وطن-في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد مضيق هرمز إلى قلب الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية، ليس فقط باعتباره أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، بل بوصفه نقطة ارتكاز للصراع على النفوذ في الخليج. وبينما تبحث واشنطن عن مقابل اقتصادي لاستمرارها في حماية الملاحة، تتمسك دول الخليج برفض أي ترتيبات تمنح طهران نفوذاً على الممر البحري الأكثر حساسية في العالم.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن عدداً من الدول الخليجية أبلغ الولايات المتحدة ودولاً أوروبية، بشكل غير معلن، أنها لا تعارض من حيث المبدأ تحمل تكاليف محدودة مرتبطة بحماية الملاحة أو خدمات العبور، لكنها ترفض بصورة قاطعة منح إيران أي سلطة تسمح لها بالتحكم في حركة السفن أو فرض شروط سياسية على المرور عبر المضيق.
الاستقرار أهم من الرسوم
وبحسب مسؤولين أمريكيين وإقليميين نقلت عنهم الصحيفة، فإن المسألة بالنسبة للعواصم الخليجية لا تتعلق بقيمة الرسوم المحتملة، بل بطبيعة الجهة التي تمتلك حق فرضها.
وقال مسؤول أمريكي إن الرسوم المحتملة “لا تمثل عبئاً مالياً حقيقياً” بالنسبة لبعض الدول الخليجية، موضحاً أن الأولوية تكمن في الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً بعيداً عن أي ابتزاز سياسي أو عسكري.
في المقابل، أكد مسؤول إقليمي أن دول الخليج لا تريد أن تمتلك إيران “حق الفيتو” على الملاحة الدولية أو القدرة على تعطيل حركة السفن بقرار منفرد، مشيراً إلى أن المشكلة ليست مالية بقدر ما هي مرتبطة بموازين النفـوذ والسيادة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ترامب يطالب بمقابل لحماية المضيق
وتأتي هذه المواقف بعدما أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح فكرة حصول الولايات المتحدة على مقابل اقتصادي لقاء دورها في حماية الملاحة بمضيق هرمز.
وقال ترامب إن واشنطن تستحق الحصول على رسوم بنسبة 20% نظير تأمين المضيق، معتبراً أن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، ومن بينهم السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت، ينبغي أن يشاركوا في تحمل كلفة هذا الأمن.
غير أن هذا الطرح بدا متناقضاً مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي أكد في اليوم نفسه أنه لا يحق لأي دولة فرض رسوم أو ضرائب على الممرات البحرية الدولية، في إشارة إلى حساسية الملف قانونياً وسياسياً.
تراجع أمريكي نحو خيار الاستثمارات
وبعد أقل من يوم، تراجع ترامب عن فكرة فرض رسوم مباشرة، معلناً أنه يفضل استبدالها بحزمة من الاتفاقيات التجارية والاستثمارات الخليجية داخل الولايات المتحدة.
وأوضح عبر منصة “تروث سوشيال” أن محادثاته مع قادة الشرق الأوسط أسفرت عن تفاهمات تقضي بزيادة الاستثمارات الخليجية في الاقتصاد الأمريكي، معتبراً أن هذا الخيار أفضل من فرض رسوم مالية مباشرة على الملاحة.
وخلال لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، قال ترامب إن قادة الخليج أبدوا استعدادهم لاستثمار أموال ضخمة في الولايات المتحدة، مضيفاً أن ذلك يمثل “تعويضاً عادلاً” عن الدور الأمريكي في حماية أمن المضيق.
الخليج يرفض منح إيران شرعية إضافية
وترى ميدل إيست آي أن دول الخليج لا تمانع تحمل كلفة اقتصادية مقابل استمرار الاستقرار، لكنها تفضل أن تأتي هذه الكلفة عبر الاستثمارات أو الشراكات مع الولايات المتحدة، وليس عبر ترتيبات تمنح إيران دوراً قانونياً أو سياسياً في إدارة الملاحة.
ويعكس هذا الموقف رغبة خليجية في تجنب أي صيغة يمكن أن تُفسر باعتبارها اعترافاً بحق طهران في التحكم بأحد أهم الممرات البحرية الدولية.
سلطنة عمان تعطل المسار الإيراني
وأشارت الصحيفة إلى أن مساعي إيران لفرض رسوم مرتبطة بخدمات الملاحة واجهت عقبة رئيسية تمثلت في موقف سلطنة عمان، التي سمحت للسفن التجارية بالعبور عبر مياهها الإقليمية دون الحاجة إلى التنسيق مع طهران.
وبحسب مسؤولين أمريكيين وإقليميين، فإن هذا الموقف أضعف الأساس القانوني الذي كانت إيران تسعى إلى البناء عليه لتبرير فرض رسوم على السفن العابرة.
كما أفادت الصحيفة بأن سلطنة عمان تعرضت لضغوط مكثفة لإبعادها عن المشروع الإيراني، بينما ردت طهران – وفق المصادر نفسها – باستهداف سفن قطرية وإماراتية وسعودية داخل المياه العمانية، ما زاد من تعقيد المشهد الأمني في الخليج.
أهمية قانونية واستراتيجية
ويكتسب الموقف العماني أهمية خاصة لأن مضيق هرمز لا تشترك في الإشراف عليه سوى سلطنة عمان وإيران.
وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تمتلك الدول الساحلية الحق في مياه إقليمية تمتد حتى 12 ميلاً بحرياً، بينما لا يتجاوز عرض المضيق في أضيق نقاطه 21 ميلاً بحرياً، وهو ما يجعل التعاون أو الخلاف بين مسقط وطهران عاملاً أساسياً في تنظيم الملاحة.
ويرى خبراء قانونيون، بحسب الصحيفة، أن أي تعاون كامل بين عمان وإيران كان يمكن أن يوفر أساساً قانونياً لفرض رسوم مرتبطة بالإرشاد الملاحي أو الخدمات البحرية، إلا أن الموقف العماني حال دون تحقق هذا السيناريو.
مضيق هرمز يبقى محور الصراع
يمثل مضيق هرمز شرياناً أساسياً لتجارة النفط والغاز العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة القادمة من الخليج نحو الأسواق الدولية.
ولهذا، فإن أي محاولة لفرض رسوم أو قيود على الملاحة لا تقتصر آثارها على دول المنطقة، بل تمتد إلى أسعار النفط، وسلاسل الإمداد العالمية، واستقرار الاقتصاد الدولي.
وفي ظل انتقال الإدارة الأمريكية من الحديث عن رسوم مباشرة إلى المطالبة باستثمارات خليجية، تبدو دول الخليج متمسكة بمعادلة واضحة: القبول بتحمل كلفة أمنية أو اقتصادية للحفاظ على استقرار المضيق، مقابل رفض منح إيران أي نفوذ يمكن أن يحول مضيق هرمز إلى أداة ضغط سياسي أو استراتيجي على المنطقة والعالم.
اقرأ المزيد
ترامب يفرض رسوماً على عبور مضيق هرمز.. خطة أميركية جديدة تشعل التوتر مع إيران وتهدد أسواق الطاقة..
واشنطن تعيد فرض عقوبات النفط على إيران بعد هجمات على سفن قطرية وسعودية في مضيق هرمز

