وطن-أقر البرلمان التركي مشروع قانون التصديق على اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، بأغلبية 279 صوتاً مقابل 119، في خطوة مهمة لاستكمال المسار القانوني للاتفاق الذي وقّعته الدول الثلاث في أغسطس الماضي، وسط تصاعد التوترات الأمنية المرتبطة بالهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين من اليمن على السعودية.
ويفتح التصويت الطريق أمام استكمال إجراءات التصديق التركية، لكنه لا يعني أن نشر قوات تركية في السعودية أصبح تلقائياً؛ إذ يتطلب أي انتشار عسكري من هذا النوع تفويضاً برلمانياً منفصلاً، إلى جانب استكمال الترتيبات القانونية الخاصة بوجود القوات.
279 صوتاً لصالح الاتفاق داخل البرلمان التركي
وجاء إقرار مشروع القانون بعد مناقشات داخل الجمعية العامة للبرلمان التركي، شارك فيها ممثلو الأحزاب السياسية، وانتهت بموافقة 279 نائباً ورفض 119، من أصل 398 نائباً شاركوا في التصويت.
وحظي الاتفاق بدعم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية، إلى جانب حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة. وفي المقابل، أثار نواب معارضون تساؤلات بشأن نطاق الالتزامات التي يفرضها الاتفاق، والضمانات اللازمة لتفادي تعارضه مع التزامات تركيا الدولية الأخرى.
وأكد النائب عن حزب العدالة والتنمية ضياء ألتونيالديز، خلال المناقشات، أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز التعاون الأمني ومنع النزاعات، وليس إلى تصعيدها أو استهداف دولة ثالثة. في المقابل، شدد النائب عن حزب الشعب الجمهوري محمد غوزلمانصور على ضرورة وضع قواعد واضحة تضمن احترام الالتزامات الدولية لتركيا وتعزيز الرقابة البرلمانية.
ومن المنتظر استكمال الإجراءات التركية عبر التصديق الرئاسي ونشر القانون في الجريدة الرسمية. غير أن دخول الاتفاق الثلاثي حيز التنفيذ على المستوى الدولي يرتبط بإيداع آخر وثيقة تصديق لدى أمانة اللجنة الاستراتيجية والسياسية والدفاعية المنشأة بموجبه.
اتفاق مكة.. دفاع مشترك وتعاون عسكري واستخباراتي
وُقّع اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026، خلال قمة جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. ويقوم الاتفاق، المؤلف من 16 مادة، على اعتبار أي اعتداء مسلح خارجي يستهدف إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الأطراف جميعاً، مع التزامها بالتعاون وتقديم المساعدة اللازمة للدولة المستهدفة.
ولا يقتصر الاتفاق على مبدأ الدفاع المشترك، بل يشمل مجالات متعددة، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، ومكافحة الإرهاب، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وتبادل الخبرات والتقنيات، فضلاً عن تقديم الدعم اللوجستي وفق احتياجات الأطراف وقدراتها المتاحة. كما ينص على إنشاء لجنة استراتيجية وسياسية ودفاعية تضم مسؤولين من وزارات الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث، تتولى متابعة تنفيذ التعاون ومعالجة العقبات التي قد تواجهه.
ومع ذلك، لا يعني الاتفاق أن أي هجوم سيؤدي بصورة آلية إلى تدخل عسكري من الدولتين الأخريين؛ إذ تخضع طبيعة المساعدة وحجمها للتشاور والتوافق بين الأطراف، مع مراعاة دساتيرها وتشريعاتها وقرارات سلطاتها المختصة.
اتفاق طويل الأمد.. والانسحاب غير متاح قبل 10 سنوات
ويمنح الاتفاق الشراكة الدفاعية طابعاً طويل الأمد، إذ لا يحدد تاريخاً لانتهائه، وينص على استمراره إلى أجل غير مسمى. وتسمح المادة 16 لأي دولة موقعة بالانسحاب بعد مرور 10 سنوات على دخول الاتفاق حيز التنفيذ، شريطة إخطار بقية الأطراف كتابياً عبر القنوات الدبلوماسية قبل موعد الانسحاب بثلاثة أشهر على الأقل.
