وطن-كشف رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق ديفيد برنيا عن جانب من الأساليب الاستخباراتية التي استخدمتها إسرائيل خلال الحرب مع إيران في يونيو/حزيران 2025، مؤكدًا أن نشر مقاطع مصورة لعمليات سرية داخل الأراضي الإيرانية كان جزءًا من خطة تهدف إلى إرباك الأجهزة الأمنية ودفعها إلى تنفيذ اعتقالات واسعة، بما يصعّب عليها التمييز بين العملاء الحقيقيين والمواطنين العاديين.
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، فإن تصريحات برنيا أثارت جدلًا واسعًا، بعدما أقر بأن أحد أهداف نشر مقاطع تحمل شعار الموساد في اليوم الأول من الحرب كان حماية العملاء الإسرائيليين الموجودين داخل إيران، حتى لو أدى ذلك إلى توسيع دائرة الاشتباه والاعتقالات بين السكان.
برنيا يكشف هدف نشر مقاطع العمليات السرية
وجاءت تصريحات برنيا، وفق ما نقلته صحيفة «جيروزالم بوست» في 25 أكتوبر/تشرين الأول، خلال مشاركته في «قمة برايورتي» يوم 22 أكتوبر، حيث تحدث عن أسباب نشر فيديو رسمي في صباح اليوم الأول من العملية العسكرية الإسرائيلية التي حملت اسم «الأسد الصاعد».
وقال رئيس الموساد السابق إن نشر الفيديو كان يهدف، من بين أمور أخرى، إلى «حماية العملاء الموجودين داخل إيران»، موضحًا أن إسرائيل أرادت دفع السلطات الإيرانية إلى اعتقال أعداد كبيرة من الأشخاص، إلى درجة تفقد معها القدرة على التمييز بين المشتبه بهم الحقيقيين وغيرهم.
وأضاف أن الهدف كان الوصول إلى وضع تضطر فيه الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى الإفراج عن المعتقلين، بعدما تصبح رواياتهم متشابهة ويصعب تحديد من له صلة فعلية بالعمليات الاستخباراتية.
وبذلك، لم يكن نشر المقاطع، بحسب رواية برنيا، مجرد استعراض لقدرة الموساد على تنفيذ عمليات داخل العمق الإيراني، بل جزءًا من استراتيجية لإغراق أجهزة مكافحة التجسس ببلاغات وملفات اشتباه وتحقيقات واسعة، بما يشتت جهودها ويحمي العناصر الإسرائيلية العاملة داخل البلاد.
21 ألف معتقل.. وبرنيا يتحدث عن أبرياء أُعدموا
وأشار برنيا إلى أن السلطات الإيرانية اعتقلت نحو 21 ألف شخص خلال الحرب، معتبرًا أن هذا العدد الكبير جعل من الصعب على الأجهزة الأمنية تحديد العملاء الفعليين وسط آلاف المشتبه بهم.
ونقل الموقع عنه قوله إن بعض الأشخاص الذين اعتُقلوا أو أُعدموا بتهمة التعاون مع إسرائيل لم تكن لهم أي صلة بالموساد، مضيفًا أن بعض من نُفذت بحقهم أحكام إعدام باعتبارهم عملاء لإسرائيل كانوا، وفق تعبيره، أشخاصًا لم يعملوا لصالح الجهاز أو حتى لصالح أي مؤسسة استخباراتية أخرى.
ووصف برنيا هؤلاء بأنهم «أشخاص سيئو الحظ»، في إشارة إلى أشخاص وقعوا ضحية الاشتباه الأمني، بينما أقر بأن بعض الحالات التي نُسبت إلى التجسس لم تكن مرتبطة فعليًا بعمليات الموساد.
وتسلط هذه التصريحات الضوء على التداعيات الإنسانية للحرب الاستخباراتية، إذ تكشف، وفق رواية مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق، أن توسيع دائرة الاشتباه داخل إيران كان جزءًا من حسابات حماية العملاء، حتى مع احتمال تعرض مدنيين لا علاقة لهم بالتجسس للاعتقال أو لعقوبات قاسية.
