وطن-لا يعني صمت أحد الزملاء خلال اجتماع العمل أنه غير مهتم أو لا يملك رأياً يستحق الاستماع. ففي كثير من الأحيان، قد يكون وراء هذا الصمت خوف من الحكم السلبي، أو رغبة في التفكير قبل التحدث، أو حسابات مهنية تدفع الموظف إلى تجنب الخلافات داخل الفريق. وقالت مجلة «بسيكولوجي» الفرنسية إن الموظف الذي لا يتحدث كثيراً في الاجتماعات قد يمتلك أفكاراً وملاحظات مهمة، مشيرة إلى أن الصمت في بيئة العمل لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره ضعفاً في الشخصية أو نقصاً في الكفاءة.
وبحسب المجلة، كشفت دراسة أجراها باحثون من كلية ستيرن للأعمال في جامعة نيويورك أن نحو 9 أشخاص من كل 10 سبق لهم أن احتفظوا بملاحظة مهمة لأنفسهم بدلاً من طرحها في العمل. وشملت الدراسة 40 مهنياً، أقرّ 85% منهم بأنهم امتنعوا في مرحلة ما عن إثارة مشكلة أمام الإدارة أو المسؤولين المباشرين. وتطرح هذه النتائج سؤالاً مهماً داخل المؤسسات: هل يصمت الموظف لأنه لا يعرف ماذا يقول، أم لأنه يعرف ما يريد قوله، لكنه لا يشعر بالأمان الكافي للتعبير عنه؟
الخوف من الحكم السلبي يدفع الموظفين إلى الصمت
أوضحت «بسيكولوجي» أن الدراسة، المنشورة عام 2003 في دورية «دراسات الإدارة»، حاولت فهم الأسباب التي تدفع الموظفين إلى حجب آرائهم وملاحظاتهم داخل بيئة العمل. ووجدت الباحثة فرانسيس ميليكن وزملاؤها أن أحد أبرز أسباب الصمت يتمثل في الخوف من أن يُنظر إلى الموظف بصورة سلبية، أو أن تتضرر علاقاته المهنية بسبب ما يقوله.
ففي كثير من المؤسسات، لا يكون طرح الملاحظات الحساسة أمراً سهلاً. إذ قد يخشى الموظف أن يُتهم بالسلبية أو بكثرة الاعتراض، أو أن يؤثر كلامه في علاقته بمديره وزملائه. لذلك يختار بعض العاملين الصمت، حتى عندما تكون لديهم ملاحظات يمكن أن تساعد الفريق على تجنب الأخطاء أو تحسين الأداء. وكشفت الدراسة، بحسب المجلة، عن نتيجة أخرى لافتة؛ إذ قال 74% من المشاركين الذين شعروا بعدم الارتياح تجاه طرح موضوع معين إن زملاءهم كانوا يعرفون المشكلة نفسها، لكنهم لم يجرؤوا أيضاً على الحديث عنها.
وهذا يعني أن الصمت قد يتحول داخل بعض المؤسسات إلى سلوك جماعي، لا إلى مجرد سمة شخصية لدى موظف بعينه. فالزميل الهادئ في الاجتماع قد لا يكون غائباً عن النقاش، بل ربما يراقب ما يحدث ويمتلك ملاحظات لا يجد البيئة المناسبة لطرحها.
كثرة الكلام لا تعني بالضرورة اجتماعات أكثر كفاءة
لا ترتبط فعالية الاجتماعات بعدد المتحدثين أو بارتفاع الأصوات داخل القاعة. فبحسب ما نقلته المجلة الفرنسية، أظهرت دراسة أجرتها الباحثة أنيتا ويليامز وولي عام 2010 أن أداء المجموعات لا يعتمد وحده على متوسط مستوى الذكاء بين أعضائها، ولا على وجود شخص شديد الذكاء داخل الفريق. وشملت الدراسة، المنشورة في مجلة «ساينس»، 699 شخصاً قُسّموا إلى مجموعات صغيرة تراوحت بين شخصين وخمسة أشخاص، وكُلّفوا بإنجاز مجموعة من المهام المختلفة.
وأظهرت النتائج أن أداء المجموعة يرتبط بعوامل اجتماعية، من بينها قدرة أعضائها على قراءة مشاعر الآخرين، ومدى التوازن في توزيع فرص الحديث والمشاركة بينهم. وبعبارة أخرى، فإن الاجتماعات التي يهيمن عليها شخصان أو ثلاثة ليست بالضرورة الأكثر إنتاجية. وقد يؤدي منح الموظفين الأكثر هدوءاً مساحة للمشاركة إلى تحسين التفكير الجماعي وتوسيع دائرة الأفكار المطروحة. وترى المجلة أن توزيع فرص الكلام بصورة أكثر عدالة يساعد على الاستفادة من الملاحظات التي قد تبقى خارج النقاش عندما تقتصر المشاركة على مجموعة صغيرة من المتحدثين الدائمين.
