وطن-تتسع تداعيات العقوبات والضغوط الدولية على إيران لتطال ملفات اقتصادية وأمنية وحقوقية وحياتية، من تجارة النفط عبر شبكات غير شفافة، إلى أحكام بالإعدام بحق معتقلين من الطلاب، مروراً بالجدل حول الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وصولاً إلى صعوبات متزايدة تواجه الإيرانيين الراغبين في الدراسة أو العمل أو الهجرة إلى الخارج.
وفي تقرير عن الصحافة الإيرانية، قالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن العقوبات المفروضة على إيران أسهمت في نشوء قنوات مالية مربحة مرتبطة بتجارة النفط الخاضعة للعقوبات. وتستند هذه المعلومات إلى ادعاءات وتحقيقات صحفية داخل إيران، ولم يتسنّ التحقق منها بصورة مستقلة.
شبكة من الوسطاء لتسويق النفط الإيراني
قال الصحفي الاستقصائي الإيراني ياشار سلطاني إن وزارة النفط فقدت، عملياً، السيطرة على جزء من عمليات تسويق وتصدير النفط الوطني، لصالح شبكة محدودة من أربعة وسطاء يتولون التعامل مع مبيعات النفط في ظل العقوبات.
وبحسب ما نقله «ميدل إيست آي» عن سلطاني، يشرف محمد جواد باوند، وهو مسؤول اقتصادي سابق في جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، على جانب من هذه العمليات، فيما مُنح أربعة وسطاء حقوق بيع نحو 80 مليون برميل من النفط خلال ثلاثة أشهر.
وقال سلطاني إن الشبكة حققت ما يقدر بنحو 1.5 مليار دولار من الخصومات المرتبطة بهذه الشحنات، وسمّى اثنين من الوسطاء، هما حسين شمخاني وروح الله رضوي، مشيراً إلى قربهما من دوائر الحكم في إيران.
كما تحدث عن ديون مترتبة على الوسطاء لمؤسسات رسمية، وعن نحو 100 مليون برميل إضافية قال إنها اختفت داخل سلسلة غير شفافة، من دون وضوح بشأن الجهة التي تولت بيعها أو مصير عائداتها.
وتتطابق بعض تفاصيل هذه الرواية مع تقرير منفصل نشرته «إيران إنترناشيونال» في سبتمبر، استند إلى وثائق قالت إنها سرية ومصادر في وزارة النفط، وتحدث عن أربعة وسطاء حصلوا على كميات كبيرة من النفط الخام على الائتمان وبخصومات كبيرة رغم وجود مستحقات مالية سابقة عليهم.
خمسة طلاب يواجهون أحكاماً بالإعدام
على المستوى الداخلي، أفادت شبكة «خبرنامه أميركبير» الطلابية بأن خمسة طلاب معتقلين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام.
وبحسب ما أوردته الشبكة، فإن الأسماء هي أميد رضا حيدري، البالغ 19 عاماً، ونجمة أميني، 23 عاماً، وسِبهِر أمير زاده، 23 عاماً، وأرمين نور محمدي، 27 عاماً، وإحسان فريدي، 22 عاماً.
وقالت الشبكة إن أمير زاده وأميني وحيدري اعتُقلوا على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير، بينما اعتُقل نور محمدي وفريدي على خلفية نشاط سياسي في عامي 2023 و2024.
ووفق الرواية التي نقلها «ميدل إيست آي»، صدرت الأحكام عن محاكم الثورة الإسلامية بتهم من بينها «التواطؤ ضد الأمن القومي» و«إهانة النبي» و«المحاربة» و«الإفساد في الأرض». وتبقى هذه المعلومات، بما فيها الأحكام المنسوبة إلى المحاكم، بحاجة إلى متابعة مستقلة من مصادر قضائية وحقوقية متعددة.
وتأتي هذه التقارير في ظل استمرار المخاوف الحقوقية بشأن استخدام عقوبة الإعدام في القضايا ذات الطابع السياسي والأمني. وكانت منظمة العفو الدولية قد وثقت في تقرير سابق عدداً من أحكام الإعدام الصادرة في إيران على خلفية الاحتجاجات والقضايا السياسية.
جدل داخل إيران حول الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي
وفي الملف النووي، أثارت دعوات من نواب إيرانيين للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي نقاشاً حول التداعيات المحتملة لمثل هذه الخطوة.
