وطن-قد لا ترتبط أجمل مراحل الحياة بعمر معين، أو نجاح مهني كبير، أو امتلاك المال والصحة، بل بتغيير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه والعالم من حوله. هذا ما يطرحه عالم النفس الإسباني رافاييل سانتاندرو، الذي يرى أن التحول نحو حياة أكثر سعادة يبدأ عندما يقلّ التذمر، ويزداد تقدير التفاصيل اليومية البسيطة.
وبحسب مجلة «بسيكولوجي» الفرنسية، أوضح سانتاندرو، المتخصص في الصحة النفسية والرفاه، في مقطع نشره عبر حسابه على إنستغرام، أن الإنسان قد يبدأ أفضل مراحل حياته عندما يتعلم التفكير بطريقة مختلفة، ويتوقف عن الشكوى المستمرة، ويصبح أكثر قدرة على ملاحظة الجوانب الجميلة في حياته. ولا يعني هذا التصور أن المشكلات تختفي أو أن الظروف الصعبة تفقد تأثيرها، بل إن تغيير طريقة التعامل معها قد يساعد على بناء علاقة أكثر توازناً مع الحياة.
السعادة لا تبدأ دائماً من الخارج
يرى سانتاندرو أن السعادة لا تحتاج بالضرورة إلى إنجاز استثنائي أو تغيير جذري في الظروف المعيشية، بل يمكن أن تبدأ من طريقة تعامل الإنسان مع اللحظات العادية التي يعيشها كل يوم. فبدلاً من تأجيل الشعور بالرضا إلى حين تحقيق هدف معين، أو امتلاك ما ينقصه، يمكن للإنسان أن يتعلم تقدير ما هو متاح أمامه بالفعل، من لحظات الهدوء إلى العلاقات الإنسانية والتفاصيل الصغيرة التي قد تمر دون انتباه.
ويقوم هذا التصور على تقليل التذمر المتكرر، وتوجيه الانتباه نحو الجوانب الإيجابية في الحياة، من دون إنكار المشكلات أو التقليل من المعاناة الحقيقية. ومن هذا المنطلق، لا تتمثل العلامة التي قد تشير إلى دخول مرحلة أكثر إشباعاً في بلوغ سن محدد، وإنما في القدرة على التعامل مع التجارب اليومية بقدر أكبر من الوعي والامتنان.
قوة اللحظة الحاضرة في الشعور بالسعادة
يتقاطع هذا الطرح مع أفكار اليقظة الذهنية التي تشجع على الانتباه إلى اللحظة الراهنة بدلاً من الانشغال المستمر بالماضي أو القلق بشأن المستقبل. ومن أبرز من تناولوا هذا المفهوم الراهب البوذي الفيتنامي ثيش نهات هانه، في كتابه «معجزة اليقظة الذهنية»، الصادر عام 1975، حيث ركز على أهمية الانتباه إلى الأنشطة اليومية البسيطة، مثل التنفس والأكل والمشي، باعتبارها فرصاً لاستعادة الحضور الذهني.
وتكمن أهمية هذه الفكرة في أن الإنسان قد ينشغل كثيراً بالاستعداد للحياة أو التخطيط لما يريد تحقيقه، إلى درجة أنه لا ينتبه إلى ما يعيشه في اللحظة الحالية. فقد يكون الاستمتاع بنزهة قصيرة، أو الحديث مع شخص عزيز، أو ملاحظة ضوء الشمس في الصباح، مصدراً للراحة والرضا، إذا منح الإنسان هذه اللحظات ما تستحقه من انتباه. ولا تعني ممارسة اليقظة الذهنية تجاهل المسؤوليات أو التوقف عن السعي إلى تحسين الظروف، بل محاولة تحقيق التوازن بين التخطيط للمستقبل والاستمتاع بالحاضر.
هل يكفي الامتنان لتحقيق السعادة؟
على الرغم من أهمية النظرة الإيجابية والوعي باللحظة الراهنة، فإن السعادة لا تعتمد على طريقة التفكير وحدها. فالعلاقات الإنسانية تؤدي دوراً أساسياً في الصحة النفسية والشعور بالانتماء والقدرة على مواجهة الضغوط. وفي هذا السياق، تبرز دراسة هارفارد لتطور البالغين، وهي من أطول الدراسات الطولية التي تناولت حياة الإنسان، إذ تابعت المشاركين على مدى عقود لفهم العوامل المرتبطة بالصحة والرضا عن الحياة.
وأظهرت نتائج الدراسة أن العلاقات الإنسانية الجيدة والروابط الاجتماعية الداعمة ترتبطان بمستويات أفضل من الرفاه، كما تساعدان الأشخاص على التعامل مع الضغوط والتحديات.
وأوضح روبرت والدينغر، مدير الدراسة، في حديث ضمن منصة «تيد إكس»، أهمية العلاقات القريبة في توفير الدعم النفسي، مشيراً إلى أن العزلة قد تجعل التعامل مع التوتر أكثر صعوبة، في حين يمكن للعلاقات الموثوقة أن تساعد الإنسان على تجاوز الأوقات العصيبة. وهذا يعني أن تقدير اللحظة الراهنة لا ينفصل عن وجود أشخاص يمنحون الحياة معنى، سواء كانوا من أفراد العائلة أو الأصدقاء أو غيرهم من الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقات داعمة.
العلامة التي قد تعني أنك تدخل مرحلة أكثر سعادة
تجمع هذه الأفكار بين جانبين أساسيين: تغيير العلاقة مع الذات والحياة اليومية، وبناء روابط إنسانية تمنح الإنسان الدعم والشعور بالأمان. وقد تظهر بداية هذا التحول عندما يصبح الشخص أقل انشغالاً بمقارنة حياته بحياة الآخرين، وأكثر قدرة على تقدير ما يملكه، وأقل ميلاً إلى تأجيل سعادته إلى أجل غير محدد.
لكن الامتنان لا يعني إجبار النفس على الإيجابية طوال الوقت، كما أن الشعور بالحزن أو القلق لا يدل بالضرورة على الفشل في عيش الحياة بصورة صحيحة. فالمشاعر الصعبة جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، وقد يحتاج التعامل معها إلى دعم اجتماعي أو مساعدة متخصصة عندما تصبح مستمرة أو مؤثرة في الحياة اليومية.
في النهاية، لا توجد مرحلة عمرية واحدة تضمن السعادة للجميع، ولا توجد علامة منفردة تثبت أن الإنسان بلغ ذروة رضاه عن الحياة. لكن زيادة الوعي بالتفاصيل اليومية، وتقدير اللحظات البسيطة، والاستثمار في العلاقات الإنسانية الجيدة، قد تكون مؤشرات على بناء حياة أكثر توازناً وإشباعاً.
اقرأ المزيد
علم النفس يوضح: أصحاب الصوت العالي ليسوا عدوانيين بالضرورة.. بل يشعرون بالعواطف بعمق أكبر
خفض النظر أثناء الحديث ليس خجلاً دائماً.. ماذا يحدث في الدماغ عندما نتجنب التواصل البصري؟
لا تقضِ يومك في النوم والاسترخاء! 3 أمور يحرص عليها أسعد المتقاعدين لعيش حياة مفعمة بالشغف

