في خطوة تحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية تتجاوز مجرد إطلاق اسم على طريق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن طريقاً سريعاً يمتد على طول الساحل الأطلسي للمغرب سيحمل اسم “الطريق السريع للرئيس دونالد ترامب”، ضمن مشروع يربط مدينة تزنيت جنوب المغرب بمدينة الداخلة، مروراً بمدينة العيون ومناطق الصحراء الغربية، وصولاً إلى محيط ميناء الداخلة الأطلسي قيد الإنشاء.
وذكرت صحيفة “إيه بي سي” الإسبانية أن “الهدية” التي تلقاها ترامب من العاهل المغربي الملك محمد السادس لم تكن تذكاراً بروتوكولياً، بل مشروعاً استراتيجياً يمتد لنحو 1055 كيلومتراً، ويعبر منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية سياسياً، إذ يعتبرها المغرب جزءاً من أراضيه، بينما لا تزال الأمم المتحدة تصنف الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
ونشر ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” مقطعاً مصوراً استمر قرابة أربع دقائق، ظهر فيه الطريق بوصفه “طريق السلام من أجل الازدهار”، متضمناً لقطات للأعلام المغربية والأميركية، ومشاهد جوية للصحراء والساحل الأطلسي، إضافة إلى مشروع ميناء الداخلة. وكتب ترامب: “أشكر الملك محمد السادس، إنه لشرف كبير، وأتطلع إلى السفر يوماً عبر هذا الطريق العظيم، وآمل أن يكون ذلك قريباً.”
وأضافت الصحيفة الإسبانية أن ترامب ثبّت المنشور في أعلى حسابه، في إشارة إلى الأهمية التي يوليها للمشروع، خاصة أنه اشتهر منذ سنوات باهتمامه بإطلاق اسمه على مشاريع ومنشآت كبرى.
لكن تسمية الطريق باسم ترامب لا تبدو مجرد لفتة رمزية، بحسب الصحيفة، إذ إن الطريق يمر عبر مدينتي العيون والداخلة، اللتين تمثلان مركزين رئيسيين في الصحراء الغربية، ما يمنح الخطوة بعداً سيادياً واضحاً. كما أن المشروع ليس طريقاً جديداً بالكامل، بل يأتي نتيجة توسعة وازدواج الطريق الساحلي الوطني ضمن مشروع بدأ عام 2015 بكلفة تقارب 900 مليون يورو، واقترب اليوم من مراحله النهائية.
ويرى المغرب في هذا الطريق أحد أهم مشاريع البنية التحتية الرامية إلى تعزيز الربط بين شمال المملكة وجنوبها، ودعم التنمية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، خصوصاً مع الرهان على ميناء الداخلة الأطلسي ليكون منصة تجارية ولوجستية تربط المغرب بغرب إفريقيا والمحيط الأطلسي.
وبحسب صحيفة “إيه بي سي”، فإن إطلاق اسم ترامب على الطريق يرسخ بصورة رمزية القرار الذي اتخذه خلال ولايته الأولى، عندما اعترف في ديسمبر/كانون الأول 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، في تحول كبير عن السياسة الأميركية التقليدية تجاه النزاع، وذلك بالتزامن مع استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام.
ومنذ ذلك القرار، تطور الموقف الأميركي من اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية أحد الحلول المطروحة، إلى وصفها بأنها “الأساس الواقعي الوحيد” لتسوية النزاع. كما تضمن القرار حينها وعداً بفتح قنصلية أميركية في مدينة الداخلة، إلا أن هذه الخطوة لم تُنفذ حتى الآن.
وأشارت الصحيفة إلى أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن لم تتراجع عن الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، لكنها لم تمنحه زخماً سياسياً أو اقتصادياً إضافياً، مكتفية بالإبقاء على الخرائط الأميركية التي تُظهر الصحراء ضمن الأراضي المغربية.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ترى الرباط فرصة لإحياء هذا المسار وتحويل الاعتراف السياسي إلى مشاريع ورموز عملية، يأتي في مقدمتها الطريق الذي يحمل اسم الرئيس الأميركي.
ولا تزال الأمم المتحدة تدرج الصحراء الغربية، منذ عام 1963، ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، فيما تواصل بعثتها في المنطقة العمل بموجب التفويض الذي أُنشئ عام 1991 لتنظيم استفتاء لتقرير المصير، لم يُنفذ حتى اليوم.
