وطن-دخلت أزمة الهجرة في سبتة مرحلة سياسية أوروبية شديدة الحساسية، بعدما تحولت موجات الدخول الجماعي إلى المدينة ذات الحكم الذاتي إلى ملف يضغط بقوة على الحكومة الإسبانية، ويفتح نقاشاً غير مسبوق حول مستقبل بقاء إسبانيا داخل منطقة شنغن للتنقل الحر.
وقالت صحيفة “إل إنديبندينتي” الإسبانية إن الأزمة التي انفجرت في سبتة وضعت مدريد أمام اختبار صعب داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما أيدت وزيرة الداخلية الفنلندية ماري رانتانن، الجمعة، المقترح الداعي إلى استبعاد إسبانيا من فضاء شنغن، وهو المقترح الذي تدرسه إيطاليا بالفعل في ظل حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، فإن رانتانن اتخذت موقفاً حاداً من طريقة تعامل مدريد مع التطورات في سبتة، ووصفت ما يجري بأنه “فشل مطلق” في سياسة الهجرة الإسبانية، كما اعتبرت عمليات الدخول الجماعي عبر حاجز تاراخال البحري “غزواً هجراتياً”، في توصيف يعكس تصاعد اللهجة الأوروبية تجاه الحكومة الإسبانية.
وأكدت وزيرة الداخلية الفنلندية، وفقاً للصحيفة، أن الدول التي لا تلتزم بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لا يمكنها الاستمرار داخل منطقة شنغن، داعية حكومة بيدرو سانشيز إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، على غرار ما فعلته فنلندا بإغلاق حدودها مع روسيا منذ عام 2023.
وتكمن خطورة طرح استبعاد إسبانيا من اتفاقية شنغن في أنه سيعني عملياً تعليق حرية تنقل الأشخاص بينها وبين بقية دول الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة بالمنطقة، مع إعادة فرض الضوابط على الحدود الوطنية. وتأتي هذه الضغوط السياسية بعد أسبوع مأساوي شهد وفاة ما لا يقل عن 19 شخصاً أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى الأراضي الأوروبية.
وأضافت صحيفة “إل إنديبندينتي” أن الأزمة لم تعد محصورة في الجانب الإسباني أو المغربي، بل تحولت إلى قضية أوروبية تتداخل فيها ملفات الهجرة غير النظامية، وأمن الحدود، والتزامات الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة أن سبتة ومليلية تمثلان نقطتي تماس مباشرتين بين أوروبا وشمال أفريقيا.
فرنسا تعزز حدودها مع إسبانيا
وفي فرنسا، فرضت التطورات في سبتة نفسها على أجندة الأمن الداخلي. فقد أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، الجمعة، أنه أصدر تعليمات بتعزيز الرقابة على الحدود مع إسبانيا بشكل فوري، على خلفية ما تشهده المدينة من تدفقات مهاجرين ومحاولات دخول جماعية.
وقالت الصحيفة الإسبانية إن باريس تعاملت مع الأزمة باعتبارها تهديداً محتملاً قد يمتد إلى أراضيها، ولذلك فعّلت السلطات الفرنسية قوة التدخل السريع الحدودية من أجل تنفيذ عمليات مراقبة أكثر دقة ومنع أي تداعيات محتملة ناجمة عن الأزمة على الحدود المغربية الإسبانية.
وبحسب ما نقلته صحيفة “إل إنديبندينتي” ، فإن الوزير الفرنسي كان على اتصال مباشر مع نظيره في الحكومة الإسبانية منذ الخميس، لمتابعة تطور الوضع الميداني ووتيرة وصول المهاجرين إلى سبتة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال الأزمة إلى مسارات هجرة داخلية باتجاه فرنسا ودول أوروبية أخرى.
وعلى الرغم من تشديد الإجراءات الأمنية، أبدت الحكومة الفرنسية موقفاً أكثر تحفظاً من الدعوة الإيطالية لإغلاق فضاء شنغن أمام إسبانيا. وذكّر نونيز بأن إجراءات المراقبة الحدودية قائمة بالفعل بصورة دائمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن بلاده ستتخذ التدابير اللازمة إذا بدأت تحركات للمهاجرين باتجاه الأراضي الفرنسية، بما في ذلك تعزيز إضافي للرقابة الحدودية.
هولندا تطالب إسبانيا والمغرب بتحمل المسؤولية
في السياق نفسه، ركز الموقف الهولندي على ضرورة الالتزام بالاتفاقات الأوروبية وتحمل المسؤوليات المرتبطة بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. فقد أعرب وزير الخارجية الهولندي توم بيرندسن عن ثقته في أن إسبانيا ستقوم “بما هو ضروري” لحماية الحدود، داعياً المغرب أيضاً إلى اتخاذ “الإجراءات المناسبة” للحد من تدفق المهاجرين.
وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن بيرندسن أجرى اتصالات مع نظيريه الإسباني والمغربي، كما رحب بالدعم الذي عرضته المفوضية الأوروبية على مدريد لمساعدتها في التعامل مع الأزمة المتصاعدة في سبتة.
وتعكس المطالب الهولندية، بحسب الصحيفة، اتجاهاً أوروبياً متنامياً نحو ربط حرية التنقل داخل شنغن بمدى قدرة الدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي على ضبط المعابر ومنع موجات الهجرة غير النظامية، خصوصاً في المناطق الحساسة مثل سبتة ومليلية.
توتر ميداني على الحدود المغربية الإسبانية
وبينما تتواصل المشاورات الدبلوماسية في أوروبا، لا يزال الوضع الميداني على الحدود متوتراً. فقد شهدت مناطق قريبة من سبتة ومليلية مواجهات عنيفة، بينها مدينة الفنيدق المغربية، المعروفة بالإسبانية باسم كاستييخوس، وكذلك منطقة بني نصار في الناظور، حيث واجه مئات الشبان قوات الأمن بالحجارة في أجواء توصف بأنها شديدة التوتر.
وقالت الصحيفة الإسبانية إن هذه المواجهات جاءت في ظل حالة استنفار قصوى على جانبي الحدود، مع استمرار محاولات العبور وتكثيف الإجراءات الأمنية، سواء من جانب السلطات الإسبانية أو المغربية، لمنع تكرار مشاهد التدفق الجماعي نحو المعابر أو عبر البحر.
وفي خضم هذه التطورات، يتوجه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى سبتة ومليلية لمتابعة مستجدات الأزمة عن قرب، في زيارة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية واضحة، خاصة مع تصاعد الضغوط الأوروبية على مدريد ومطالبتها بإظهار قدرة أكبر على حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وتبدو أزمة الهجرة في سبتة سببا لزبادة التفاعل داخل المؤسسات الأوروبية، ليس فقط بسبب تداعياتها الإنسانية والأمنية، بل لأنها أعادت فتح النقاش حول مستقبل منطقة شنغن، وحدود التضامن الأوروبي، ومسؤولية الدول الواقعة على خطوط التماس الأولى مع الهجرة غير النظامية.
اقرأ المزيد
سبتة تشتعل.. آلاف المهاجرين يقتحمون الحدود بعد ساعات من خطاب ملك المغرب
فيدان يلتقي خليل الحية بعد انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحماس.. وتركيا تؤكد دعم جهود إنهاء حرب غزة