تريتا بارسي: إسرائيل عرّضت إيرانيين عاديين للخطر
وأثارت تصريحات برنيا انتقادات من تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي لفن الحكم المسؤول، الذي اعتبر أنها تكشف استخدام إسرائيليين لمواطنين إيرانيين عاديين كوسيلة لحماية عملاء الموساد داخل البلاد.
وكتب بارسي عبر منصة «إكس» أن تصريحات رئيس الموساد السابق تمثل اعترافًا نادرًا بكيفية تعريض آلاف الإيرانيين للخطر، رغم أن إسرائيل كانت تقدم عملياتها باعتبارها موجهة ضد النظام الإيراني وأجهزته الأمنية.
وتتركز الانتقادات على أن نشر مقاطع العمليات لم يقتصر أثره على كشف جانب من القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، بل ساهم، وفق ما أقر به برنيا، في دفع السلطات الإيرانية إلى توسيع حملات الاعتقال، بما قد يضع أشخاصًا لا علاقة لهم بالعمل الاستخباراتي في دائرة الاتهام.
إيران أعلنت اعتقال 21 ألف شخص خلال حرب الأيام الاثني عشر
وكانت الشرطة الإيرانية قد أعلنت في أغسطس/آب 2025 اعتقال نحو 21 ألف شخص خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل.
وقال المتحدث باسم الشرطة الإيرانية، سعيد منتظر المهدي، إن عمليات التوقيف جاءت عقب بلاغات قدمها مواطنون، وفي إطار إجراءات أمنية مشددة اتخذتها السلطات خلال المواجهة.
ووفق البيانات الإيرانية، أُوقف أكثر من 260 شخصًا للاشتباه في التجسس، فيما اعتُقل 172 آخرون بتهمة التصوير غير القانوني. وبررت السلطات هذه الإجراءات بوجود تهديدات أمنية مرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية ومتعاونين معها داخل البلاد.
وبدأت الحرب في 13 يونيو/حزيران 2025، عندما شنت إسرائيل عملية «الأسد الصاعد» مستهدفة مواقع عسكرية ونووية وقادة وعلماء إيرانيين، قبل أن ترد طهران بإطلاق صواريخ على أهداف داخل إسرائيل، وتنتهي المواجهة بوقف لإطلاق النار بعد 12 يومًا.
منظمات حقوقية تحذر من توسيع تهم التجسس
وتزامنت هذه التطورات مع تحذيرات حقوقية من استخدام السلطات الإيرانية تهم التجسس في ملاحقة معارضين وصحفيين ونشطاء ومواطنين بعد الحرب.
وبحسب «ميدل إيست آي»، قالت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في سبتمبر/أيلول 2025 إن السلطات الإيرانية اعتقلت أكثر من 20 ألف شخص عقب اندلاع المواجهة مع إسرائيل.
وأشارت المنظمتان إلى أن الاعتقالات طالت صحفيين ونشطاء حقوقيين ومستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب أفراد من أقليات عرقية ودينية وأجانب، محذرتين من احتمال استخدام اتهامات التجسس لتبرير محاكمات قاسية وعقوبات مشددة في ظل الأجواء الأمنية التي أعقبت الحرب.
وفي المقابل، تؤكد طهران أنها تواجه شبكات تجسس وتخريب مرتبطة بإسرائيل، وتتهم الموساد منذ سنوات بتجنيد عناصر داخل إيران لجمع المعلومات وتنفيذ عمليات سرية والمساعدة في الهجمات العسكرية.
لكن تصريحات برنيا أعادت فتح النقاش بشأن الثمن الذي قد يدفعه المدنيون في الحروب الاستخباراتية، بعدما كشف أن إرباك الأجهزة الأمنية الإيرانية عبر توسيع دائرة الاشتباه كان، بحسب اعترافه، جزءًا من خطة لحماية عملاء الموساد، حتى عندما انتهى الأمر باعتقال أشخاص لا تربطهم صلة بالجهاز الإسرائيلي.
اقرأ المزيد
رئيس الموساد يهاجم مرشح نتنياهو لخلافته.. وتحذيرات من تحول مطار بن غوريون إلى “قاعدة أمريكية”
تحقيق يكشف خريطة التجسس الإسرائيلية: نصف دول العالم تحت المراقبة الرقمية
بلجيكا تعتقل متدربة سابقة في الناتو بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية

