وطن-كشفت تسجيلات تعود إلى عام 2024 عن محادثات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام، ناقشا خلالها توظيف مزاعم سوء السلوك الجنسي ضد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، في محاولة لتأخير إصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو على خلفية حرب غزة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن هذه التسجيلات تفتح باباً جديداً من الأسئلة حول حملة ضغط وترهيب متصاعدة استهدفت خان والمحكمة الجنائية الدولية، بعدما تحرك مكتبه نحو ملاحقات مرتبطة بجرائم حرب في غزة ضد مسؤولين إسرائيليين.
وتأتي هذه التطورات بعد وفاة غراهام في وقت سابق من هذا الشهر، وبعد أيام من عزل كريم خان من منصبه كمدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية، إثر تصويت أجرته الدول الأعضاء في المحكمة يوم الجمعة الماضي.
وبحسب ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن المحادثة وردت ضمن تسجيلات التقطها المخرج البريطاني أليكس هولدر، الذي رافق غراهام على مدار ثلاث سنوات خلال إعداد فيلم وثائقي عن علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.
وجرت المكالمة الهاتفية في 29 أكتوبر 2024، قبل أسابيع قليلة من إعلان قضاة المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف غالانت. وكان كريم خان قد تقدم بطلب إصدار المذكرتين في مايو من العام نفسه.
ووفقاً لما نقلته “ميدل إيست آي”، قال نتنياهو لغراهام إن قضاة المحكمة «سيتخذون القرار قريباً جداً»، قبل أن يشير إلى أن خان يواجه مزاعم تتعلق بسوء سلوك جنسي، معتبراً أن «السحابة الكبيرة» التي تلقيها هذه القضية قد تساعد في تأخير مذكرة الاعتقال الصادرة ضده.
وقال نتنياهو، بحسب التسجيل: «من الممكن التوجه إلى المحكمة والقول: حسناً، نريد مراجعة هذا الأمر قبل أن تفعلوا أي شيء، قبل أن تصدروا مذكرة اعتقال. يجب أن تكون هناك مراجعة لهذه العملية بأكملها».
وأضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي أن «هذه السحابة أو هذه الوصمة يجب أن تزال»، مقترحاً على غراهام إرسال رسالة إلى المحكمة «ربما مع بعض أعضاء مجلس الشيوخ الآخرين». ورد غراهام بأنه سيحاول إشراك ديمقراطيين في التوقيع عليها أيضاً.
وفي مكالمة ثانية جرت في اليوم نفسه، قال غراهام لنتنياهو: «حصلنا عليهما معاً»، في إشارة على ما يبدو إلى السيناتورين الديمقراطيين ريتشارد بلومنتال وبن كاردين. وأضاف: «أرسل لي ما تريد قوله».
وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، مازح غراهام نتنياهو قائلاً إن عليه أن «يدفع له مقابل كل هذا»، مضيفاً: «يجب أن أحصل على أطنان من الشواكل». وتابع أن الأمر «سيحتاج إلى أكثر من عشاء»، طالباً من نتنياهو الاتصال ببلومنتال وكاردين لشكرهما على «إنصافهما»، وكذلك على محاولتهما المساعدة في ملف التطبيع بين السعودية وإسرائيل.
وأُرسلت الرسالة بالفعل في الأول من نوفمبر 2024، ووقعها بلومنتال وكاردين. لكنها لم تمنع قضاة المحكمة الجنائية الدولية من إصدار مذكرات الاعتقال في 21 نوفمبر بحق نتنياهو وغالانت، إضافة إلى ثلاثة من مسؤولي حركة حماس.
وقالت “نيويورك تايمز” إن السيناتورين بلومنتال وكاردين لم يردا على طلباتها للتعليق بشأن ما ورد في التسجيلات.
وكان نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون آخرون قد زعموا سابقاً أن كريم خان استخدم طلبات مذكرات الاعتقال ضد نتنياهو وغالانت للتغطية على مزاعم سوء السلوك الجنسي الموجهة إليه.
لكن صحيفة “ميدل إيست آي” قالت إن تحقيقاً نشرته العام الماضي أظهر أن خان أبلغ الولايات المتحدة بنيته التقدم بطلب مذكرات الاعتقال قبل أسابيع من علمه بتلك المزاعم، ما يضعف الرواية الإسرائيلية التي حاولت الربط بين الملفين.
وكشفت الصحيفة أيضاً أن غراهام لعب دوراً بارزاً في محاولة ممارسة الضغط على خان بسبب تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتبطة بفلسطين وإسرائيل.
ففي الأول من مايو 2024، وقبل تقديم طلبات الاعتقال، شارك خان في اتصال عبر الفيديو مع مسؤولين كبار في المحكمة الجنائية الدولية وغراهام ومجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وبحسب مواد اطلعت عليها “ميدل إيست آي”، قال غراهام لخان إنه إذا مضى قدماً في طلب مذكرات الاعتقال «فكأنك تطلق النار على الرهائن بنفسك»، مضيفاً: «سنفرض عليك عقوبات».
