وطن-تتجه الأنظار إلى موسكو مع زيارة رئيسة الحكومة المغربية فاطمة الزهراء المنصوري، في توقيت يتزامن مع اقتراب تصويت مجلس الأمن الدولي على قرار جديد بشأن الصحراء الغربية، أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية المغربية. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه روسيا، بصفتها عضوًا دائمًا في المجلس، في تحديد مسار القرار الأممي، ولا سيما في ظل الخلاف بشأن الصياغة التي ستعتمدها الوثيقة الجديدة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «إل إنديبندينتي» الإسبانية، وصلت المنصوري إلى العاصمة الروسية برفقة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية، حيث استقبلها الرئيس فلاديمير بوتين. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية فيما تسعى الرباط إلى توسيع دائرة التأييد الدولي لمقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه لحل النزاع، بينما تتمسك جبهة البوليساريو بحق تقرير المصير للشعب الصحراوي.
وعلى هامش القمة، عقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اجتماعًا مع نظرائه الأفارقة، قبل أن يلتقي بوريطة في اجتماع ثنائي لم تُعلن تفاصيله رسميًا. غير أن توقيته، قبل التصويت المرتقب في مجلس الأمن، أعاد تسليط الضوء على موقف موسكو من النزاع، خصوصًا أن روسيا تملك حق النقض، ويمكن لموقفها أن يؤثر في اعتماد القرار أو في صياغته النهائية.
وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أعلنت، في بيان سابق، أن لافروف أجرى اتصالًا هاتفيًا مع بوريطة بمبادرة من الجانب المغربي، تناول التحضيرات للقمة الروسية الأفريقية، إلى جانب قضايا إقليمية والتنسيق في السياسة الخارجية، بما في ذلك داخل الأمم المتحدة. وترى الصحيفة الإسبانية أن هذا الجانب من التنسيق يكتسب أهمية خاصة في ضوء التصويت المرتقب بشأن الصحراء الغربية، وإن لم يصدر إعلان رسمي يربط اللقاء مباشرة بمضمون القرار.
صياغة القرار الجديد وموقع مقترح الحكم الذاتي
يمثل القرار المنتظر محطة مهمة في مسار النزاع، خصوصًا بعد القرار رقم 2797 الذي صدر في العام السابق، ومدّد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» لمدة عام. ووفق قراءة صحيفة «بوبليكو»، حمل القرار السابق تحولًا في لغة مجلس الأمن، بعدما وصف مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه «أساس» للمفاوضات، وأشار إليه باعتباره أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق.
ورغم أن هذه الصياغة عُدّت مكسبًا دبلوماسيًا للرباط، فإنها لم تستبعد صراحة الخيارات الأخرى، بما فيها تقرير المصير الذي تتمسك به جبهة البوليساريو. لكن الصحيفة الإسبانية تحدثت عن مسودات متداولة للقرار الجديد تتضمن احتمال وصف المبادرة المغربية بأنها «الأساس الوحيد» للمفاوضات، وهي صياغة، إذا اعتُمدت، ستعكس تحولًا إضافيًا في لغة مجلس الأمن تجاه النزاع.
وتقول الصحيفة إن الولايات المتحدة تقف وراء المسودات التي جرى تداولها خلال الأسابيع الأخيرة، فيما سيكشف التصويت موقف بقية أعضاء المجلس من الصياغة المقترحة. وحتى الآن، لا ينبغي التعامل مع ما ورد بشأن «الأساس الوحيد» باعتباره نصًا نهائيًا معتمدًا، إذ يظل الأمر مرتبطًا بالمفاوضات التي تسبق التصويت وبالتعديلات المحتملة على مشروع القرار.
ويكتسب الموقف الروسي أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى أن موسكو وبكين أبدتا في محطات سابقة تحفظات على بعض الصيغ المتعلقة بالنزاع، بينما تتبنى الرباط مقترح الحكم الذاتي إطارًا للحل، وتطالب البوليساريو بإتاحة تقرير المصير للصحراويين.
تحولات في مواقف دولية من النزاع
تربط «بوبليكو» النقاش الدائر في مجلس الأمن بتغيرات شهدتها مواقف عدد من الدول خلال السنوات الأخيرة، إذ أعلنت حكومات دعمها للمبادرة المغربية باعتبارها أساسًا للتوصل إلى تسوية سياسية. ومن أبرز هذه التحولات موقف إسبانيا، التي أعلنت حكومتها برئاسة بيدرو سانشيز عام 2022 أن المقترح المغربي يمثل «الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لحل النزاع.
كما أشارت الصحيفة إلى الموقف الفرنسي المعلن عام 2024 بشأن دعم السيادة المغربية على الصحراء الغربية، وإلى إعلان المملكة المتحدة في يونيو 2025 تأييدها مبادرة الحكم الذاتي بوصفها أساسًا ذا مصداقية وقابلًا للتطبيق وواقعيًا لإنهاء النزاع.
وفي المقابل، لا يزال الوضع القانوني للصحراء الغربية في الأمم المتحدة مختلفًا عن المواقف السياسية التي تعلنها بعض الدول. فالإقليم مدرج على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولا تزال الأمم المتحدة تتعامل مع النزاع باعتباره قضية لم يُحسم وضعها النهائي عبر تسوية متفق عليها.
