وطن-في فجر 17 مايو/أيار 2021، وجدت إسبانيا نفسها أمام واحدة من أكبر أزماتها الدبلوماسية مع المغرب خلال العقود الأخيرة.
فخلال أقل من 24 ساعة، تمكن أكثر من 10 آلاف شخص من دخول مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية بشكل غير نظامي، بعدما فتحت السلطات المغربية الحدود بشكل مفاجئ، في مشهد وصفته مدريد بأنه ضغط سياسي غير مسبوق.
لكن خلف أزمة الهجرة كانت هناك قضية أكثر تعقيداً، مرتبطة بزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، الذي سمحت إسبانيا بعلاجه في مستشفى بمدينة لوغرونيو بعد إصابته بفيروس كورونا.
وبحسب تحقيقات صحفية استندت إلى تقارير منسوبة إلى المركز الوطني للاستخبارات الإسباني، اعتبرت الرباط وجود غالي في إسبانيا فرصة للضغط على مدريد من أجل تغيير موقفها التاريخي من ملف الصحراء الغربية.
الهدف: اعتراف إسبانيا بموقف المغرب في الصحراء
تشير التقارير إلى أن دوائر داخل السلطة المغربية رأت في الأزمة فرصة لإعادة رسم العلاقة مع مدريد.
ووفق التحقيقات، لعب مستشارون مقربون من العاهل المغربي الملك محمد السادس دوراً في إدارة التحركات السياسية، إلى جانب مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين بارزين.
وتقول هذه التقارير إن الهدف الأساسي كان دفع الحكومة الإسبانية إلى تبني موقف أكثر قرباً من الرؤية المغربية بشأن الصحراء الغربية.
وبعد أشهر من التوتر، أعلنت مدريد في مارس/آذار 2022 دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب باعتباره أساساً لحل النزاع، في تحول أنهى عقوداً من الحياد الإسباني الرسمي.
هواتف المسؤولين الإسبان تحت المراقبة
وسط التصعيد الدبلوماسي، ظهر ملف آخر أكثر حساسية: برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس”.
وبحسب التحقيقات، تعرضت هواتف عدد من كبار المسؤولين الإسبان للاختراق، بينهم رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ووزراء الخارجية والداخلية والدفاع.
وتشير المعلومات إلى استخراج كميات كبيرة من البيانات من هاتف سانشيز خلال مايو/أيار 2021، بعد أيام قليلة من أزمة سبتة.
وتتهم جهات تحقيقية الاستخبارات المغربية بالوقوف خلف عمليات التجسس، بينما نفت الرباط مراراً هذه الاتهامات.
بيغاسوس.. السلاح الرقمي الأخطر
يُعد برنامج بيغاسوس، الذي طورته شركة “إن إس أو” الإسرائيلية، من أكثر أدوات التجسس تطوراً في العالم.
فبمجرد اختراق الهاتف، يمكن للبرنامج الوصول إلى:
- الرسائل الخاصة.
- الصور والملفات.
- تسجيل المكالمات.
- الموقع الجغرافي.
- البريد الإلكتروني.
- تطبيقات التواصل الاجتماعي.
هذا وكشفت تحقيقات دولية سابقة ضمن مشروع “بيغاسوس” أن البرنامج استُخدم ضد صحفيين ونشطاء سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومسؤولين حكوميين في عدة دول.
كيف تعمل أجهزة الاستخبارات المغربية؟
بحسب شهادات نقلتها التحقيقات، تعتمد أجهزة الأمن المغربية على مزيج من الأساليب التقليدية والتقنيات الحديثة.
وتشمل هذه الأساليب:
- مراقبة الاتصالات.
- جمع المعلومات الشخصية.
- اختراق الأجهزة الإلكترونية.
- استخدام برامج التجسس المتقدمة.
- مراقبة النشاط الرقمي.
وتشير شهادات منسوبة إلى مسؤولين سابقين إلى أن أجهزة الاستخبارات تعتبر حماية النظام الملكي ومواجهة التهديدات السياسية من أولوياتها الأساسية.
شبكات مراقبة تمتد خارج الحدود
لم يقتصر الجدل حول التجسس على الداخل المغربي، إذ تحدثت التحقيقات عن احتمال استهداف شخصيات خارج البلاد، بينهم سياسيون أوروبيون وصحفيون ونشطاء مرتبطون بملف الصحراء الغربية.
كما أثار استخدام برامج التجسس ضد بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية تساؤلات حول حجم القدرات الاستخباراتية المغربية.
بين الأمن والسياسة.. معركة الصحراء تدخل العصر الرقمي
تكشف أزمة سبتة وملف بيغاسوس عن تحول الصراع السياسي بين المغرب وإسبانيا إلى مواجهة متعددة الأدوات.
فلم تعد الضغوط تقتصر على الدبلوماسية التقليدية، بل امتدت إلى الحدود والهجرة والأمن السيبراني.
وبينما ترى الرباط أن تحركاتها مرتبطة بالدفاع عن مصالحها الوطنية، يعتبر منتقدون أن استخدام أدوات الضغط الرقمي والسياسي يطرح أسئلة كبرى حول حدود النفوذ واحترام الخصوصية والقانون الدولي.
ويبقى ملف الصحراء الغربية أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، حيث تتقاطع فيه المصالح الإقليمية، الحسابات الأمنية، وحروب النفوذ الحديثة.
اقرأ المزيد
انقلاب الموازين في المتوسط: لماذا أصبح المغرب “الطرف الموثوق” لواشنطن بدلاً من إسبانيا؟
تحقيق يكشف خريطة التجسس الإسرائيلية: نصف دول العالم تحت المراقبة الرقمية
الإفراج عن الصحفي المغربي علي المرابط بعد توقيفه.. والتحقيقات مستمرة وسط انتقادات حقوقية

