وطن-قد نصادف أشخاصاً نسمع أصواتهم قبل أن نراهم؛ صديقاً يروي قصة بحماس فيرتفع صوته من دون أن ينتبه، أو زميلاً في العمل يجعل المحيطين به يلتفتون كلما بدأ الحديث. وغالباً ما يُفسَّر هذا السلوك سريعاً على أنه علامة على العدوانية أو الرغبة في السيطرة أو افتعال الخلافات، لكن علم النفس يقدم تفسيراً أكثر تعقيداً من هذه الأحكام المتسرعة.
وقالت مجلة «أوفيمينا» الفرنسية، في تقرير نُشر في أكتوبر 2026، إن التحدث بصوت مرتفع لا يعني بالضرورة أن صاحبه يريد إيذاء الآخرين أو ترهيبهم، إذ قد يعكس أحياناً شدة الانفعال الذي يعيشه الشخص في تلك اللحظة. فالحماس والفرح والخوف والغضب كلها مشاعر يمكن أن تؤثر في نبرة الصوت وسرعة الكلام وحركة الجسد. لكن ارتفاع الصوت وحده لا يكشف نية المتحدث أو طبيعة شخصيته. فالفارق بين التعبير الانفعالي والعدوانية اللفظية يتضح من خلال الكلمات المستخدمة، والسياق الذي يجري فيه الحوار، ومدى تكرار السلوك، وتأثيره في الطرف الآخر.
الصوت العالي ليس دائماً علامة على العدوانية
لا ينقل الإنسان الكلمات وحدها عندما يتحدث؛ فالصوت يحمل إشارات متعددة، من بينها شدته وطبقته وإيقاعه وسرعته وفترات الصمت التي تتخلل الكلام. وقد تتغير هذه العناصر مع ارتفاع مستوى الانفعال، سواء كان ناتجاً عن الحماس أو الخوف أو الغضب أو التوتر. ووفقاً لما أوردته مجلة «أوفيمينا»، قد يتحدث بعض الأشخاص بصوت أعلى عندما يشعرون بالحماس أو يحاولون مشاركة الآخرين تجربة مؤثرة، من دون أن تكون لديهم نية للهيمنة على الحوار. وقد يترافق ذلك مع إيماءات واسعة وتعبيرات وجه واضحة وسرعة في الكلام.
كما يمكن أن تتأثر شدة الصوت بالبيئة التي نشأ فيها الشخص؛ فمن اعتاد العيش في أسرة يتحدث أفرادها بصوت مرتفع قد يستمر في استخدام النبرة نفسها من دون أن يدرك أنها تبدو مرتفعة للآخرين. وقد تؤثر أيضاً طبيعة الشخصية والعادات الاجتماعية في أسلوب التعبير. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن كل من يتحدث بصوت عالٍ أكثر حساسية عاطفية من غيره، أو أن ارتفاع صوته يعكس دائماً مشاعر قوية. فهناك أسباب مختلفة لهذا السلوك، ولا تكفي نبرة الصوت وحدها لتحديدها.
أين ينتهي الغضب وتبدأ العدوانية اللفظية؟
يقدم علم النفس تمييزاً مهماً بين الغضب والعدوان. فبحسب الجمعية الأمريكية لعلم النفس، الغضب عاطفة قد تتراوح شدتها من الانزعاج البسيط إلى الغضب الشديد، أما العدوان فيشير إلى سلوك يستهدف إلحاق الأذى بشخص أو بشيء. وبالتالي، قد يشعر الإنسان بالغضب من دون أن يتصرف بطريقة عدوانية، كما يمكن أن يرفع صوته أثناء الدفاع عن رأيه أو التعبير عن استيائه، من دون أن يسعى بالضرورة إلى إهانة الطرف الآخر أو تخويفه.
لكن ارتفاع الصوت قد يتحول إلى وسيلة للضغط أو الترهيب عندما يقترن بإهانات أو تهديدات أو تحقير متكرر، أو عندما يستخدمه الشخص لمقاطعة الآخرين ومنعهم من التعبير عن آرائهم. ولهذا، لا يكفي الاستماع إلى مستوى الصوت وحده للحكم على السلوك. بل ينبغي الانتباه إلى طبيعة الكلمات، وطريقة توجيهها، وتكرار التصرف، ومدى احترام المتحدث للحدود الشخصية للطرف الآخر.
وقد يقع الناس في خطأين متعاكسين: اعتبار كل صوت مرتفع دليلاً على العدوانية، أو تجاهل الإيذاء اللفظي لمجرد أن الشخص يتحدث بهدوء. فالكلمات المهينة والتهديدات قد تكون مؤذية حتى عندما تُقال بنبرة منخفضة.
لماذا يرفع بعض الأشخاص أصواتهم من دون أن ينتبهوا؟
قد يرتفع الصوت تلقائياً في مواقف معينة، خصوصاً عندما يتحمس الشخص أو يشعر بأنه غير مسموع أو يحاول إيصال فكرته وسط الضجيج. وقد تؤدي مشاعر الظلم والتوتر والتعب إلى زيادة حدة النبرة أو تسريع الكلام. وفي بعض الأحيان، لا يدرك الشخص مقدار ارتفاع صوته إلا عندما يلفت أحد المحيطين به انتباهه إلى ذلك. وقد يكون هذا الأسلوب جزءاً من عاداته اليومية أو من طريقة التواصل التي اعتادها في محيطه العائلي والاجتماعي.