وتعود جذور النزاع إلى عام 1975، مع انتهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الإقليم، ودخول المنطقة في مسار من المواجهة السياسية والعسكرية بين المغرب وجبهة البوليساريو. وفي حين تعتبر الرباط الصحراء الغربية جزءًا من أراضيها، تطالب البوليساريو بتقرير المصير، فيما تتباين مواقف الدول بشأن مقترح الحكم الذاتي وطبيعة التسوية النهائية.
حسابات التصويت وموقف روسيا
بحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، شهدت تركيبة المواقف داخل مجلس الأمن تغيرات خلال الفترة الماضية، مع تراجع عدد الدول التي تعلن اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، مقابل اتساع دائرة الدول التي تدعم المقترح المغربي أو تعتبره أساسًا للتفاوض.
وتشير «بوبليكو» إلى أن كولومبيا غيّرت موقفها من القضية، في تطور ربطته الصحيفة بوصول أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى الرئاسة، وإعلان بوغوتا دعم السيادة المغربية على الصحراء الغربية. وتقدم الرباط هذه التحولات ضمن سلسلة من المكاسب الدبلوماسية التي حققتها في عدد من المناطق، خصوصًا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
أما في تصويت العام السابق على القرار 2797، فقد أيدت الدول الأعضاء القرار، بينما امتنعت روسيا والصين وباكستان عن التصويت، وفق ما أوردته الصحيفة. ويطرح ذلك تساؤلًا بشأن ما إذا كانت موسكو ستكرر موقف الامتناع، أم ستتجه إلى موقف مختلف في ظل الاتصالات المغربية الروسية الأخيرة.
وتلفت الصحيفة إلى أن حسابات روسيا قد تتجاوز العلاقات الثنائية مع المغرب، لتشمل اعتبارات أوسع مرتبطة بمواقفها الدولية، ومن بينها الحرب في أوكرانيا ومبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة. وترى أن موسكو قد تتحفظ على صياغة يمكن تفسيرها باعتبارها إقرارًا دوليًا بأمر واقع إقليمي، خشية انعكاس ذلك على النقاشات المتعلقة بالنزاعات الأخرى.
لكن هذا الربط يظل تحليلًا سياسيًا تنقله الصحيفة، ولا يعني أن الموقف الروسي من الصحراء الغربية تحدده بالضرورة حسابات الحرب في أوكرانيا وحدها؛ إذ تتداخل في السياسة الروسية اعتبارات العلاقات مع المغرب والجزائر، وموقعها في أفريقيا، ومواقفها داخل الأمم المتحدة.
قمة موسكو ورسائل المغرب إلى أفريقيا
لا تقتصر أهمية زيارة المنصوري على الاتصالات المرتبطة بمجلس الأمن، بل تأتي أيضًا في سياق سعي المغرب إلى تعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في القارة الأفريقية. وخلال مشاركتها في القمة الروسية الأفريقية، تحدثت رئيسة الحكومة المغربية عن مستوى التعاون والتبادل التجاري بين الرباط وموسكو، وعن أهمية توسيع الشراكات داخل القارة.
كما سلطت الضوء على المبادرة الملكية لأفريقيا الأطلسية، التي أعلنها الملك محمد السادس في نوفمبر 2023، وتهدف إلى تعزيز الربط الاقتصادي والتجاري بين دول الساحل غير المطلة على البحر والمحيط الأطلسي، عبر الاستفادة من البنية التحتية والموانئ المغربية.
وتشمل المشاريع المرتبطة بهذه المبادرة ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يجري تطويره في الصحراء الغربية. وترى «بوبليكو» أن توظيف مشاريع البنية التحتية في الإقليم يندرج ضمن استراتيجية مغربية أوسع لتعزيز الروابط الاقتصادية مع دول الساحل، بما يمنح الرباط حضورًا إضافيًا في المعادلات الإقليمية والأفريقية.
وتبرز في القمة مفارقة سياسية أشارت إليها الصحيفة الإسبانية؛ إذ تقدم روسيا نفسها شريكًا للدول الأفريقية في مواجهة الهيمنة الغربية وما تصفه بالاستعمار الجديد، في حين يشارك المغرب، الذي تتهمه البوليساريو ومؤيدوها بمواصلة السيطرة على الصحراء الغربية، في اجتماعات القمة بصفته شريكًا أفريقيًا يسعى إلى توسيع نفوذه الاقتصادي والدبلوماسي.
وبين الاتصالات المغربية الروسية، والتحولات في مواقف عدد من الدول، والخلاف حول صياغة مشروع القرار الأممي، يدخل ملف الصحراء الغربية مرحلة جديدة من التجاذب الدبلوماسي. وسيكون موقف موسكو، إلى جانب مواقف بقية أعضاء مجلس الأمن، عاملًا مهمًا في تحديد لغة القرار المقبل وحدود ما يمكن أن يحققه من تغيير في مسار المفاوضات، من دون أن يعني ذلك حسم النزاع أو إنهاء الخلاف بشأن حق تقرير المصير والوضع النهائي للإقليم.
اقرأ أيضاً
فاطمة الزهراء المنصوري.. أول امرأة تقود حكومة المغرب ولماذا يحظى صعودها باهتمام إسرائيلي؟
دولة في الاتحاد الأوروبي تُلزم 6200 مغربي بمغادرة أراضيها وسط تشديد إجراءات الهجرة
فاطمة الزهراء المنصوري.. أول امرأة تكلّف برئاسة الحكومة في تاريخ المغرب