ونقل «ميدل إيست آي» عن حشمت الله فلاحت بيشه، المحلل الدبلوماسي والرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، قوله إن هذه الدعوات يغلب عليها الطابع الخطابي، مشيراً إلى أن القرارات الرئيسية المتعلقة بالبرنامج النووي تتخذها مؤسسات عليا، بينها المجلس الأعلى للأمن القومي.
ورأى فلاحت بيشه أن الانسحاب من المعاهدة قد يؤدي إلى تشكيل موقف دولي أكثر تشدداً تجاه طهران، بدلاً من تعزيز قدرتها التفاوضية.
كما قال النائب محمد سراج إن الانسحاب قد يضر بإيران، محذراً من احتمال خسارة دعم روسيا والصين إذا فُهمت الخطوة على أنها مؤشر إلى السعي لامتلاك سلاح نووي. وهذه الآراء تمثل مواقف أصحابها، ولا تعني وجود قرار إيراني نهائي بالانسحاب من المعاهدة.
العقوبات تصل إلى اختبارات اللغة
ولا تقتصر تداعيات العقوبات على الملفات الاقتصادية والسياسية، إذ يواجه الإيرانيون الراغبون في الدراسة أو العمل أو الهجرة إلى الخارج صعوبات متزايدة في الوصول إلى اختبارات اللغة الدولية.
وكان اختبار «آيلتس» قد توقف داخل إيران منذ يناير 2026، فيما توقفت اختبارات «توفل» و«جي آر إي» داخل البلاد بعد تعليق الولايات المتحدة ترخيصاً كان يسمح ببعض الخدمات التعليمية والاختبارات في إيران. كما أصبح اختبار «دولينغو» غير متاح داخل إيران، وفرضت قيود أيضاً على بعض المتقدمين الذين يحملون وثائق أو إقامة إيرانية حتى عند محاولة إجراء الاختبارات خارج البلاد.
وأعلنت «دولينغو» أن اختبارها للغة الإنجليزية لم يعد متاحاً للأشخاص الموجودين في إيران، كما لا يمكن استخدامه لمن يختبرون باستخدام وثائق هوية إيرانية، اعتباراً من سبتمبر 2026.
أما «توفل» و«جي آر إي»، فقد توقفت إمكانية إجرائهما داخل إيران، مع استمرار إمكانية سفر بعض الإيرانيين إلى الخارج لإجراء الاختبارات، وإن واجهوا قيوداً إضافية في التسجيل والدفع من داخل إيران.
كلفة إضافية على الطلاب والمهاجرين
وكان بعض الإيرانيين يلجؤون إلى السفر إلى دول مجاورة مثل أرمينيا وأذربيجان وتركيا لإجراء الاختبارات المطلوبة لملفات الدراسة والهجرة والعمل.
لكن القيود الجديدة رفعت الكلفة المالية واللوجستية لهذه الخطط، خصوصاً بالنسبة إلى من يحتاجون إلى السفر والإقامة خارج البلاد من أجل إجراء اختبار كان يمكنهم سابقاً أداؤه داخل إيران.
ونقلت صحيفة «اعتماد» شهادات عن متقدمين قالوا إنهم أنفقوا مبالغ كبيرة وخصصوا أشهراً للتحضير لاختبارات اللغة قبل اضطرارهم إلى تغيير خططهم. كما أشارت تقارير حديثة إلى أن بعض المتقدمين باتوا أمام خيار السفر إلى الخارج أو تأجيل خططهم التعليمية والمهنية.
وهكذا، لا تظهر تداعيات الضغوط المفروضة على إيران في مؤشرات الاقتصاد وتجارة النفط فقط، بل تمتد أيضاً إلى ملفات الأمن والحقوق والتعليم والهجرة، بما يجعل العقوبات والقيود الدولية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية لفئات واسعة من الإيرانيين.
اقرأ المزيد
بزشكيان من قلب الأمم المتحدة: إيران لن تستسلم.. والنووي «حق لا تنازل عنه»
رغم العقوبات الأميركية.. كلفن كونغ يواصل قيادة إدارة الأمن القومي في هونغ كونغ..
تركيا تعلّق رحلات «ماهان إير» الإيرانية بعد عقوبات أمريكية طالت شركات خدمات تركية