وترى «أوفيمينا» أن ملاحظة الظروف التي يتغير فيها الصوت يمكن أن تساعد الشخص على فهم سلوكه. فقد يلاحظ مثلاً أنه يتحدث بصوت أعلى عندما يناقش موضوعاً حساساً، أو عندما يشعر بأن الآخرين لا يستمعون إليه، أو عندما يكون متحمساً لرواية تجربة معينة. وتبدأ معالجة المشكلة بتحديد هذه المواقف، ثم تجربة وسائل بسيطة لتعديل النبرة، مثل إبطاء الكلام قليلاً، وأخذ وقفات قصيرة للتنفس، والاقتراب من المحاور بدلاً من رفع الصوت لإيصال الرسالة.
ويمكن أيضاً أن يسأل الشخص من حوله بهدوء عما إذا كان يتحدث بصوت مرتفع، فالتنبيه المباشر والمحترم يساعد على تحسين التواصل من دون تحويل الأمر إلى انتقاد لشخصيته.
كيف نتعامل مع الأشخاص الذين يتحدثون بصوت مرتفع؟
قد يشعر بعض الناس بالتوتر أو الانزعاج عند سماع الأصوات العالية، حتى عندما لا تكون موجهة إليهم. وقد يرتبط ذلك بحساسيتهم تجاه الضجيج أو بتجارب سابقة جعلت ارتفاع النبرة يثير لديهم شعوراً بعدم الارتياح. وفي هذه الحالة، من المهم التمييز بين نية المتحدث وتأثير صوته في الآخرين. فحتى إذا لم يكن يقصد الإساءة، فإن من حق المحيطين به التعبير عن انزعاجهم وطلب تعديل طريقة الحديث.
ويمكن استخدام عبارات واضحة وهادئة، مثل: «عندما يرتفع الصوت أشعر بالتوتر، هل يمكن أن نتحدث بهدوء؟» أو «أستطيع أن أتابع حديثك بشكل أفضل عندما تخفض صوتك قليلاً». وتساعد هذه الطريقة على التعبير عن الحاجة الشخصية من دون توجيه اتهام مباشر أو افتراض سوء النية. كما تمنح الطرف الآخر فرصة لملاحظة سلوكه وتعديله. لكن الوضع يختلف عندما يكون ارتفاع الصوت مصحوباً بإهانات متكررة أو تهديدات أو ترهيب أو سلوك يجعل الطرف الآخر يشعر بالخوف. هنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في أسلوب التواصل، وقد يكون من الضروري وضع حدود واضحة أو الابتعاد عن الموقف أو طلب المساندة.
كيف نميز بين الحماس والإيذاء اللفظي؟
يمكن أن تساعد بعض المؤشرات على فهم الموقف بصورة أفضل، من دون اعتبار أي منها دليلاً قاطعاً بمفرده. فإذا كان الشخص يرفع صوته عند الحماس أو رواية القصص، ويظل حديثه محترماً، ويستجيب عندما يطلب منه الآخرون خفض نبرته، فقد يكون الأمر أقرب إلى أسلوب تعبير مرتفع الصوت.
أما إذا كان يستخدم النبرة العالية باستمرار لمقاطعة الآخرين، أو يرافق كلامه الإذلال والتهديد، أو يرفض احترام حدود من أمامه، فإن النظر إلى هذا السلوك باعتباره مجرد حماس قد يؤدي إلى تجاهل الأذى الذي يسببه. وتبقى الاستجابة لطلب خفض الصوت مؤشراً مفيداً لفهم طبيعة التفاعل، لكنها ليست اختباراً نهائياً للنية أو الشخصية. فالحكم الأدق يحتاج إلى النظر في مجمل السلوك، لا إلى إشارة منفردة.
الصوت العالي لا يكشف الشخصية وحده
توضح هذه التفسيرات أن ارتفاع الصوت قد ينتج عن الانفعال أو العادات الاجتماعية أو ظروف الحوار، ولا يشكل بمفرده دليلاً على العدوانية أو الرغبة في السيطرة. وفي المقابل، لا ينبغي أن يؤدي هذا الفهم إلى تبرير الإهانات أو التهديدات أو التقليل من شأن الآخرين. فالمعيار الأهم هو طبيعة السلوك والكلمات المستخدمة، واحترام الحدود، والأثر الذي يتركه الحوار في الطرف الآخر.
لذلك، فإن فهم الأشخاص الذين يتحدثون بصوت مرتفع يتطلب الابتعاد عن الأحكام السريعة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحق في طلب تواصل أكثر هدوءاً واحتراماً. فالصوت القوي قد يكون مجرد طريقة في التعبير، وقد يتحول في سياقات أخرى إلى أداة للإيذاء؛ والفارق لا يحدده مستوى الصوت وحده، بل المشهد الكامل الذي يحدث فيه الحوار.
اقرأ المزيد
«خرافة الانغلاق والرفض».. كيف يخدعك تفسير لغة الجسد في الاجتماعات والمحادثات؟
المشي واليدان خلف الظهر.. ماذا تكشف هذه الوضعية عن الشخصية وفق علم النفس؟
ليس غضباً ولا عدوانية.. علم النفس يكشف السر الحقيقي وراء الأشخاص الذين يتحدثون بصوت عالٍ
7 عبارات ذكية للتعامل مع الشخص العدواني السلبي.. هكذا تنزع فتيل التوتر بهدوء

