في حال تحولت العلاقة إلى مواجهة. ودعا إلى أن تكون المنافسة بينهما «صحية» وأن تبقى ضمن حدود، بحيث تكون أقرب إلى سباق لتطوير القدرات من صراع صفري ينتصر فيه طرف على حساب الآخر.
وأكد شي ضرورة الحفاظ على خط واضح يمنع الصراع والمواجهة بين الصين والولايات المتحدة، داعياً في الوقت نفسه إلى استمرار الحوار بين الجيشين وتعزيز آليات الاتصال وإدارة الأزمات.
كما شدد على أن الحوار الصريح والمتواصل يمكن أن يساعد البلدين على فهم بعضهما بعضاً، والبحث عن نقاط التوافق، وإدارة الخلافات، وبناء الثقة المتبادلة.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب القمة
لم تقتصر رسائل شي على السياسة والتجارة، بل شملت أيضاً أحد أكثر الملفات حساسية في المنافسة بين واشنطن وبكين: الذكاء الاصطناعي.
وقال الرئيس الصيني إن البلدين يمتلكان القدرة والمسؤولية لتطوير الذكاء الاصطناعي وإدارته بما يخدم الخير العام، مع ضرورة ضمان أن يبقى تطور هذه التكنولوجيا «تحت السيطرة البشرية» وأن يخدم رفاه الناس.
ويأتي ذلك في وقت يتسابق فيه البلدان على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بينما يناقشان في الوقت نفسه مخاطرها المحتملة وسبل التعامل مع الحوادث المرتبطة بها.
وكان مسؤولون أميركيون وصينيون قد بحثوا بالفعل فكرة إنشاء آلية للإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي وتعزيز التواصل في حالات الأزمات، في محاولة لتقليل مخاطر سوء الفهم في مجال تتزايد أهميته للأمن القومي والاقتصاد العالمي.
من التجارة إلى تايوان.. ملفات ثقيلة على الطاولة
وراء مشهد الاستقبال الودي، تحمل القمة ملفات خلافية عديدة، من مستقبل التفاهمات التجارية والرسوم الجمركية إلى القيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدمة، والصادرات الصينية من المعادن الحيوية، إضافة إلى تايوان والعلاقات الصينية مع إيران.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن القمة تهدف بصورة أساسية إلى الحفاظ على استقرار العلاقة وتجنب عودة التوتر التجاري إلى مستويات أعلى، مع استمرار المنافسة الاستراتيجية بين البلدين.
وفي ملف التكنولوجيا تحديداً، تستمر القيود الأميركية على بعض التقنيات والرقائق المتقدمة، بينما تحاول الصين تعزيز قدراتها المحلية في الذكاء الاصطناعي وتوسيع حضورها في هذا المجال.
وبذلك، تبدو القمة محاولة لإدارة المنافسة أكثر من كونها مؤشراً على انتهاء الخلافات بين واشنطن وبكين؛ فالتعاون ممكن في بعض الملفات، لكن المنافسة الاستراتيجية لا تزال قائمة.
«دبلوماسية الباندا» تعود إلى أتلانتا
وحملت زيارة شي أيضاً لفتة رمزية لافتة، بعدما أعلن الرئيس الصيني أن اثنين من حيوانات الباندا العملاقة، «بينغ بينغ» و«فو شوانغ»، سيصلان خلال الأيام المقبلة إلى حديقة حيوان أتلانتا.
وقال شي إن الباندا كانت «مبعوثاً للصداقة» بين الشعبين الصيني والأميركي، مقدماً وصول الحيوانين باعتباره خبراً جيداً في العلاقات بين البلدين.
وكانت حديقة أتلانتا قد أعلنت في أبريل 2026 أنها ستستقبل الباندا ضمن اتفاق جديد للتعاون في مجال حماية الباندا العملاقة. ويُعد «بينغ بينغ» ذكراً، بينما «فو شوانغ» أنثى، وكلاهما وُلد في قاعدة تشنغدو لأبحاث تربية الباندا العملاقة في الصين.
وتكتسب الخطوة أهمية رمزية، خصوصاً أن حديقة أتلانتا أعادت آخر أربعة حيوانات باندا لديها إلى الصين في أكتوبر 2024، منهية شراكة استمرت نحو 25 عاماً قبل الاتفاق الجديد.
بين الود والمنافسة.. علاقة تبحث عن قواعد جديدة
تكشف زيارة شي جين بينغ إلى البيت الأبيض عن طبيعة العلاقة المعقدة بين واشنطن وبكين: رسائل ودية على المستوى السياسي، ومنافسة حادة في التكنولوجيا والاقتصاد، ومحاولات متوازية لمنع الخلافات من التحول إلى مواجهة مفتوحة.
فبينما ركز ترامب على العلاقة الشخصية والتعاون التاريخي بين الشعبين، طرح شي إطاراً أوسع يقوم على الحوار وإدارة المنافسة والحفاظ على قنوات الاتصال، مع التأكيد على أن الصدام بين القوتين لن يخدم أياً منهما.
وتأتي الرسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لتضيف بُعداً جديداً إلى العلاقة، إذ باتت التكنولوجيا المتقدمة جزءاً من المنافسة الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه مجالاً قد يفرض على واشنطن وبكين البحث عن آليات مشتركة لتجنب المخاطر.
وهكذا، لا تبدو زيارة شي مجرد مناسبة بروتوكولية، بل محطة جديدة في محاولة إدارة علاقة تجمع بين الاعتماد المتبادل والمنافسة الاستراتيجية، في وقت يتزايد فيه تأثير قرارات القوتين على الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن العالمي.
اقرأ المزيد
الصين تحذر واشنطن بعد عقوبات جديدة على إيران.. هل تستهدف العقوبات الأميركية النفط والبنوك الصينية؟
خلال اجتماع ثنائي ببكين: الصين تحاصر النفوذ الأمريكي في آسيا.. معركة جديدة على أهم ممرات التجارة

