وطن-دخل ملف الصحراء الغربية مرحلة دبلوماسية معقدة داخل مجلس الأمن الدولي، بعدما أخفق المجلس في تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو»، إثر استخدام الولايات المتحدة وروسيا حق النقض ضد مشروعي قرار متنافسين، في مواجهة نادرة بين قوتين دائمتَي العضوية عطّلت التمديد السنوي المعتاد للبعثة.
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، تمحور الخلاف حول مستقبل البعثة وطبيعة التسوية السياسية للنزاع، ولا سيما موقع خطة الحكم الذاتي التي تقترحها المغرب. ففي حين سعت واشنطن إلى جعل الخطة المغربية أساسًا للمفاوضات، رفضت موسكو صياغة اعتبرتها منحازة، وقد تُفهم على أنها حسم مسبق لمسألة السيادة على الإقليم المتنازع عليه.
واشنطن تسعى إلى تغيير مهمة البعثة واسمها
تضمن مشروع القرار الأمريكي تمديد ولاية «مينورسو» عامًا إضافيًا، لكنه حمل تعديلات سياسية وميدانية مهمة، أبرزها اعتماد خطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الرئيسي للتفاوض، إلى جانب تقليص المكون العسكري للبعثة. كما اقترحت واشنطن حذف كلمة «الاستفتاء» من الاسم الرسمي للبعثة، لتصبح «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، بدلًا من «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية».
ويعكس هذا التغيير، وفق الموقف الأمريكي، تعثر تنظيم الاستفتاء الذي أُنشئت البعثة أساسًا للإشراف عليه، بعد عقود من الخلاف بشأن تحديد هوية الناخبين المؤهلين للمشاركة فيه. وعقب التصويت، قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز إن الخلافات المتعلقة بأهلية الناخبين حالت دون إجراء الاستفتاء، مضيفًا أن مسؤولي الأمم المتحدة يطلعون مجلس الأمن على هذه العقبة منذ نحو 30 عامًا. وانتقد والتز تمسك بعض أعضاء المجلس بالإبقاء على كلمة «الاستفتاء» في اسم البعثة، معتبرًا أن ذلك لا ينسجم مع واقع تعثر تنظيم التصويت طوال العقود الماضية.
روسيا ترفض ربط التسوية بخطة الحكم الذاتي المغربية
في المقابل، رفضت موسكو الصياغة الأمريكية، معتبرة أن مجلس الأمن لا ينبغي أن يحدد مسبقًا نتائج المفاوضات أو يتخذ مواقف يمكن تفسيرها على أنها حسم لمسائل السيادة. وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إن المجلس لا يملك أن يقرر تلقائيًا مسائل مرتبطة بالسيادة، محذرًا من منح تأييد أممي لمقاربة أحادية الجانب.
وبهذا الموقف، استخدمت روسيا حق النقض لإسقاط مشروع القرار الأمريكي، الذي كان يسعى إلى إدخال تغييرات على طبيعة مهمة «مينورسو» وربط المسار التفاوضي بخطة الحكم الذاتي المغربية.
وأشارت «ميدل إيست آي» إلى أن فرنسا والمملكة المتحدة دعمتا المشروع الأمريكي، كما أيدتا خطة الحكم الذاتي التي تطرحها الرباط باعتبارها إطارًا لتسوية النزاع المستمر منذ عقود.
واشنطن تستخدم الفيتو ضد المشروع الروسي
لم يتوقف الانقسام عند إسقاط المشروع الأمريكي، إذ استخدمت الولايات المتحدة بدورها حق النقض ضد مشروع قرار روسي كان يقترح تمديد ولاية «مينورسو» عامًا إضافيًا، من دون إدخال تغييرات على طبيعة مهمتها أو شروط تفويضها. وصوّت 11 عضوًا ضد المشروع الروسي، وفق ما أوردته الصحيفة البريطانية، في تطور عمّق الانقسام داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل البعثة الأممية.
ووصف نيبينزيا الفيتو الأمريكي بأنه «اغتيال سياسي للبعثة»، معتبرًا أن تعطيل التمديد بصيغته التقليدية يضع الوجود الأممي في الصحراء الغربية أمام وضع بالغ التعقيد. ويعكس استخدام الفيتو من الجانبين خلافًا لا يتعلق بمجرد تمديد مهمة حفظ السلام، بل يمتد إلى طبيعة الحل السياسي الذي ينبغي أن ترعاه الأمم المتحدة، وحدود دور مجلس الأمن في توجيه مسار المفاوضات.
نزاع مستمر منذ انسحاب إسبانيا
وتعود جذور النزاع في الصحراء الغربية إلى عام 1975، مع نهاية الوجود الاستعماري الإسباني في الإقليم، قبل أن تتطور المواجهة بين المغرب وجبهة البوليساريو إلى نزاع مسلح استمر سنوات.
وتطالب جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، بإقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية، بينما تتمسك المغرب بسيادتها على الإقليم، وتطرح خطة للحكم الذاتي تحت سيادتها باعتبارها حلًا للنزاع.
وعلى مدى السنوات الماضية، عززت الرباط استثماراتها في البنية التحتية والخدمات العامة بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، في إطار ترسيخ حضورها الإداري والاقتصادي في الإقليم.
وكان مجلس الأمن قد أيد في العام السابق خطة الحكم الذاتي المغربية بوصفها أساسًا للتفاوض، كما طلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مراجعة وضع بعثة «مينورسو» ودورها في المرحلة المقبلة.
مستقبل البعثة ومخاوف على المدنيين
وتضم بعثة «مينورسو» نحو 155 عسكريًا، وأُنشئت بموجب وقف إطلاق نار رعته الأمم المتحدة، بهدف تنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم. وتبلغ كلفة البعثة، وفق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، نحو 62 مليون دولار خلال السنة المالية التي تبدأ في يونيو/حزيران. وحذرت منظمة «أوكسفام» من أن فقدان البعثة تفويضها قد يعرّض المدنيين لمخاطر إضافية، ويضعف آليات مراقبة الوضع الأمني والحد من التصعيد.
وقالت المنظمة، عقب التصويت، إن غياب مهام المراقبة وخفض التوتر التي تضطلع بها «مينورسو» قد يفاقم هشاشة الوضع في المنطقة، ويهدد الأمن والاستقرار وفرص التوصل إلى تسوية سلمية. وبحسب «ميدل إيست آي»، يعيش معظم الصحراويين في المناطق الخاضعة لسيطرة المغرب، بينما يقيم عشرات الآلاف في مخيمات للاجئين تديرها جبهة البوليساريو داخل الجزائر.
وكان مشروع القرار الأمريكي يتضمن أيضًا دعوة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى إجراء إحصاء للاجئين المقيمين في المخيمات، وهي مسألة ظلت موضع خلاف بين أطراف النزاع لسنوات.
أزمة جديدة أمام مجلس الأمن
ويضع الفشل في تجديد ولاية «مينورسو» مجلس الأمن أمام اختبار دبلوماسي جديد، في ظل تعارض مواقف واشنطن وموسكو بشأن مستقبل البعثة، وتباين الرؤى حول الإطار السياسي الذي ينبغي أن تستند إليه تسوية النزاع.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز موقع خطة الحكم الذاتي المغربية، تتمسك روسيا برفض أي صياغة ترى أنها تحسم مسبقًا قضايا السيادة، فيما يبقى مستقبل المهمة الأممية مرتبطًا بقدرة أعضاء المجلس على التوصل إلى صيغة توافقية.
وتتجاوز تداعيات هذا الخلاف حدود التوازنات داخل مجلس الأمن، إذ تمس مستقبل الوجود الأممي في الصحراء الغربية، وقدرة الأمم المتحدة على مواصلة مراقبة وقف إطلاق النار والحد من التوتر في منطقة تتداخل فيها حسابات المغرب والجزائر والقوى الدولية.
اقرأ المزيد
المغرب يتحرك نحو روسيا قبيل صدور قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية..
جدل واسع حول استضافة الداخلة لجوائز أفلام السياحة العالمية 2026 في الصحراء الغربية..
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية
المعركة لإثبات وجود وثائق الصحراء “المفقودة” في مدريد: “لقد اختفت أو أُخفيت بفعل فاعل”

