وطن-كشفت دراسة علمية حديثة أن جزءاً من صبغات الوشم لا يستقر داخل الجلد بشكل دائم كما كان يُعتقد سابقاً، بل يمكن أن ينتقل داخل الجسم عبر الجهاز اللمفاوي وصولاً إلى العقد اللمفاوية، في نتيجة تعيد فتح النقاش حول سلامة أحبار الوشم وتأثيرها المحتمل على الصحة على المدى الطويل.
وقالت مجلة التقارير العلمية التابعة لمجموعة الطبيعة العلمية للنشر، إن فريقاً من الباحثين الفرنسيين والألمان نشر عام 2017 نتائج بحثية مهمة أظهرت، ولأول مرة بدليل تحليلي مباشر، أن بعض الجسيمات الدقيقة الموجودة في حبر الوشم تستطيع مغادرة موضع الحقن في الجلد والانتقال إلى مناطق أخرى داخل الجسم.
وشارك في الدراسة باحثون من المرفق الأوروبي للإشعاع السنكروتروني، والمعهد الفيدرالي الألماني لتقييم المخاطر، وجامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ، واستخدموا تقنيات تصوير وتحليل متقدمة للكشف عن الجسيمات الدقيقة داخل الأنسجة البشرية.
كيف رصد العلماء انتقال صبغات الوشم؟
وبحسب ما أوردته مجلة التقارير العلمية، حلل الباحثون عينات من أنسجة الجلد والعقد اللمفاوية لأربعة أشخاص لديهم وشوم، إلى جانب عينات من شخصين لا يحملان أي وشم.
واعتمد الفريق على تقنية دقيقة تعرف باسم التصوير الفلوري بالأشعة السينية باستخدام جهاز السنكروترون، وهي تقنية قادرة على رصد جسيمات متناهية الصغر تصل إلى حجم الجسيمات النانوية.
وأظهرت النتائج أن العقد اللمفاوية لدى اثنين من المتبرعين الأربعة الذين لديهم وشوم كانت مصبوغة بشكل واضح باللون نفسه الموجود في الوشم على الجلد.
وعلى الرغم من أن الأطباء كانوا يلاحظون أحياناً أثناء العمليات الجراحية تغير لون بعض العقد اللمفاوية لدى أشخاص موشومين، فإن الجديد في هذه الدراسة كان تحديد الآلية التي ينتقل بها صبغ الوشم إلى تلك العقد.
وأضافت المجلة العلمية أن الجسيمات الأكبر حجماً من صبغات الوشم تميل إلى البقاء عالقة داخل الجلد، بينما تستطيع الجسيمات الأصغر، وخصوصاً الجسيمات النانوية، التحرك عبر الجهاز اللمفاوي والوصول إلى العقد اللمفاوية حيث يمكن أن تتراكم مع مرور الوقت.
ثاني أكسيد التيتانيوم ومعادن داخل أحبار الوشم
ومن بين المواد التي رصدها الباحثون داخل الأنسجة، ظهر ثاني أكسيد التيتانيوم، وهو صبغ أبيض شائع الاستخدام في أحبار الوشم، ويستخدم غالباً لتفتيح الألوان أو تعديل درجاتها.
كما عثر الفريق على آثار لعناصر ومعادن أخرى، من بينها:
- الألومنيوم
- الكروم
- الحديد
- النيكل
- النحاس
وتعد هذه النتائج مهمة لأنها لا تتعلق فقط بوجود الحبر في الجلد، بل بسلوك مكونات أحبار الوشم بعد دخولها الجسم. فالجسيمات النانوية، بسبب حجمها الصغير جداً، تمتلك قدرة أكبر على الحركة داخل الأنسجة مقارنة بالجزيئات الأكبر التي تبقى غالباً في مكانها.
وقالت مجلة التقارير العلمية إن هذا الاكتشاف لا يعني بالضرورة أن الوشم يسبب ضرراً صحياً مباشراً، لكنه يؤكد أن الجسم لا يتعامل مع حبر الوشم باعتباره مادة خاملة تماماً، بل يحاول التخلص من جزء منه أو نقله عبر مساراته الدفاعية الطبيعية.
لماذا تنتقل الجسيمات إلى العقد اللمفاوية؟
من الناحية البيولوجية، فإن ما يحدث ليس أمراً غريباً. فعندما تدخل مادة غريبة إلى الجلد، مثل حبر الوشم الذي يُحقن تحت الطبقات السطحية، يبدأ الجهاز المناعي والجهاز اللمفاوي في التعامل معها كما يتعاملان مع أي جسم غريب.
وتعمل الشبكة اللمفاوية عادة على تصفية البكتيريا والفيروسات والخلايا غير الطبيعية، كما تساعد في نقل بعض الجسيمات بعيداً عن موضع دخولها.
وبحسب الباحثين، فإن انتقال جزء من صبغات الوشم إلى العقد اللمفاوية ليس فشلاً في عمل الجسم، بل هو نتيجة مباشرة لآلية دفاعية طبيعية. فالجسم يحاول “تنظيف” المنطقة من مادة لم يكن من المفترض أن توجد داخل الجلد بصورة طبيعية.
