وطن-قالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيز، اعتبرت أن عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان لا يمكن فصله عن الجهود الرامية إلى إبطال مذكرة الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وجاء تعليق ألبانيز، وهي محامية إيطالية متخصصة في حقوق الإنسان وتتولى ولايتها الأممية منذ عام 2022، عقب تصويت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية خلال جلسة خاصة في نيويورك على إقالة خان من منصبه على خلفية مزاعم تتعلق بسوء السلوك.
وكتبت ألبانيز عبر منصة “إكس”: “إقالة خان تتماشى بدقة مع المعركة الرامية إلى تحييد مذكرة اعتقال نتنياهو. المصادفة ترف لم يعد القانون الدولي قادراً على تحمله”. وأضافت: “هذا يثبت أن العدالة تهدد إسرائيل الفصل العنصري ومن يدعمها. وإذا أُصيبت المحكمة الجنائية الدولية بالشلل، فعلى المحامين والقضاة حول العالم أن يفعلوا المزيد”.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي“، جاءت تصريحات ألبانيز رداً على تقرير نشرته وسائل إعلام إسرائيلية ذكر أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر “لعب دوراً نشطاً” في الجهود الهادفة إلى عزل كريم خان. ونقل التقرير عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إن ساعر أشرف على “فريق عمل مخصص” وقاد تحركات دبلوماسية مكثفة من أجل ضمان إبعاد خان عن منصبه.
وتحوّل كريم خان إلى هدف لحملة ضغوط وتهديدات وعقوبات واسعة منذ قراره في مايو 2024 طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة. وتقول الصحيفة إن هذا القرار فتح مواجهة غير مسبوقة بين المحكمة الجنائية الدولية وإسرائيل وحلفائها، خصوصاً بعد انتقال الملف الفلسطيني إلى مرحلة أكثر حساسية داخل المحكمة.
وصوّتت 82 دولة من أصل 125 دولة طرفاً في نظام المحكمة الجنائية الدولية لصالح عزل خان، في اقتراع سري تجاوز الحد المطلوب للإقالة والبالغ 63 صوتاً. وفي المقابل، صوّتت 13 دولة ضد القرار، بينما امتنعت 15 دولة عن التصويت. وتعد هذه المرة الأولى التي يُعزل فيها مدعٍ عام في المحكمة الجنائية الدولية وهو لا يزال في منصبه.
وكشفت “ميدل إيست آي” أن ألبانيز كانت قد حذرت في وقت سابق مما وصفته بـ”المعسكر المؤيد للفصل العنصري”، متهمة إياه بالسعي إلى الإطاحة بخان بسبب عمله في ملف فلسطين. ففي مارس الماضي، وبعد أن كشفت الصحيفة أن لجنة من ثلاثة خبراء قضائيين عيّنتها هيئة الرقابة التابعة للمحكمة برّأت خان بالإجماع، كتبت ألبانيز أن “المعسكر المؤيد للفصل العنصري يعمل بالفعل على إزالته رغم ذلك”، داعية المدافعين عن العدالة إلى إفشال هذه المحاولة.
وخلصت لجنة الخبراء، وفق ما أوردته الصحيفة، إلى أن نتائج محققي الأمم المتحدة “لا تثبت وجود سوء سلوك أو إخلال بالواجب وفق الإطار المعمول به”. غير أن مكتب جمعية الدول الأطراف، وهو هيئة تنفيذية تضم 21 دبلوماسياً، صوّت بعد أسابيع على تنحية هذا الاستنتاج جانباً.
وأضافت “ميدل إيست آي” أنها كشفت هذا الشهر أن المكتب غيّر أيضاً قواعد التصويت، إذ دمج تصويتاً كان مقرراً على مرحلتين في اقتراح واحد، بما أدى فعلياً إلى خفض العتبة المطلوبة لعزل المدعي العام.