وتشير الصحيفة إلى أن المغرب يسيطر على معظم أراضي الصحراء الغربية، بينما تواصل جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، المطالبة باستقلال الإقليم. وفي المقابل، ظل الموقف الإسباني لعقود مؤيداً للمسار الأممي، قبل أن يعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عام 2022 دعمه لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وفي سياق تعزيز علاقاته مع إدارة ترامب الثانية، وافق الملك محمد السادس مطلع العام الجاري على انضمام المغرب بصفة عضو مؤسس إلى مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس الأميركي، كما كانت المملكة، إلى جانب البحرين، من أوائل الدول التي وقعت وثيقته التأسيسية خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
كما واصل المغرب ترسيخ موقعه ضمن التحالفات الإقليمية التي تدعمها واشنطن، بعد انضمامه إلى اتفاقات أبراهام إلى جانب الإمارات والبحرين والسودان.
وأضافت الصحيفة أن الإدارة الأميركية استثمرت معرض “جيتكس إفريقيا” الذي استضافته مدينة مراكش لتقديم المغرب بوصفه بوابة رقمية للقارة الإفريقية، في ظل تنامي حضور الشركات الأميركية العاملة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والأمن السيبراني داخل السوق المغربية.
ويراهن المغرب في هذا السياق على عدة عوامل جذب، أبرزها الاستقرار السياسي، واتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وموقعه الجغرافي بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، إضافة إلى موقعه كبوابة اقتصادية نحو القارة الإفريقية.
ويتزامن الإعلان عن الطريق الجديد أيضاً مع تصاعد التوتر بين واشنطن ومدريد، بعدما وجّه ترامب انتقادات حادة إلى إسبانيا خلال قمة حلف شمال الأطلسي، بسبب رفضها زيادة الإنفاق العسكري إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن اعتراضها على استخدام قواعدها الجوية خلال الحرب مع إيران.
وتتداخل هذه التطورات مع المنافسة على استضافة المباراة النهائية لكأس العالم 2030، التي ستنظمها المغرب وإسبانيا والبرتغال بصورة مشتركة، بينما تستضيف الأوروغواي والأرجنتين وباراغواي مباريات رمزية احتفالاً بمرور مئة عام على انطلاق البطولة.
وتسعى الرباط لاستضافة المباراة النهائية عبر ملعب الحسن الثاني قرب الدار البيضاء، الذي يُنتظر أن تبلغ سعته نحو 115 ألف متفرج، في حين تعتمد إسبانيا على ملعبي سانتياغو برنابيو في مدريد وكامب نو في برشلونة.
وذكرت صحيفة “إيه بي سي” أن المغرب يعتبر استضافة النهائي قضية وطنية، ويعتمد على حملة دبلوماسية ورياضية واسعة تمتد إلى إفريقيا وآسيا والعالم العربي، بالتوازي مع شبكة علاقاته الدولية المتنامية.
وأشارت تقارير إعلامية إسبانية إلى أن الرباط تراهن على دعم عدد كبير من أعضاء مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، إلا أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لم يؤكد حتى الآن أي أرقام تتعلق بالتصويت، كما لم يحسم رسمياً مكان إقامة المباراة النهائية.
وفي المقابل، يتمسك الاتحاد الإسباني لكرة القدم بأحقية إسبانيا في استضافة النهائي، باعتبار أن المشروع بدأ كمبادرة إيبيرية قبل انضمام المغرب إليه، إلا أن هذا الطرح يواجه حملة مغربية نشطة مدعومة باستثمارات رياضية ضخمة وتحركات دبلوماسية واسعة.
ورغم أن ترامب لا يمتلك أي صلاحية لاتخاذ قرار بشأن مكان إقامة النهائي، فإن الصحيفة ترى أن علاقته الوثيقة برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو قد تمنح المغرب زخماً سياسياً إضافياً في سباق استضافة أهم مباراة في كأس العالم 2030.
وبين طريق يحمل اسم ترامب في الصحراء الغربية، وميناء الداخلة الأطلسي، وملعب الحسن الثاني، تبدو الرباط وكأنها تخوض معارك متوازية لترسيخ حضورها في الصحراء، وتعزيز شراكتها مع واشنطن، وترسيخ مكانتها على الساحة الدولية، بينما تجد إسبانيا نفسها أمام منافس يتحرك بسرعة على المستويات السياسية والاقتصادية والرياضية.
اقرأ المزيد
هدم “السجن الأسود” في العيون يثير غضب منظمات صحراوية: المغرب يحاول طمس ذاكرة الانتهاكات..
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية

