وطن-كشفت نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة عن تباين لافت في طريقة تعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الانتكاسات الانتخابية، كما سلطت الضوء على تحولات أعمق في المواقف الأميركية تجاه إسرائيل، وسط قلق متزايد في تل أبيب من تراجع الإجماع التقليدي على دعمها داخل الولايات المتحدة.
ولا تقتصر أوجه التشابه بين الرجلين على أسلوب الحكم القائم على الحضور الشخصي والهيمنة على الخطاب السياسي، بل تمتد إلى طبيعة المعارك التي يخوضانها بعد الخسائر. غير أن المقارنة بين المشهدين الإسرائيلي والأميركي تكشف اختلافاً في ردود الفعل، وفي طبيعة المؤسسات والقوى السياسية المحيطة بكل منهما.
الانتخابات الإسرائيلية تضع نتنياهو أمام مأزق سياسي
أظهرت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة تراجع معسكر بنيامين نتنياهو إلى 53 مقعداً في الكنيست، المؤلف من 120 عضواً، أي أقل بثمانية مقاعد من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. وفي المقابل، حصل معسكر المعارضة بقيادة حزب «يشار» برئاسة غادي آيزنكوت على 48 مقعداً، بينما حققت الأحزاب العربية نتيجة بارزة بحصولها مجتمعة على 19 مقعداً.
وتوزعت المقاعد العربية بين القائمة المشتركة التي حصلت على 11 مقعداً، والقائمة العربية الموحدة التي نالت 8 مقاعد، في نتيجة تتجاوز ما حققته القائمتان مجتمعتين في انتخابات عام 2022، وتقترب من الرقم القياسي الذي سجلته القائمة المشتركة عام 2020 عندما فازت بـ15 مقعداً.
وتضع هذه النتائج الأحزاب العربية في موقع مؤثر في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة، إذ لا يستطيع معسكر المعارضة بلوغ الأغلبية البرلمانية من دون تفاهمات تتجاوز حدوده الحالية. لكن هذا الاحتمال يواجه عقبات سياسية، في ظل رفض قوى معارضة رئيسية الاعتماد على دعم الأحزاب العربية لتشكيل حكومة جديدة. وبذلك، لا تعني خسارة معسكر نتنياهو للأغلبية أن المعارضة باتت قادرة تلقائياً على تولي الحكم، بل تفتح الباب أمام مفاوضات معقدة قد تنتهي إلى ترتيبات ائتلافية جديدة أو استمرار حالة الانسداد السياسي.
اتهامات بشأن الصوت العربي وحملات التشكيك في النتائج
وبحسب تحليل نشرته الصحافة الأجنبية، اتجه حلفاء نتنياهو، بعد ظهور نتائج الانتخابات، إلى تصعيد الخطاب السياسي والإعلامي ضد الأحزاب العربية، من خلال ترويج مزاعم تتهم العرب بالتأثير في نتيجة الاقتراع بمساعدة أموال قطرية. ووصف التحليل هذه المنظومة الإعلامية والسياسية بأنها «آلة سموم»، في إشارة إلى شبكة من المنابر الإعلامية والحسابات الإلكترونية التي يقول إنها عملت على توجيه النقاش العام، وتوسيع انتشار روايات تخدم معسكر نتنياهو.
وأشار إلى أن هذه الاتهامات لم تقتصر على وسائل الإعلام القريبة من اليمين، بل امتد صداها إلى برامج ومنابر إسرائيلية تقدم نفسها باعتبارها مستقلة، حيث أعاد بعض المعلقين ومقدمي البرامج تداول المزاعم المتعلقة بالدور العربي والتمويل القطري، من دون أن يعني ذلك ثبوت صحتها. ويرى التحليل أن التحول اليميني داخل المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة ساهم في توفير بيئة أكثر تقبلاً لهذا النوع من الخطاب، حتى لدى شرائح من يمين الوسط التي تؤيد أحزاباً تعلن معارضتها لنتنياهو.
ترامب والجمهوريون.. خسارة انتخابية من دون تكرار مشهد 2021
على الجانب الأميركي، جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر مختلفة عن المشهد الإسرائيلي. فقد تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في انتكاسة انتخابية كبيرة للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري. وأظهرت النتائج أن الناخبين عاقبوا الجمهوريين على مجموعة من الملفات، بينها ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم والحرب على إيران، وفق ما أوردته التقارير الأميركية. كما فتحت سيطرة الديمقراطيين على المجلسين الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة البرلمانية والتحقيقات المتعلقة بإدارة ترامب.
