وطن-في أحد مراكز الإيواء جنوب قطاع غزة، تعيش الأكاديمية الفلسطينية خلود أبو صهمود معركة يومية ضد السرطان، لكنها لا تواجه المرض وحده، بل تصطدم أيضاً بغياب العلاج المناسب وتأخر الموافقة على الإجلاء الطبي إلى خارج القطاع.
خلود، البالغة من العمر 33 عاماً والأم لطفلين، خضعت لـ15 جلسة علاج كيميائي بعد تشخيص إصابتها بسرطان الكبد عقب ولادة طفلتها، لكنها لم تحصل على التحسن المطلوب، بعدما أكد الأطباء أن الأدوية المتوفرة داخل غزة لا تتناسب مع حالتها الصحية.
وقالت خلود إن العلاج لم يوقف تقدم المرض، بل تسبب لها في آثار جانبية قاسية، من بينها تساقط الشعر وتضرر الأظافر، مؤكدة أنها بحاجة إلى علاج متخصص غير متوفر داخل القطاع.
أزمة دواء تضرب مرضى الأورام
وبحسب صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، تواجه المنظومة الصحية في غزة نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية، خصوصاً أدوية السرطان والعلاج الكيميائي والمضادات الحيوية ومواد التخدير والمستلزمات الطبية الخاصة بالتشخيص والجراحة.
وتشير بيانات منظمات دولية إلى أن نسبة كبيرة من الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية أصبحت غير متوفرة، ما أدى إلى تراجع قدرة المستشفيات على تقديم علاجات منتظمة لمرضى الأمراض المزمنة والخطيرة.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن علاجاً كيميائياً لعدد من أنواع السرطان توقف أو أصبح محدوداً للغاية بسبب نفاد مخزون الأدوية المتخصصة، ما أثر على مرضى سرطان الثدي والقولون والجهاز الهضمي وأورام الرأس والرقبة والساركوما.
آلاف مرضى السرطان ينتظرون الإجلاء
وفق بيانات وزارة الصحة في غزة، يوجد نحو 11 ألف مريض سرطان داخل القطاع، بينهم آلاف المرضى الذين حصلوا على تحويلات طبية للعلاج خارج غزة، لكنهم ما زالوا ينتظرون التصاريح اللازمة لمغادرة القطاع.
وأوضح الدكتور محمد أبو ندى، مدير مركز غزة للسرطان، أن نقص الأدوية أجبر الأطباء على استخدام بدائل علاجية أقل فعالية، وفي بعض الحالات اللجوء إلى أدوية منتهية الصلاحية قبل نفادها أيضاً.
وأشار إلى أن نقص أدوية العلاج الكيميائي والعلاج المناعي أدى إلى تراجع فرص الشفاء وارتفاع مخاطر تدهور الحالات، خصوصاً لدى المرضى الذين يحتاجون إلى بروتوكولات علاجية مركبة.
العلاج خارج غزة أصبح حلماً مؤجلاً
تحتاج حالات كثيرة إلى العلاج في مستشفيات خارج القطاع، سواء في الأردن أو تركيا أو مصر أو الضفة الغربية والقدس الشرقية، بسبب غياب الإمكانيات الطبية المتخصصة داخل غزة. لكن المرضى يواجهون عقبة إضافية تتمثل في الحصول على تصاريح الخروج، حيث تخضع عمليات الإجلاء الطبي لإجراءات أمنية معقدة وتأخيرات طويلة.
وتؤكد وزارة الصحة الفلسطينية أن آلاف المرضى، بينهم أطفال، ينتظرون الإجلاء الطبي العاجل، بينما توفي العديد من المرضى خلال فترة انتظار الموافقة على مغادرة القطاع.
معاناة إنسانية تتجاوز المرض
لا تتوقف معاناة مرضى السرطان في غزة عند نقص العلاج، بل تتفاقم بسبب النزوح المتكرر وتدهور ظروف المعيشة وانهيار البنية الصحية. خلود أبو صهمود نزحت عشرات المرات منذ بداية الحرب، بعدما فقدت منزلها، وتعيش اليوم مع عائلتها في مساحة ضيقة داخل مركز إيواء لا تتوفر فيه الظروف المناسبة لمريضة سرطان.
وتقول إن المرض حرمها من القيام بدورها كأم، فهي لم تتمكن حتى من حمل طفلتها منذ ولادتها بسبب تدهور حالتها الصحية. وأضافت أنها تعاني من ضيق التنفس وانتفاخ البطن بسبب تجمع السوائل، كما فقدت نحو 20 كيلوغراماً من وزنها، وأصبحت عاجزة عن القيام بأبسط الأنشطة اليومية.
من قاعات الجامعة إلى سرير المرض
قبل إصابتها بالسرطان، كانت خلود أبو صهمود أستاذة جامعية متخصصة في المناهج وطرق التدريس، وكانت تواصل مسارها الأكاديمي نحو الحصول على الدكتوراه.
عُرفت بشغفها بالتعليم والبحث العلمي، وحققت إنجازات أكاديمية بارزة خلال دراستها، قبل أن تغير الحرب والمرض مسار حياتها بالكامل. واليوم، تحتفظ بجانب سريرها بحقيبة تضم شهاداتها الأكاديمية، وصندوق صغير لأدويتها التي تحاول حمايتها من ظروف الإيواء القاسية.
انتظار بلا موعد للنهاية
بين نقص الأدوية وتأخر الإجلاء الطبي وتراجع قدرة المستشفيات، يعيش آلاف مرضى السرطان في غزة حالة من الانتظار المفتوح. فبالنسبة لخلود أبو صهمود، لا تتمثل أصعب لحظات المرض في الألم فقط، بل في انتظار علاج تعرف أنه موجود خارج القطاع، لكنها لا تعرف متى ستتمكن من الوصول إليه. وتختصر حالتها مأساة آلاف المرضى بعبارة مؤلمة: “أصعب ما في الأمر أن تنتظر العلاج، ولا تعرف متى ينتهي الانتظار”.
اقرأ المزيد
صيف غزة يحوّل خيام النازحين إلى أفران قاتلة.. الحرارة والعطش والحشرات تضاعف معاناة الفلسطينيين
من ريفييرا غزة إلى أكواخ رفح: تفاصيل خطة ترامب المعدلة لإدارة القطاع
بعد اختفاء قسري وتعذيب في سجون الاحتلال.. ريم جاد الله تستعيد خطيبها حمادة البنا في غزة
غزة على حافة جولة جديدة من الحرب.. إسرائيل تربط التصعيد بمصير سلاح حماس