كما قال غراهام، وفقاً للصحيفة، إن المحكمة الجنائية الدولية «أُنشئت لأفريقيا ولبلطجية مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وليس لديمقراطيات مثل إسرائيل».
ونقلت صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية العام الماضي عن المحامي البريطاني أندرو كايلي، الذي أشرف على تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في ملف فلسطين، قوله إن غراهام كان «يصرخ فينا» خلال تلك الاتصالات.
وفي بيان لاحق، قال غراهام إن مزاعم سوء السلوك التي أصبحت علنية ضد خان ألقت «سحابة أخلاقية» على طلبه إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين. وأضاف أن أعضاء مجلس الشيوخ حثوا خان على احترام مبدأ التكامل، والتعامل «بحسن نية» مع المسؤولين الإسرائيليين قبل اتخاذ أي قرار بشأن المضي قدماً ضد دولة إسرائيل.
وتزامنت هذه التسريبات مع جدل واسع حول عزل كريم خان من منصبه. فقد صوتت 82 دولة من أصل 125 دولة عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، في اقتراع سري جرى الجمعة الماضية بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، لصالح إقالته على خلفية مزاعم سوء السلوك الجنسي.
وقالت “ميدل إيست آي” إن خان، الذي ينفي جميع المزاعم، كان قد بُرئ في مارس الماضي من أي مخالفات من قبل لجنة قضاة عينها مكتب جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية لمراجعة تحقيق أممي بشأن تلك الادعاءات.
وخلص القضاة بالإجماع إلى أن نتائج المحققين الأمميين «لا تثبت وقوع سوء سلوك أو إخلال بالواجب وفق الإطار المعمول به».
لكن مجموعة من الدول الأعضاء في مكتب جمعية الدول الأطراف، غلب عليها الطابع الغربي والأوروبي، صوتت لتجاهل استنتاجات القضاة والتوصل إلى خلاصة خاصة بها استناداً إلى تقرير الأمم المتحدة.
وفي الشهر الماضي، خلص المكتب إلى أن خان «دخل في علاقة جنسية» مع صاحبة الشكوى، معتبراً أنه «في سياق اختلال ميزان القوة، لا يمكن لأي علاقة جنسية أن تكون مناسبة».
وينفي خان حدوث أي علاقة جنسية، بينما تمحور مضمون شكوى المرأة، التي كانت محور التحقيق الأممي، حول مزاعم تتعلق بسلوك غير رضائي.
وبحسب الصحيفة، جاء التصويت على عزل خان بعد عملية تأديبية استمرت 18 شهراً، وصفتها منظمات حقوقية فلسطينية وقضاة سابقون ومحامو خان بأنها ذات طابع سياسي.
وكتبت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، على منصة «إكس» أن «إزالة خان من منصبه تتسق بشكل واضح مع معركة تحييد مذكرة اعتقال نتنياهو»، مضيفة أن «المصادفة باتت رفاهية لا يستطيع القانون الدولي تحملها».
ورحب نتنياهو بقرار عزل خان، قائلاً إنه تحدث مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن توجيه «الضربة القاضية» للمحكمة الجنائية الدولية.
وكتب نتنياهو أن روبيو «أكد مجدداً عزم الولايات المتحدة على التحرك بقوة ضد هذه المؤسسة»، واصفاً المحكمة بأنها «تقوض العدالة، وتهاجم دولاً ديمقراطية وذات سيادة، وتسعى إلى إخضاع أمنها لقرارات مسؤولين غير خاضعين للمساءلة وفاسدين في لاهاي».
كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين إسرائيليين لم تسمهم أن فريق عمل شكله وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عمل على الضغط على الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية للتصويت ضد خان.
وكان خان ونائباه وعدد من قضاة المحكمة قد تعرضوا لعقوبات أميركية في العام الماضي. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في وقت سابق من هذا الشهر إن واشنطن ستعمل على «تفكيك المحكمة الجنائية الدولية حجراً حجراً إذا لزم الأمر».
وتعيد هذه التسجيلات ملف المحكمة الجنائية الدولية ومذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت إلى واجهة النقاش الدولي، وسط اتهامات متزايدة بأن الضغوط السياسية على المحكمة لا تستهدف شخص كريم خان وحده، بل تهدف أيضاً إلى تقويض مسار المحاسبة عن جرائم حرب غزة وإضعاف استقلال القضاء الدولي.
اقرأ المزيد
ألبانيز: إقالة كريم خان ليست مصادفة.. بل جزء من معركة إسقاط مذكرة اعتقال نتنياهو