وفي المقابل، لم يتكرر حتى الآن سيناريو رفض نتائج الانتخابات أو اقتحام مبنى الكونغرس، كما حدث في 6 يناير 2021. ولم تظهر موجة واسعة مماثلة من حملات التشكيك في نتائج الاقتراع، رغم أن استمرار هذا الهدوء لا يمكن ضمانه في ظل الاستقطاب السياسي الأميركي. ويكمن الاختلاف، وفق المقارنة الصحفية، في أن الخسارة الانتخابية الأميركية لم تتحول حتى الآن إلى مواجهة مباشرة مع شرعية العملية الانتخابية، بينما اتجه الخطاب المحيط بنتائج الانتخابات الإسرائيلية إلى التشكيك في دور الأحزاب العربية ومكانة أصوات ناخبيها.
ترامب يعلن وقف المساعدات لإسرائيل.. وإسرائيل بين الترحيب والقلق
وفي تطور لافت تزامن مع الانتخابات الأميركية، أعلن ترامب في 3 نوفمبر أنه يعتزم وقف المساعدات العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل، التي تبلغ نحو 3.8 إلى 4 مليارات دولار، بحلول نهاية العام. وقال الرئيس الأميركي إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى هذه المساعدات، وإنها قادرة على شراء الأسلحة بمواردها الخاصة. كما أشار إلى أن نتنياهو طرح فكرة إنهاء الاعتماد على المساعدات الأميركية، وإن كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد تحدث سابقاً عن تقليصها تدريجياً، لا عن وقفها الفوري.
ويكتسب الإعلان أهمية خاصة لأن اتفاق المساعدات الأمنية الحالي بين البلدين يمتد حتى عام 2028، وينص على تقديم نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً. ولذلك، فإن إعلان ترامب لا يعني أن الترتيبات القائمة انتهت قانونياً بصورة تلقائية، بل يفتح تساؤلات بشأن كيفية تنفيذ القرار وتفاصيله. وفي اليوم نفسه، أدلى ترامب بتصريح أثار اهتماماً واسعاً عندما قال إنه قد ينتقل إلى إسرائيل ليصبح رئيساً للوزراء إذا سئم منه الأميركيون، مدعياً أنه يحظى بتأييد يبلغ 99% داخل إسرائيل.
ورغم أن هذه النسبة لا تستند إلى استطلاع موثوق، فإن شعبية ترامب في إسرائيل مرتفعة بالفعل. فقد أظهر استطلاع أجراه معهد سياسة الشعب اليهودي أن 73% من الإسرائيليين يرون أنه كان رئيساً أميركياً أفضل من المتوسط بالنسبة إلى مصالح إسرائيل، فيما وصفه 49% بأنه من بين أفضل الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة من منظور المصالح الإسرائيلية. لكن هذه النتائج تعكس تقييم الإسرائيليين لأداء ترامب تجاه مصالح بلادهم، ولا تعني أن 99% منهم يؤيدونه شخصياً، كما لا يمكن مقارنتها مباشرة بمعدلات شعبيته داخل الولايات المتحدة.
الناخبون اليهود وتراجع الإجماع التقليدي حول إسرائيل
وتبرز مؤشرات أخرى على التحول في المزاج السياسي الأميركي تجاه إسرائيل، من بينها نتائج استطلاعات الناخبين اليهود، التي أظهرت استمرار ميل غالبية هذه الكتلة الانتخابية إلى الحزب الديمقراطي، رغم تصاعد الخلافات داخل الحزب بشأن السياسات الإسرائيلية. فقد أظهر استطلاع للرأي نُشر قبل انتخابات التجديد النصفي أن 67% من الناخبين اليهود الذين شملهم الاستطلاع يعتزمون التصويت لمصلحة مرشحي الحزب الديمقراطي، مقابل 26% للجمهوريين. وأظهرت استطلاعات الخروج بعد الاقتراع أن نحو 68% من الناخبين اليهود صوتوا للمرشحين الديمقراطيين.
كما برزت أسماء سياسية تنتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، لكنها تمكنت من تحقيق نتائج انتخابية مهمة. ففي ولاية ميشيغان، فاز الديمقراطي عبد السيد بمقعد في مجلس الشيوخ، بينما واصل عمدة نيويورك زهران ممداني حضوره السياسي رغم مواقفه المنتقدة لإسرائيل. وأظهرت نتائج استطلاع للناخبين اليهود أن ممداني حصل على تقييم إيجابي لدى 49% من المشاركين، مقابل 20% فقط لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتعكس هذه الأرقام تغيراً في مواقف قطاعات من اليهود الأميركيين، الذين باتوا أكثر استعداداً للفصل بين هويتهم الدينية ومواقفهم من سياسات الحكومة الإسرائيلية.
وكان السياسي الديمقراطي رام إيمانويل قد لفت، في حديث مع صحفية إسرائيلية، إلى أن ممداني يحظى بشعبية أكبر بين اليهود الأميركيين من نتنياهو، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين المواقف السياسية داخل الولايات المتحدة وتوقعات بعض الأوساط الإسرائيلية.
