وطن-دخلت السعودية أخطر اختبار تواجهه صادراتها النفطية منذ عقود، بعدما تزامنت الاضطرابات في مضيق هرمز مع تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة في البحر الأحمر، لتجد المملكة نفسها أمام احتمال تعرض أهم مسارين بحريين لنقل نفطها لضغوط متزامنة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العالمي على استمرار تدفق الخام السعودي.
وبحسب وكالة “إفي” الإسبانية، فإن الرياض تواجه معادلة استراتيجية معقدة، بعدما أصبح مضيق هرمز والبحر الأحمر معاً محورين للأزمة، في ظل استمرار التصعيد العسكري مع إيران، وتزايد هجمات الحوثيين في اليمن، وما يرافق ذلك من مخاطر على الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة.
هرمز… الشريان الذي تعطل
أشارت الوكالة إلى أن السعودية بدأت، منذ اندلاع الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، البحث عن مسارات بديلة لتأمين صادراتها النفطية، بعدما كان المضيق يعبره نحو خمس تجارة الهيدروكربونات المنقولة بحراً في العالم.
وأدركت الرياض أن استمرار الاعتماد على هرمز وحده أصبح مخاطرة استراتيجية، ما دفعها إلى تفعيل خيارات بديلة تعتمد على البنية التحتية الداخلية وخطوط الأنابيب.
البحر الأحمر يتحول من بديل إلى أزمة
اعتمدت السعودية بصورة متزايدة على ميناء ينبع الواقع على البحر الأحمر، والذي يرتبط بشرق المملكة عبر خط أنابيب الشرق–الغرب، ما سمح بتحويل نسبة كبيرة من صادرات النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
ووفقاً لما نقلته وكالة “إفي” عن مواقع متخصصة، تمكنت المملكة من تحويل نحو 70% من صادراتها اليومية إلى هذا المسار، غير أن التصعيد الحوثي غيّر المعادلة سريعاً بعدما هددت الجماعة باستهداف الناقلات السعودية وفرض حصار بحري على المملكة.
كيف بدأ التصعيد؟
تعود شرارة الأزمة الأخيرة إلى قصف مطار صنعاء الدولي في 13 يوليو، لمنع هبوط طائرة إيرانية، وهو ما اعتبره الحوثيون تصعيداً مباشراً ضدهم، قبل أن يردوا باستهداف منشآت للطاقة السعودية وتوجيه تحذيرات لشركات الطيران الدولية.
ومع اتساع الهجمات، أعلنت الجماعة في 20 يوليو فرض حصار بحري على السعودية، وهددت باستهداف ناقلات النفط المرتبطة بها، الأمر الذي دفع عدداً من السفن إلى تغيير مساراتها أو تعليق رحلاتها.
أرامكو تدخل دائرة الاستهداف
لم تقتصر التهديدات على الملاحة البحرية، بل امتدت إلى منشآت الطاقة السعودية، حيث أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مرافق تابعة لشركة أرامكو في جازان وينبع.
ويثير هذا التطور مخاوف متزايدة من انتقال المواجهة من استهداف طرق الشحن إلى ضرب البنية التحتية النفطية نفسها، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الإنتاج والصادرات.
خيارات برية… لكنها محدودة
تحدثت وكالة “إفي” عن خيارات أخرى تدرسها الرياض، من بينها نقل النفط براً عبر الأردن باستخدام الشاحنات أو مشاريع السكك الحديدية، إلا أن هذه البدائل تبقى أقل كفاءة بكثير من النقل البحري، ولا تستطيع استيعاب الكميات الضخمة التي تصدرها المملكة يومياً.
كما أن ارتفاع الكلفة اللوجستية وصعوبة تشغيل هذه المسارات يجعلها حلولاً مؤقتة أكثر منها بديلاً دائماً.
هل تتحرك إيران عبر أكثر من جبهة؟
تزامنت الهجمات الحوثية مع هجمات بطائرات مسيرة انطلقت من العراق واستهدفت منشآت نفطية سعودية، ما دفع مسؤولين يمنيين إلى الإشارة إلى احتمال وجود تنسيق أوسع ضمن استراتيجية إيرانية تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها عبر استهداف أمن الطاقة العالمي.
وفي المقابل، أشارت تقارير غربية إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوقف مؤقتاً الضربات ضد إيران لإفساح المجال أمام المسار التفاوضي، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
أزمة تتجاوز السعودية
لا تتعلق الأزمة بالمملكة وحدها، إذ إن أي اضطراب متزامن في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتهديد استقرار أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً بالنسبة للدول المستوردة في آسيا وأوروبا.
ويرى محللون أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما يطيل زمن الرحلات ويرفع تكلفة نقل الخام والغاز الطبيعي.
اختبار استراتيجي مفتوح
تكشف التطورات الأخيرة أن السعودية تواجه تحدياً استراتيجياً غير مسبوق. فمضيق هرمز لم يعد ممراً مضموناً، والبحر الأحمر بات معرضاً للتهديد، بينما لا توفر البدائل البرية القدرة الكافية لتعويض المسارات البحرية.
وبين التصعيد الحوثي، والتوتر مع إيران، وحساسية أسواق الطاقة العالمية، تبدو الرياض أمام مرحلة تتطلب إعادة تقييم شاملة لاستراتيجية تصدير النفط، في وقت قد تحدد فيه الأسابيع المقبلة ما إذا كانت الأزمة ستظل تحت السيطرة أم ستتحول إلى أزمة طاقة عالمية جديدة.
اقرأ المزيد
تهديدات الحوثيين في باب المندب تضغط على آخر مسارات النفط السعودية بعد أزمة هرمز..
هجمات الحوثيين تقترب من أرامكو.. هل دخلت منشآت الطاقة السعودية مرحلة الخطر الجديد؟
رسائل متزامنة من الرياض وأبوظبي.. هل تنهي الخلافات بين السعودية والإمارات؟

