وطن-حذّرت أبرز منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية من أن المسار التأديبي المتخذ ضد المدعي العام المعلّق للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، تحوّل إلى عملية مسيّسة تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وقد تؤدي إلى تقويض استقلال المحكمة، وذلك قبل أيام من تصويت الدول الأعضاء على مستقبله في منصبه.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، الذي يضم مؤسسات بارزة بينها مؤسسة الحق، ومركز الميزان لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الضمير، أصدر بياناً مشتركاً يوم الجمعة أكد فيه أنه لا يتبنى موقفاً من صحة الاتهامات الموجهة إلى خان أو من دفاعه عنها، لكنه يرى أن العيوب التي شابت الإجراءات تمثل انتهاكاً لضمانات أساسية في حقوق الإنسان، وخروجاً خطيراً عن مبدأ سيادة القانون.
وأوضح المجلس في بيانه أن ما يجري “يفتح الباب بشكل خطير أمام تغوّل سياسي على المحكمة”، معتبراً أن العملية التأديبية تحوّلت إلى ما يشبه “استفتاءً سياسياً” تتحكم فيه المصالح الوطنية للدول الأطراف، بدلاً من أن تبقى مسألة قانونية مستقلة تستند إلى معايير واضحة وإجراءات نزيهة.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن المجلس شدد على أنه لا يمكن فصل مصالح الدول الأعضاء عن الأثر السياسي لقرارات المدعي العام في الملفات المنظورة حالياً أمام المحكمة الجنائية الدولية، وعلى رأسها الملفات المرتبطة بفلسطين وإسرائيل والحرب على غزة.
ودعا مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية الدول الأعضاء في جمعية الدول الأطراف بالمحكمة الجنائية الدولية إلى حماية استقلال المحكمة ومكتب المدعي العام، مشيراً إلى التهديدات الأخيرة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ضد المحكمة، وإلى ما وصفه بـ”التدخل السياسي غير المبرر” من جانب مكتب الجمعية، وهو الهيئة التنفيذية لجمعية الدول الأطراف.
ومن المقرر أن تعقد جمعية الدول الأطراف، التي تضم ممثلين عن 125 دولة عضواً في المحكمة، جلسة خاصة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 يوليو للتصويت على مصير كريم خان.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن خان، الذي نفى بشدة الاتهامات المتعلقة بسوء السلوك الجنسي، عُلّق عن العمل بقرار من مكتب جمعية الدول الأطراف في 8 يونيو، بعدما خلصت أغلبية من الدول الـ21 الأعضاء في المكتب إلى أنه ارتكب “سوء سلوك جسيماً”.
غير أن مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية انتقد إصرار المكتب على المضي قدماً في إجراءاته رغم نتائج لجنة مستقلة مكوّنة من ثلاثة قضاة كبار هم بول ليمينز، وسيمور بانتون، وليونا ثيرون، كان المكتب نفسه قد عيّنهم لتقييم التحقيق الأممي في الاتهامات من الناحية القانونية.
وفي مارس الماضي، خلصت اللجنة بالإجماع إلى أن الأدلة لا تثبت سوء السلوك وفق معيار “ما لا يدع مجالاً للشك المعقول”، وهو المعيار المعتمد في المحكمة. كما وجدت اللجنة أن التحقيق كشف روايات متناقضة بالكامل، وأن جزءاً كبيراً من الأدلة كان قائماً على أقوال منقولة لا على شهادات مباشرة.
وأضافت الصحيفة أن مجلس المنظمات الفلسطينية لفت إلى أنه لم يصدر عن اللجنة القانونية الخاصة أي توصيف قانوني يؤكد أن الوقائع التي خلص إليها التحقيق ترقى إلى مستوى “سوء السلوك الجسيم” أو “الإخلال الجسيم بالواجب” في حالة المدعي العام، معتبراً أن استنتاج مكتب جمعية الدول الأطراف اللاحق خالف عملياً النتائج القانونية التي توصلت إليها اللجنة.
وانتقد البيان أيضاً اعتماد المكتب على ادعاء غير محقق فيه للقول إن خان “أقام علاقة جنسية” مع مقدمة الشكوى، واعتبار تلك العلاقة غير مناسبة بسبب اختلال ميزان القوة بين الطرفين. وقال مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية إن كريم خان ومقدمة الشكوى، بحسب ما ورد، لم يقدما أصلاً مثل هذا التوصيف للعلاقة.
