وطن-بينما تتواصل الحرب وتتفاقم الأزمة الإنسانية، يواجه مئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة معركة جديدة مع حلول فصل الصيف، حيث تحولت الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة إلى أماكن خانقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط نقص حاد في المياه والكهرباء، وانتشار الحشرات والأمراض الجلدية، في وقت تستمر فيه القيود على دخول المساعدات الإنسانية ومواد الإغاثة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي“، فإن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة داخل الخيام جعل ظروف الحياة أكثر قسوة، خصوصاً مع غياب التهوية، وانعدام وسائل التبريد، وتدهور شبكات المياه والصرف الصحي، ما يضاعف المخاطر الصحية على مئات آلاف العائلات النازحة.
خيام تحولت إلى “بيوت زجاجية”
التقت الصحيفة الفلسطينية رجاء جندية، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال، والتي قالت إن الخيمة التي احتمت بها من أمطار الشتاء أصبحت في الصيف أشبه بـ”بيت زجاجي” يحتبس الحرارة والرطوبة.
وأضافت أن الحرارة داخل الخيمة تصبح خانقة إلى درجة تجبرها على الخروج منها، بينما يسيطر البعوض والذباب والحشرات على المكان مع حلول الليل وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يحرم العائلات من النوم ويزيد معاناتها اليومية.
وتعيش جندية في مدرسة وسط مدينة غزة تحولت إلى مركز إيواء بعد تدمير منزلها في حي الشجاعية، كما فقدت زوجها خلال الحرب في مارس 2024.
نحو 1.9 مليون نازح
استناداً إلى بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أشارت الصحيفة إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني من أصل 2.1 مليون من سكان قطاع غزة ما زالوا يعيشون حالة نزوح، يقيم كثير منهم داخل خيام مؤقتة أو مدارس ومبانٍ متضررة، وسط تدهور مستمر في الأوضاع الصحية والإنسانية.
وتتراوح درجات الحرارة في غزة خلال الصيف بين 30 و32 درجة مئوية، لكنها تتجاوز 35 درجة خلال موجات الحر، فيما تزيد الرطوبة الساحلية من الإحساس بالحرارة داخل الخيام المغلقة.
انتشار الأمراض الجلدية والحشرات
وأكدت رجاء جندية أن أطفالها يضطرون إلى مراجعة المستشفى بشكل متكرر بسبب الأمراض الناتجة عن ظروف السكن غير الصحية، في ظل طفح مياه الصرف الصحي وتراكم النفايات حول مراكز الإيواء.
وأشار التقرير إلى انتشار حالات الجرب، والالتهابات الفطرية، والطفح الجلدي، والقمل، وأمراض جلدية أخرى، خصوصاً بين الأطفال، نتيجة الاكتظاظ ونقص المياه وغياب النظافة.
مياه شحيحة ولا كهرباء
وفي شارع مقابل جامعة الأزهر بمدينة غزة، تعيش منى الملاحي داخل خيمة نُصبت فوق الجزيرة الوسطية للطريق، مؤكدة أن الحرارة داخلها لا تُحتمل، بينما لا يوفر الخارج أي ملاذ من أشعة الشمس.
وقالت إن العائلات بالكاد تجد ما يكفي من المياه للشرب، فضلاً عن الاستحمام أو التبريد، مضيفة أنها تحتاج إلى الاستحمام عدة مرات يومياً بسبب الحر، لكن شح المياه يجعل ذلك مستحيلاً.
وتحصل كثير من الأسر على المياه من مدارس أو صهاريج متنقلة تديرها جمعيات خيرية، في حين يضطر السكان إلى الانتظار لساعات طويلة للحصول على كميات محدودة من مياه الشرب.
دمار واسع يزيد الأزمة
وأوضح التقرير أن الحرب أدت إلى تدمير أكثر من 81% من مباني قطاع غزة، إضافة إلى إزالة مساحات واسعة من الأشجار والمناطق المظللة، ما جعل النازحين أكثر تعرضاً لأشعة الشمس المباشرة.
وعلى الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر، لا تزال القيود على دخول مواد الإيواء والمساعدات تعرقل تحسين ظروف مئات آلاف الأسر التي تعيش داخل خيام لا تحمي من الشتاء أو الصيف.
كهرباء غائبة وطعام يفسد
ولا تتوقف الأزمة عند ارتفاع الحرارة، إذ ما زال قطاع غزة يعاني انقطاعاً شبه كامل للكهرباء منذ اندلاع الحرب، بينما يعتمد بعض السكان على مولدات خاصة بأسعار مرتفعة لا يستطيع معظمهم تحملها.
وقال عماد السرساوي، وهو أب لستة أطفال يعيش في شقة متضررة بمدينة غزة، إن غياب الكهرباء يمنع تشغيل المراوح أو الثلاجات، ما يؤدي إلى فساد الطعام سريعاً، ويجبر العائلات على الطهي يومياً باستخدام الحطب بسبب نقص غاز الطهي.
وأضاف أن وجود سقف فوق رؤوسهم لا يغير كثيراً من الواقع، لأن الحرارة والحشرات وانعدام الخدمات الأساسية تجعل الحياة اليومية شديدة الصعوبة.
أزمة إنسانية مستمرة
تعكس أوضاع النازحين في غزة حجم التحديات الإنسانية التي تواجه سكان القطاع، حيث تتداخل آثار الحرب مع نقص المياه والكهرباء والخدمات الصحية، في وقت تواصل فيه العائلات البحث عن الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وبين حرارة الصيف القاسية، وشح الموارد، واستمرار النزوح، تبقى الخيام عنواناً لمعاناة يومية يعيشها مئات آلاف الفلسطينيين، فيما يختصر أحد السكان المشهد بقوله: “لا أحد يجد الراحة في غزة، لا في الصيف ولا في الشتاء.”
اقرأ أيضاً
من بين الركام إلى مدريد.. رسالة طفلة من غزة تهز رئيس وزراء إسبانيا وتصل إلى العالم
من ريفييرا غزة إلى أكواخ رفح: تفاصيل خطة ترامب المعدلة لإدارة القطاع
بعد اختفاء قسري وتعذيب في سجون الاحتلال.. ريم جاد الله تستعيد خطيبها حمادة البنا في غزة

