وطن-أعاد إغلاق إيران لمضيق هرمز التذكير بحقيقة جيوسياسية قديمة لا تزال تتحكم في الاقتصاد العالمي: من يملك القدرة على التأثير في المضائق البحرية يستطيع أن يضغط على حركة الطاقة والتجارة الدولية. فهذه الممرات الضيقة، الممتدة بين بحار ومحيطات، لم تعد مجرد نقاط عبور للسفن، بل تحولت إلى ساحات تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر في الخليج والبحر الأحمر ومحيط تايوان.
وقالت صحيفة “أتالايار” الإسبانية إن مضيق هرمز، الذي تمر عبره في الظروف الطبيعية نسبة تقارب 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، أصبح مجدداً في قلب الأزمة بعد قرار طهران إغلاقه، ما تسبب في اضطراب واسع في أسواق الطاقة وارتفاع حاد في أسعار الخام، قبل أن ترد واشنطن بفرض حصار بحري على موانئ إيرانية.
قانون البحار وحرية المرور في المضائق
تستند القواعد المنظمة لعبور السفن في المضائق الطبيعية إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المعروفة باسم اتفاقية مونتيغو باي، والتي وُقعت عام 1982. وبحسب الصحيفة الإسبانية، يوضح الجغرافي سيلفان دوميرغ، الأستاذ في معهد الدراسات السياسية بمدينة بوردو ومؤلف كتاب جيوسياسية المجالات البحرية الصادر عام 2025، أن هذه الاتفاقية تضمن حق المرور وحرية الملاحة في المضائق الطبيعية، ولا تسمح بفرض رسوم عبور عليها.
ويختلف هذا الوضع عن القنوات الاصطناعية مثل قناة السويس وقناة بنما، إذ تخضع هذه المنشآت لإدارة الدول المشرفة عليها، ويحق لها فرض رسوم على السفن العابرة وفق القواعد المعمول بها. أما المضائق الطبيعية، بحكم أهميتها الدولية، فتندرج ضمن نظام قانوني أوسع يهدف إلى منع تحويلها إلى أدوات ابتزاز اقتصادي أو سياسي.
وأضافت “أتالايار” أن إيران لم تصادق رسمياً على اتفاقية مونتيغو باي، لكنها التزمت تقليدياً بجزء كبير من أحكامها باعتبارها جزءاً من القانون الدولي العرفي. غير أن اندلاع النزاع بعد الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير غيّر هذا التوازن، ودفع طهران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
وقد سمح مذكرة تفاهم وُقعت بين واشنطن وطهران في أبريل بإعادة الملاحة مؤقتاً في المضيق، إلا أن انهيار وقف إطلاق النار في مطلع يوليو أعاد التوتر إلى هذا الممر الحيوي، وفتح الباب أمام موجة جديدة من المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.
باب المندب والحوثيون.. تهديد جديد للتجارة العالمية
لا يقتصر القلق الدولي على مضيق هرمز وحده. فمضيق باب المندب، الواقع بين اليمن والقرن الأفريقي والموصل إلى البحر الأحمر وقناة السويس، بات بدوره نقطة اختناق خطيرة في حركة التجارة العالمية. وكشفت أتالايار أن تهديدات الحوثيين في اليمن بتنفيذ هجمات محتملة ضد السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية أعادت المخاوف من تعطل الملاحة باتجاه قناة السويس، وهي واحدة من أهم طرق نقل البضائع بين آسيا وأوروبا.
ويمر عبر هرمز وباب المندب يومياً عدد كبير من ناقلات النفط وسفن الغاز المسال وسفن الشحن المحملة بسلع ومنتجات استراتيجية للاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في هذين الممرين لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد وأسعار النقل والتأمين البحري والتجارة الدولية ككل.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز ليست وليدة العصر الحديث. فقد حاولت البرتغال منذ مطلع القرن السادس عشر السيطرة على هذا الممر البحري لضمان الطريق إلى الهند وتعزيز نفوذها على تجارة التوابل، التي كانت آنذاك من أكثر الأنشطة التجارية ربحية في العالم.
من “حرية البحار” إلى صراع النفوذ
خلال القرن السابع عشر، ظهرت رؤية قانونية جديدة على يد الفقيه الهولندي هوغو غروتيوس، الذي صاغ مبدأ Mare Liberum أو “حرية البحار”، والقائم على أن البحار لا يجوز أن تكون ملكاً حصرياً لأي دولة. وقد تبنت هولندا هذا المبدأ أولاً، ثم إنجلترا، وبعدها الولايات المتحدة، التي لا تزال تطبق جزءاً كبيراً من مبادئ اتفاقية مونتيغو باي رغم أنها لم تصادق عليها رسمياً.
