وطن-تراجعت الخطة التي رُوّج لها سابقاً باعتبارها مشروعاً لإقامة «ريفييرا غزة» براقة على ساحل القطاع، إلى تصور أكثر محدودية يقوم على إنشاء مخيم مؤقت من الأكواخ المتنقلة في منطقة قريبة من رفح، تحت إدارة فلسطينية وبإشراف أمني دولي محدود.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن ما يعرف بـ«مجلس السلام» التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب قلّص طموحات خطة التعافي في غزة، من إعادة بناء شاملة للقطاع المدمر إلى مشروع تجريبي مؤقت يضم «كبائن قابلة للنقل»، تديره جهة فلسطينية محلية مع شرطة فلسطينية مدربة وقوة أمنية دولية صغيرة.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، فإن المشروع التجريبي سيقام داخل ما يسمى «المنطقة العازلة» الممتدة على طول خط وقف إطلاق النار قرب رفح، في جنوب قطاع غزة. ويكشف المخطط الجديد عن ابتعاد واضح عن العرض الذي قدمه جاريد كوشنر، صهر ترامب، في يناير الماضي خلال منتدى دافوس، حين تحدث عن «غزة السوق الحرة» ووعد بتوفير بنية تحتية أساسية خلال 100 يوم.
وأضافت الصحيفة أن أي أعمال بناء أو تجهيزات فعلية لم تبدأ بعد لتنفيذ المشروع عبر «قوة الاستقرار الدولية»، وهي قوة متعددة الجنسيات مفوضة من الأمم المتحدة لحفظ السلام، أُنشئت بموجب خطة السلام الخاصة بغزة لعام 2025.
وفي المقابل، قالت “الغارديان” إن قاعدة لوجستية مخصصة لهذه القوة أوشكت على الاكتمال عند معبر كرم أبو سالم بين إسرائيل وقطاع غزة. ومن المتوقع أن تتلقى القوة تدريبات في مصر، بمشاركة عناصر من المغرب وكوسوفو، وربما من ألبانيا وكازاخستان أيضاً. غير أن تدريب هذه القوات قد يستغرق أشهراً، فيما لا يزال الإطار القانوني لوجودها قيد التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية.
ووفق ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، وُضع التصور الأولي للمشروع قبل نحو أسبوعين في قبرص، خلال اجتماعات ضمت أعضاء من «مجلس السلام»، ومسؤولين من إدارة ترامب، ومعهد توني بلير، إلى جانب اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وتنص الخطة، بحسب المصادر نفسها، على انسحاب القوات الإسرائيلية من خط وقف إطلاق النار في المنطقة المحددة، على أن يتولى الإشراف على المخيم كل من قوة الاستقرار الدولية وشرطة فلسطينية يجري تدريبها خصيصاً لهذا الدور.
لكن العقبة الأكبر أمام تنفيذ المشروع تبدو مالية. فقد كشفت «الغارديان» أن صناديق تمويل الخطة إما فارغة أو أن وضعها غير واضح، بينما لم يتحقق إلا جزء محدود جداً من التعهدات المالية التي أُعلنت ضمن خطة ترامب ذات العشرين بنداً لغزة، والبالغة 17 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 12.6 مليار جنيه إسترليني.
كما يسعى «مجلس السلام»، وفق ما نقلته الصحيفة البريطانية، إلى الوصول إلى جزء من نحو 11 مليار دولار من أموال الضرائب الفلسطينية وأصول مصرفية مجمدة صادرتها إسرائيل أو امتنعت عن تحويلها. وأثار هذا التوجه غضباً واسعاً لدى السلطة الفلسطينية، التي ترى في هذه الأموال حقوقاً مالية فلسطينية لا يجوز استخدامها خارج الأطر الشرعية.
وتشير “الغارديان” إلى أن أعمال البناء، إن بدأت، قد تبقى محدودة حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وهي انتخابات قد تطيح بحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة.
ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن تصعيد الحرب على غزة قد يكون أمراً حتمياً سواء فاز نتنياهو أو خسر، بذريعة أن حركة حماس لم تُلقِ سلاحها بعد. في المقابل، أكدت حماس مراراً استعدادها للتخلي عن السلاح وفق شروط محددة، كما شاركت خلال عطلة نهاية الأسبوع في مفاوضات جرت في القاهرة.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 73 ألف فلسطيني في قطاع غزة، بعدما شنت إسرائيل حربها على القطاع رداً على هجمات قادتها حماس داخل إسرائيل. وبحسب «ميدل إيست آي»، خلص عدد من أبرز الباحثين في قضايا الإبادة الجماعية وخبراء حقوق الإنسان ومنظمات دولية إلى أن ما ترتكبه إسرائيل في غزة يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وفي السياق القانوني الدولي، رفعت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بارتكاب أفعال تشكل إبادة جماعية في غزة. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
وأصدرت المحكمة أيضاً مذكرات توقيف بحق قادة من حركة حماس على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 على جنوب إسرائيل، قبل أن يتم اغتيالهم لاحقاً على يد إسرائيل، وفق ما أوردته التقارير.
وبحسب “الغارديان”، ناقشت محادثات القاهرة التي شارك فيها «مجلس السلام» ملف نزع سلاح حماس، بما في ذلك الجهة التي يمكن أن تتسلم الأسلحة، وآلية تخزينها، وما إذا كانت البنادق الهجومية ستُعد ضمن الأسلحة المطلوب تسليمها.
غير أن تقارير من القاهرة تشير إلى أن التوصل إلى اتفاق بشأن نزع السلاح لا يبدو مرجحاً ما دامت إسرائيل تواصل تنفيذ ضربات جوية على قطاع غزة، وهو ما يعقّد أي ترتيبات أمنية أو سياسية ضمن خطة التعافي الجديدة.
ونقلت “الغارديان” عن مسؤول مطلع على اجتماعات قبرص أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لم تكن موحدة في موقفها من مشروع رفح التجريبي. وأعرب أعضاء في اللجنة عن خشيتهم من أن يؤدي المخيم إلى انقسام بين سكان غزة البالغ عددهم نحو 2.1 مليون فلسطيني، وأن يضع غالبية السكان في مرتبة أقل أولوية عند توزيع المساعدات.
وبذلك، تبدو خطة إعادة إعمار غزة التي رُوّج لها سابقاً بوصفها مشروعاً اقتصادياً واسع النطاق قد تحولت إلى ترتيبات مؤقتة محدودة، تركز على إدارة مخيم قرب رفح أكثر مما تقدم رؤية حقيقية لإعادة بناء القطاع، وسط تعقيدات سياسية وأمنية وتمويلية ما زالت تحول دون تحويل الوعود إلى واقع.
اقرأ المزيد
بإشراف “مجلس السلام” وترامب.. تل السلطان محطة أولى لـ مناطق غزة الخالية من حماس
خطة “مجلس السلام”: 100 مليون دولار إماراتية لتمويل شرطة غزة الجديدة وقوة دولية بقيادة المغرب
وثيقة مسربة: نزع سلاح حماس مقابل الهدنة.. هل ينهار اتفاق غزة بقرار من “مجلس السلام”؟