وأشار المجلس إلى أن قرار المكتب لم يثبت وجود “سلوك جنسي غير رضائي”، رغم أن هذا كان جوهر الشكوى الأصلية. واعتبر أن مكتب جمعية الدول الأطراف، بوصفه هيئة سياسية مكوّنة من دبلوماسيين، لا يتمتع بالاستقلال أو الحياد أو الخبرة القانونية اللازمة لتوصيف الوقائع قانونياً، كما لم يحظَ بالوقت نفسه الذي أتيح للجنة الخاصة لفحص تقريرين ونحو 5 آلاف صفحة من الأدلة.
وبحسب “ميدل إيست آي”، هاجم البيان أيضاً ما وصفه بـ”التعديلات المتسرعة” على آلية التصويت، والتي قال إنها تهدف إلى تسريع احتمال عزل كريم خان من منصبه. وكانت الصحيفة قد ذكرت أن مكتب الجمعية غيّر إجراءات المحكمة من مسار من خطوتين إلى تصويت واحد.
ووفق الآلية السابقة، كان يتعين أولاً الحصول على أغلبية الثلثين لإثبات وجود سوء سلوك جسيم، ثم إجراء تصويت منفصل يحتاج إلى دعم 63 دولة عضواً لعزل المدعي العام. أما التعديل الجديد، بحسب ما نقلته الصحيفة عن المجلس، فيلغي عملياً عتبة الثلثين التي كان من الصعب بلوغها، ويخفض سقف التصويت اللازم لعزل المدعي العام، بما يضعف الضوابط والتوازنات المفترضة على القرارات السياسية لمكتب الجمعية.
وربط مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية بين المسار التأديبي ضد خان وبين ما وصفه بنمط أوسع من محاولات بعض الدول حماية إسرائيل من المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن الاتهامات ضد خان ظهرت في أبريل 2024 بالتزامن مع حملة من الولايات المتحدة وحلفائها لتعطيل جهود مكتبه في متابعة تحقيقات جرائم الحرب ضد مسؤولين إسرائيليين على خلفية الحرب على غزة.
وكان قرار خان في مايو 2024 طلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت قد أثار ردود فعل أميركية حادة، انتهت بفرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات انتقامية عليه.
ولاحقاً، توسعت العقوبات لتشمل نائبين للمدعي العام وثمانية قضاة في المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، ومنظمات فلسطينية غير حكومية قدّمت أدلة إلى المحكمة.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن مجلس المنظمات الفلسطينية أشار إلى تدخلات سابقة لعدة دول، بينها دول تشغل حالياً مقاعد في مكتب جمعية الدول الأطراف، للطعن في اختصاص المحكمة بشأن فلسطين عام 2020، إضافة إلى الطعن القانوني الذي قدمته بريطانيا عام 2024 ضد مذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وغالانت.
كما لفت المجلس إلى أن إسرائيل استندت إلى تفاصيل مسربة من تحقيق سوء السلوك في مذكرة قدمتها في نوفمبر 2025، طالبت فيها بتنحية كريم خان عن ملف فلسطين.
وحذر البيان من “الاحتمال الخطير” لتأثير إسرائيل وحلفائها السياسيين في أي تحقيق يطال المدعي العام عندما تتولاه هيئات سياسية، بما في ذلك مكتب جمعية الدول الأطراف. واعتبر أن هناك خطراً جدياً من أن تعطي الدول الأعضاء الأولوية لمصالحها الوطنية ولدعم الإفلات من العقاب الإسرائيلي، بدلاً من الاهتمام الحقيقي بمصالح مقدمة الشكوى أو المدعي العام أو نزاهة المحكمة نفسها.
وختم مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية بيانه بالتأكيد أن المسار التأديبي المستمر منذ أواخر عام 2024 “خذل جميع الأطراف”، محذراً من أنه قد يلحق أضراراً إضافية واسعة بالمحكمة الجنائية الدولية وبمنظومة العدالة الجنائية الدولية عموماً، في وقت تواجه فيه المحكمة أحد أكثر اختباراتها حساسية منذ تأسيسها.
اقرأ المزيد
حصري: المحكمة الجنائية تغيّر قواعد التصويت.. وإقالة كريم خان تصبح أقرب
دعوى في نيويورك ضد ترامب.. منظمات حقوقية تتحدى عقوبات واشنطن على المحكمة الجنائية الدولية