الإعلام الإسرائيلي أمام تحولات السياسة الأميركية
ويرى التحليل الصحفي أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تزال تواجه صعوبة في فهم التحولات الجارية داخل المجتمع الأميركي، خصوصاً ما يتعلق بتراجع الإجماع حول الدعم غير المشروط لإسرائيل. فباستثناء أصوات إعلامية محدودة، تميل منابر إسرائيلية رئيسية إلى وصف شخصيات مثل عبد السيد وممداني بأنها «معادية لإسرائيل»، من دون التوسع بالقدر الكافي في شرح مواقفهما السياسية أو تحليل أسباب حصولهما على دعم من ناخبين يهود.
وفي الوقت نفسه، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تلاحظ وجود تصدعات داخل الحزب الجمهوري بشأن العلاقة مع إسرائيل، بعدما كان يُنظر إلى التيار المحافظ باعتباره حليفاً ثابتاً لتل أبيب، ولا سيما بسبب نفوذ الصهيونية المسيحية داخل القاعدة الجمهورية.
لكن التحليل يشير إلى مفارقة في طريقة تناول هذه التحولات؛ إذ تُوجَّه اتهامات معاداة السامية بسرعة إلى بعض الديمقراطيين المنتقدين للسياسات الإسرائيلية، بينما لا تحظى التيارات اليمينية المتطرفة داخل الولايات المتحدة بالقدر نفسه من التدقيق عندما تتبنى مواقف عدائية تجاه اليهود وإسرائيل، انطلاقاً من نزعات قومية وعنصرية.
ويحذر هذا الطرح من الخلط بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية ومعاداة السامية، كما يلفت إلى ضرورة التمييز بين المواقف المؤيدة للفلسطينيين والخطابات المعادية لليهود، حتى عندما تتقاطع سياسياً في رفض دعم إسرائيل.
ما الذي يقلق تل أبيب في المرحلة المقبلة؟
تتزامن هذه التحولات مع تداعيات هجوم 7 أكتوبر والحرب في غزة، وما تبعهما من اتساع الانتقادات الدولية لإسرائيل، وتزايد النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن حجم المساعدات العسكرية والسياسية المقدمة لها. وفي هذا السياق، يرى التحليل أن قطاعات من المجتمع والسياسة والإعلام الإسرائيليين باتت تتعامل مع الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل من خلال منطق الشك والتهديد، وهو ما قد يدفعها إلى اختزال مواقف العرب والمسلمين وبعض السياسيين الأميركيين في إطار العداء لإسرائيل، بدلاً من قراءتها ضمن نقاش أوسع حول حقوق الفلسطينيين والحرب ومستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
ورغم أن الجمهوريين لا يتبنون جميع المواقف الاجتماعية التي تفضلها قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، فإن تل أبيب اعتادت النظر إلى المحافظين الأميركيين باعتبارهم حلفاء استراتيجيين، خصوصاً في ملفات الأمن والدعم العسكري والاعتراف بمواقف إسرائيل الإقليمية. غير أن ظهور تيارات داخل الحزب الجمهوري تشكك في جدوى استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، إلى جانب تصاعد الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي، يضع العلاقة بين البلدين أمام اختبار سياسي طويل الأمد.
وتكشف المقارنة بين ترامب ونتنياهو أن تشابه أسلوبهما السياسي لا يعني تطابق الظروف المحيطة بهما. ففي إسرائيل، تحولت نتائج الانتخابات إلى أزمة تتصل بمكانة الصوت العربي وإمكان مشاركته في تشكيل الحكومة، بينما دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التجاذب حول طبيعة علاقتها بإسرائيل وحدود الدعم المقدم لها.
وبينما تسعى تل أبيب إلى الحفاظ على مكانتها لدى الحزبين الأميركيين، يبدو أن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد متعلقاً بموقف إدارة ترامب وحدها، بل بمدى قدرة إسرائيل على الحفاظ على دعم أميركي واسع في ظل تغير الأجيال والاتجاهات السياسية، وتزايد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين البلدين.
قد يعجبك
نتنياهو يواجه عزلة دولية على منصة الأمم المتحدة ويستثمر خطابه في معركة الانتخابات بإسرائيل
نتنياهو يحمل “ملفات إيران” إلى واشنطن.. هل يقنع ترامب بإشعال مواجهة جديدة في الشرق الأوسط؟
نيوسوم: رفض سياسات نتنياهو في غزة أصبح شبه إجماع داخل الحزب الديمقراطي
تخبط في واشنطن: ترامب يناقض وزير خارجيته حول أسباب الحرب مع إيران ودور إسرائيل