وقالت “أتالايار” إن الدفاع عن حرية الملاحة لم يمنع القوى الكبرى من استغلال المضائق والممرات البحرية لتعزيز نفوذها العسكري والاستراتيجي. فقد أنشأت الإمبراطورية البريطانية شبكة واسعة من القواعد العسكرية حول أهم المضائق في العالم، وكان من أبرزها سنغافورة، التي تحولت إلى قاعدة بحرية بريطانية رئيسية في آسيا، وموقع محوري للسيطرة على مضيق ملقا.
ويُعد مضيق ملقا اليوم واحداً من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، كما يمثل طريقاً أساسياً للصادرات القادمة من الصين ودول شرق آسيا نحو الأسواق العالمية. وبسبب أهميته، يخضع المضيق لإشراف مشترك من سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، وسط مخاوف دائمة من القرصنة أو التوترات الإقليمية أو أي تعطيل محتمل لحركة السفن.
كما احتفظت بريطانيا، بحسب الصحيفة، بوجود في جزيرة سقطرى القريبة من مدخل البحر الأحمر وباب المندب، بهدف تأمين واحد من أهم خطوط الاتصال بين أوروبا وآسيا. ويكشف ذلك أن السيطرة على المضائق لم تكن مجرد مسألة تجارية، بل جزءاً من بنية النفوذ الدولي عبر التاريخ.
مضائق أوروبا واستثناءات قانونية
في أوروبا، لعبت المضائق الدنماركية لقرون دوراً مشابهاً، إذ مكّنت الدنمارك من فرض رسوم على السفن المتجهة إلى بحر البلطيق. كما تبرز اليوم مضائق البوسفور والدردنيل بوصفها حالة خاصة ضمن نظام المضائق الدولية، إذ لا تخضع فقط للقواعد العامة لقانون البحار، بل ينظم المرور فيها اتفاق مونترو لعام 1936، الذي وضع نظاماً محدداً لحركة الملاحة المدنية والعسكرية عبر هذين الممرين الحيويين بين البحر الأسود والبحر المتوسط.
وأشارت “أتالايار” إلى أن مستقبل المضائق البحرية مرشح لمزيد من التوترات، خصوصاً في ظل صعود المنافسة بين القوى الكبرى. ويرى سيلفان دوميرغ أن مضيق تايوان قد يتحول إلى إحدى أبرز بؤر التوتر المقبلة، في ضوء الطموحات الإقليمية للصين وحساسية هذا الممر بالنسبة للتجارة العالمية وصناعة التكنولوجيا وسلاسل التوريد.
كما يبقى مضيق ملقا مرشحاً لمزيد من الاهتمام الدولي، نظراً لاعتماد اقتصادات كبرى عليه، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فضلاً عن كونه ممراً رئيسياً لناقلات النفط والبضائع بين المحيطين الهندي والهادئ.
الممرات البحرية في قلب الأمن العالمي
تُظهر أزمة مضيق هرمز أن الاقتصاد العالمي، رغم تطوره وتنوع طرقه التجارية، لا يزال يعتمد على نقاط عبور ضيقة يمكن أن تتحول في لحظات التوتر إلى أدوات ضغط هائلة. فحرية الملاحة لم تعد مجرد مبدأ قانوني، بل أصبحت ركناً أساسياً في أمن الطاقة واستقرار الأسواق وسلاسل الإمداد.
وبين هرمز وباب المندب وملقا وتايوان، تبدو الممرات البحرية مرآة دقيقة لتحولات النظام الدولي. وكلما ارتفعت حدة المنافسة الجيوسياسية، ازدادت أهمية هذه المضائق التي تربط العالم تجارياً، لكنها قد تفصله سياسياً عند أول أزمة.
اقرأ المزيد
هل تستطيع السعودية تصدير نفطها إذا أُغلق هرمز والبحر الأحمر؟ خيارات الرياض تدخل أخطر اختبار للطاقة
انفجار ناقلة نفط في مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري وسط توتر إيراني أمريكي..
دول الخليج ترفض سيطرة إيران على مضيق هرمز.. وترامب يستبدل “رسوم الحماية” باستثمارات في أمريكا
حصار المضيقين.. هل أصبح النفط السعودي عالقاً بين تهديد هرمز وباب المندب؟