وتعرضت ألبانيز نفسها لعقوبات من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوليو 2025، بعد أيام من نشرها تقريراً سمّت فيه أكثر من 60 شركة قالت إنها تحقق أرباحاً من الاحتلال الإسرائيلي. وكان كريم خان أول مسؤول في المحكمة الجنائية الدولية تدرجه الإدارة الأمريكية بموجب الأمر التنفيذي نفسه في فبراير 2025، بسبب مذكرات الاعتقال التي سعى لاستصدارها بحق نتنياهو وغالانت.
وبحسب الصحيفة البريطانية، وصل عدد مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية الذين طالتهم العقوبات الأمريكية إلى 11 مسؤولاً بحلول نهاية العام الماضي، بينهم نائبا المدعي العام وعدد من القضاة الذين أصدروا قرارات لا تصب في مصلحة إسرائيل.
ورغم عزل كريم خان، لا تزال مذكرتا الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت ساريتين، ولا يمكن سحبهما إلا بقرار من القضاة. وتواصل إسرائيل المطالبة بإسقاط المذكرات، معتبرة أنها لا تستند إلى أساس قانوني، في حين ترى جهات حقوقية ودولية أن محاولات إبطالها تعكس ضغوطاً سياسية على المحكمة الجنائية الدولية.
وقبل تأكيد عزل خان رسمياً، دعا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر المحكمة إلى إسقاط مذكرات الاعتقال بحق المسؤولين الإسرائيليين، مكرراً رواية إسرائيل التي تقول إن إصدار المذكرات كان متسرعاً وجاء لصرف الانتباه عن مزاعم سوء السلوك الجنسي. وكتب ساعر عبر “إكس” أن هذه المذكرات “التي صدرت ضد دولة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، ما كان ينبغي طلبها من الأساس، ويجب إلغاؤها فوراً”.
وقالت “ميدل إيست آي” إن إسرائيل، منذ إصدار قضاة الدائرة التمهيدية مذكرات الاعتقال في نوفمبر 2024، شرعت في سلسلة طعون قانونية تهدف إلى إبطالها. ولا يزال طعنان قيد النظر، من بينهما دفع إسرائيلي بأن المحكمة لا تملك أي ولاية قضائية على مواطني إسرائيل، باعتبار أن إسرائيل ليست طرفاً في نظام روما الأساسي.
ويتولى مكتب المدعي العام حالياً نائبا المدعي العام نزهت شميم خان ومامي مانديي نيانغ، وكلاهما كان قد تعرض لعقوبات أمريكية في أغسطس 2025 بموجب الأمر التنفيذي نفسه الذي استهدف ألبانيز وكريم خان.
وعقب التصويت على عزل المدعي العام، أصدر مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية بياناً أكد فيه أن عمله سيستمر من دون انقطاع. ومن المنتظر أن تجرى انتخابات لاختيار مدعٍ عام جديد، غير أن الهيئة الحاكمة للمحكمة لم تعلن بعد جدولاً زمنياً لهذه العملية.
وتضع هذه التطورات المحكمة الجنائية الدولية أمام اختبار بالغ الحساسية، بين استمرار التحقيق في جرائم حرب محتملة في غزة والحفاظ على استقلالها أمام الضغوط السياسية والدبلوماسية المتزايدة، فيما تبقى مذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت أحد أبرز الملفات القانونية المرتبطة بالحرب على غزة ومستقبل العدالة الدولية.
اقرأ أيضاً
تحدٍ لواشنطن: سانشيز يمنح ألبانيزي “وسام الاستحقاق” ويطالب أوروبا بحمايتها من العقوبات الأمريكية
عائلة “فرانشيسكا ألبانيز” تقاضي إدارة ترامب.. هل تنجح في كسر حصار العقوبات الأمريكية؟
فرانشيسكا ألبانيزي تتهم قوى دولية بالتواطؤ في جرائم غزة وتواجه حملة لإسكاتها