ومع ذلك، فإن وصول هذه الجسيمات إلى العقد اللمفاوية يطرح أسئلة علمية مهمة، أبرزها:
- ماذا يحدث لهذه المواد بعد تراكمها؟
- هل تبقى خاملة؟
- أم يمكن أن تؤثر في الأنسجة أو الاستجابة المناعية مع مرور السنوات؟
ما الذي لم تثبته الدراسة؟
على الرغم من أهمية النتائج، شددت مجلة التقارير العلمية على أن الدراسة لا تقدم دليلاً على أن تراكم صبغات الوشم داخل العقد اللمفاوية يؤدي إلى مرض أو ضرر صحي مؤكد. فعدد المشاركين في البحث كان محدوداً للغاية، إذ شمل ستة أشخاص فقط، بينهم أربعة يحملون وشوماً واثنان لا يحملان وشوماً.
كما أن الباحثين لم يقيسوا أعراضاً صحية مباشرة، ولم يتابعوا المشاركين لسنوات طويلة، ولم يربطوا بين وجود الجسيمات النانوية في العقد اللمفاوية وبين الإصابة بأمراض محددة. لذلك فإن النتائج تكشف ظاهرة بيولوجية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي بشأن خطورة الوشم على الصحة.
أهمية النتائج في تنظيم سوق أحبار الوشم
تكمن أهمية الدراسة في أنها تسلط الضوء على جانب لا يحظى دائماً بالاهتمام الكافي في صناعة الوشم. فمعظم إجراءات السلامة الحالية تركز على:
- تعقيم الإبر
- نظافة الأدوات
- منع انتقال العدوى
لكن الدراسة تشير إلى جانب آخر مهم، وهو التركيب الكيميائي الدقيق لأحبار الوشم. ويرى الباحثون أن هناك نقصاً واضحاً في المعلومات حول سلوك جسيمات الحبر داخل الجسم، خصوصاً على مستوى الجسيمات النانوية. فالمستهلك غالباً لا يعرف بالتفصيل ما تحتويه عبوة حبر الوشم من معادن أو مركبات، كما أن تأثير هذه الجسيمات على المدى الطويل لا يزال غير محسوم علمياً.
ماذا تعني الدراسة لمن يفكر في الوشم؟
لا تعني هذه النتائج أن كل شخص لديه وشم معرض لخطر صحي مؤكد، ولا تعني أن الوشم يجب اعتباره خطراً مباشراً في جميع الحالات. لكنها تؤكد أن الوشم ليس مجرد رسم ثابت على الجلد، بل هو تدخل يتضمن إدخال مواد كيميائية إلى الجسم، وبعض هذه المواد قد لا يبقى في مكانه الأصلي.
ولهذا ينصح الخبراء عادة بـ:
- اختيار أماكن موثوقة للوشم
- التأكد من معايير التعقيم
- معرفة نوع الأحبار المستخدمة ومصدرها
- الانتباه إلى أي أعراض جلدية غير طبيعية
كما تبقى استشارة طبيب الأمراض الجلدية خطوة مهمة لمن يعاني من حساسية جلدية أو مشكلات مناعية أو يلاحظ تورماً أو التهاباً بعد الوشم.
خلاصة الدراسة
خلصت الدراسة المنشورة في مجلة التقارير العلمية إلى أن صبغات الوشم يمكن أن تنتقل إلى ما بعد الجلد، وأن الجسيمات النانوية الموجودة في الحبر قد تصل إلى العقد اللمفاوية وتتراكم فيها. ويمثل هذا الاكتشاف دليلاً علمياً مهماً على ظاهرة كان الأطباء يلاحظون بعض آثارها سابقاً، لكن من دون تفسير دقيق لمسار انتقالها.
ومع ذلك، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة حول التأثيرات الصحية طويلة الأمد، ومدى تأثير المعادن والجسيمات النانوية في الجهاز المناعي، وما إذا كانت المخاطر تختلف حسب نوع الحبر أو لونه أو كمية الوشم.
حتى الآن، لا تملك العلوم الطبية إجابة نهائية، لكن هذه الدراسة تمثل نقطة انطلاق مهمة لإعادة تقييم مكونات أحبار الوشم وتشجيع مزيد من الأبحاث والتنظيمات التي تضمن حماية أفضل للمستهلكين.
اقرأ أيضاً
إذا تجاوزت سن 45.. أضف السردين إلى غذائك لهذه الأسباب الصحية
10 عناصر غذائية قد تسرّع شيخوخة البشرة عند نقصها.. كيف تحافظين على نضارة وجهك؟
القاتل الصامت: كيف يغذي “الالتهاب المزمن” خلايا السرطان، ألزهايمر والسكري؟
الدهون الثلاثية ترتفع بصمت.. 15 عادة يومية قد تنقذ قلبك قبل فوات الأوان