الهدوء قد يكون ميزة في القيادة
لا يعني التحفظ في الكلام أن صاحبه يفتقر إلى التأثير أو القدرة على القيادة. فالصورة النمطية التي تربط القائد الناجح بالانفتاح المفرط وكثرة الكلام ليست دقيقة في جميع الحالات. وأشارت «بسيكولوجي» إلى دراسة نُشرت عام 2011 في دورية «مجلة أكاديمية الإدارة»، تناولت أداء المديرين في سلسلة مطاعم للبيتزا، ووجدت أن تأثير أسلوب القيادة يختلف بحسب طبيعة الفريق.
فقد حقق المديرون الأكثر انفتاحاً نتائج أفضل عندما كانت فرقهم تميل إلى السلبية وقلة المبادرة. لكن الصورة تغيرت عندما كان الموظفون نشطين ويطرحون أفكاراً ومقترحات؛ إذ ارتبط أداء أفضل في هذه الحالة بمديرين أقل ميلاً إلى فرض حضورهم على النقاش.
وفسّر الباحثون ذلك بأن القائد الذي يميل إلى تصدر المشهد باستمرار قد يجد صعوبة أحياناً في إفساح المجال أمام مبادرات الموظفين، بينما يستطيع القائد الأكثر إنصاتاً الاستفادة من أفكار الفريق وتوظيفها بدلاً من منافستها.
وذكرت المجلة أن الباحثين توصلوا إلى نتائج متسقة في تجربة مخبرية أخرى، أُسندت خلالها إلى فرق مهمة طيّ القمصان، حيث ظهر أن أسلوب القيادة الأكثر إنصاتاً كان ملائماً عندما يتمتع أفراد الفريق بروح المبادرة والنشاط.
كيف نمنح الزميل الصامت فرصة للمشاركة؟
لا يمثل الصمت في الاجتماعات عيباً في حد ذاته، كما أنه ليس فضيلة مطلقة. فقد يكون الموظف هادئاً لأنه يحتاج إلى وقت للتفكير، أو لا يشعر بالثقة الكافية، أو يفضل التعبير كتابة، أو يتجنب الدخول في مواجهة مباشرة أمام زملائه.
لذلك، فإن وصف الزميل الصامت سريعاً بأنه غير مشارك أو غير مهتم قد يكون حكماً غير منصف، وقد يحرم الفريق من أفكار وملاحظات مفيدة. ومن بين الطرق التي تساعد على تشجيع المشاركة، منح الموظفين وقتاً للتفكير قبل طلب آرائهم، وطرح الأسئلة عليهم بصورة مباشرة من دون إحراج أو ضغط، إلى جانب إتاحة المجال لإرسال الملاحظات كتابة بعد الاجتماع.
كما يمكن للمؤسسات تحسين أجواء النقاش عبر التعامل بجدية مع الاعتراضات، وعدم معاقبة الموظفين مهنياً أو اجتماعياً لمجرد طرحهم رأياً مخالفاً، بما يعزز شعورهم بالأمان عند التعبير عن أفكارهم.
وفي بيئات العمل، لا ينبغي قياس الكفاءة بعدد المرات التي يتحدث فيها الموظف، بل بما يضيفه من أفكار وملاحظات وحلول. فقد يكون بعض أكثر أعضاء الفريق هدوءاً من الأكثر قدرة على التقاط التفاصيل وفهم المشكلات واقتراح خطوات عملية. لذلك، عندما يلتزم أحد الزملاء الصمت في الاجتماع المقبل، ربما يكون السؤال الأهم ليس لماذا لا يتحدث، بل ما إذا كانت بيئة العمل تمنحه المساحة والثقة اللازمتين كي يقول ما لديه.
اقرأ المزيد
المراهقون وحلم «الحياة السهلة».. لماذا ينجذب جيل زد إلى الثراء السريع والعمل الأقل؟
كيف تبدو أكثر مصداقية في العمل؟ عادة بسيطة تعزز حضورك وثقتك بنفسك
تتذكر ما يقوله الآخرون؟ علم النفس يكشف سرّ هذا السلوك وتأثيره في العلاقات..
علم النفس يوضح: أصحاب الصوت العالي ليسوا عدوانيين بالضرورة.. بل يشعرون بالعواطف بعمق أكبر