كما لا يؤدي إنهاء الاتفاق أو انسحاب إحدى الدول إلى إلغاء المشروعات والأنشطة التي سبق الاتفاق عليها، فيما تستمر الالتزامات المتعلقة بحماية المعلومات والوثائق السرية حتى بعد الانسحاب أو إنهاء العمل بالاتفاق. وكانت السعودية وباكستان قد استكملتا إجراءات التصديق، وفق ما أعلنته الجهات المعنية في البلدين، فيما جاءت المصادقة التركية لتستكمل مرحلة أساسية من المسار القانوني للاتفاق الثلاثي.
هل تنشر تركيا قوات في السعودية؟
بالتوازي مع استكمال التصديق على الاتفاق، تتجه الأنظار إلى الخطوة التالية المتعلقة بإمكانية إرسال قوات أو أفراد عسكريين أتراك إلى السعودية، في إطار دعم القدرات الدفاعية للمملكة في مواجهة الهجمات التي تنطلق من اليمن.
وكان مسؤولون أتراك قد أشاروا إلى أن أنقرة تدرس تقديم دعم عسكري للرياض، قد يشمل المعدات والأنظمة الدفاعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات الفنية. كما أفادت تقارير بأن المساعدة المحتملة قد تتضمن خبراء وفنيين للمساهمة في تركيب الأنظمة وتشغيلها وتدريب الكوادر المعنية.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأسبوع الماضي، إن أي انتشار عسكري تركي محتمل في السعودية سيكون ذا طبيعة دفاعية، مؤكداً أن القوات التركية لن تشارك في عمليات داخل الأراضي اليمنية. كما سبق أن أشار وزير الدفاع التركي يشار غولر إلى أن بلاده لا تتوقع مشاركة قواتها في عمليات قتالية أو هجومية ضد الحوثيين.
لكن إرسال القوات يحتاج إلى تفويض منفصل من البرلمان التركي، وهو إجراء لا يحل محله التصديق على اتفاق الدفاع المشترك. وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين أتراك، فإن نطاق المساهمة العسكرية سيُحدد بالتشاور مع الشركاء وبناءً على احتياجات السعودية وطلباتها.
اتفاق منفصل لتنظيم وضع القوات
ولا تقتصر المتطلبات على التفويض البرلماني، إذ أشارت صحيفة «ميدل إيست آي» إلى أن أنقرة تحتاج أيضاً إلى التفاوض مع شركائها بشأن اتفاق خاص بوضع القوات، يُعرف باسم اتفاقية وضع القوات، ثم استكمال إجراءات التصديق عليه.
ويهدف هذا النوع من الاتفاقيات إلى تحديد الإطار القانوني لوجود العسكريين والموظفين التابعين لهم في أراضي الدولة المضيفة، بما يشمل الاختصاص القضائي في المسائل الجنائية والمدنية، وإجراءات الدخول والخروج، والجمارك والضرائب، وتسجيل المركبات، والحماية القانونية خلال أداء المهام. ولم تتضح بعد، وفق الصحيفة، المرحلة التي وصلت إليها المفاوضات بشأن هذه الترتيبات بين الدول الثلاث، أو ما إذا كانت قد اكتملت بالفعل.
وبذلك، تكون تركيا قد أنجزت خطوة رئيسية في مسار اتفاق مكة الدفاعي، لكنها لا تزال أمام إجراءات إضافية قبل أي انتشار عسكري محتمل في السعودية. وبينما يرسي الاتفاق إطاراً للتعاون والدفاع المشترك بين أنقرة والرياض وإسلام آباد، سيظل حجم المساهمة التركية وطبيعتها مرتبطين بالتفاهمات السياسية والعسكرية، والتفويض البرلماني، واستكمال الترتيبات القانونية اللازمة.
اقرأ المزيد
سوريا تدرس الانضمام إلى اتفاق مكة الدفاعي.. تحالف إقليمي وشيك أم ورقة تفاوض في مواجهة إسرائيل؟
اتفاق مكة الدفاعي تحت الاختبار.. مسؤول تركي يوضح لماذا لا يوجد رد عسكري فوري على الحوثيين؟
باكستان تستبعد حربًا فورية بعد هجمات الحوثيين على السعودية.. ماذا يعني اتفاق مكة الدفاعي؟
اتفاق مكة يوسّع نفوذ تركيا الإقليمي ويضعها أمام مخاطر أمنية متزايدة

