وطن-في ملف قانوني جديد يسلّط الضوء على سوق العقارات الإسرائيلية في الخارج، طالب عدد من الكنديين مكتب المنافسة في كندا بفتح تحقيق مع أربع شركات عقارية إسرائيلية وشركة تسويق كندية، على خلفية اتهامات بالترويج المضلل لعقارات تقع في مستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، باعتبارها عقارات داخل إسرائيل.
وقالت صحيفة ميدل إيست آي إن الشكوى، التي اطلعت عليها، قُدمت في أوتاوا يوم الأربعاء، وتستند إلى مزاعم بأن شركات عقارية عرضت على مشترين كنديين وحدات سكنية في مناطق يُفترض أن تكون جزءاً من دولة فلسطينية مستقبلية، من دون توضيح أن تلك المشاريع تقع خارج الحدود المعترف بها دولياً لإسرائيل.
وبحسب الصحيفة، فإن الشكوى قدّمها مركز غلوبال إيكو للتقاضي، وهو مركز تأسس عام 2018 بهدف ملاحقة “الجهات الاقتصادية المتواطئة في انتهاكات حقوق الفلسطينيين” عبر دعاوى استراتيجية أمام محاكم حول العالم، وذلك بالتعاون مع منظمة محامون كنديون من أجل حقوق الإنسان الدولية.
وتحمل الشكوى، المؤلفة من 127 صفحة، توقيع ستة مشتكين وُصفوا بأنهم من الفلسطينيين واليهود، غير أنهم اختاروا عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب لم تُفصل كاملة، وفق ما نقلته ميدل إيست آي.
تسويق عقارات في الضفة والقدس الشرقية داخل كندا
وركزت الشكوى على فعاليات عقارية إسرائيلية نُظمت في مدينتي مونتريال وتورنتو بين مارس/آذار 2024 ومايو/أيار 2026، حيث عُرضت خلالها مشاريع سكنية للبيع أمام جمهور كندي. وتقول الشكوى إن “الانطباع العام” الذي قد يتشكل لدى المستهلك الكندي العادي، خصوصاً غير الخبير، هو أن العقارات المعروضة تقع داخل إسرائيل.
لكن الوثيقة القانونية تؤكد، بحسب ما أوردته ميدل إيست آي، أن الشركات المعنية سوّقت مشاريع عقارية تقع داخل إسرائيل وأخرى في مستوطنات إسرائيلية مقامة خارج حدود إسرائيل المعترف بها دولياً، بما في ذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وتشمل الشركات الإسرائيلية المذكورة في الشكوى: تيفوخ شيلي، ونوعام هومز، وميني غروب، وإيفي كابيتال. كما أشارت الشكوى إلى أن شركة إيفي كابيتال تعمل بشكل منتظم مع شركة تسويق كندية تُعرف باسم كوهين غروب.
وترى الشكوى أن العروض المقدمة للجمهور الكندي تضمنت بيانات “زائفة ومضللة مادياً”، وأنها استُخدمت للترويج لمصالح تجارية، ما قد يجعلها قابلة للمراجعة والتحقيق بموجب المادة 74.01(1)(a) من قانون المنافسة الكندي.
“ليست مجرد مشكلة في توصيف منتج”
وقالت إميلي شيفر أومر-مان، المديرة التنفيذية لمركز غلوبال إيكو، لصحيفة ميدل إيست آي إن الهدف المباشر من التحرك هو حماية المستهلكين الكنديين، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن القضية تتجاوز بكثير مسألة “وصف خاطئ” لسلعة أو منتج.
وأضافت أن آليات الشكوى قد تُستخدم عادة في حالات بسيطة، مثل منتج يُسوَّق على أنه خالٍ من السكر بينما يحتوي على نسبة منه، “لكن هذه القضية مختلفة تماماً”، بحسب تعبيرها.
وأوضحت أن الفرق هنا يتعلق بشراء عقار داخل إسرائيل أو شراء عقار في منطقة واقعة تحت احتلال غير قانوني ونزاع مسلح دولي، معتبرة أن المستهلكين الكنديين قد يجدون أنفسهم، من حيث لا يعلمون، في وضع يمكن أن يثير أسئلة حول التواطؤ في جرائم حرب.
كندا اعترفت بدولة فلسطينية.. لكنها لم تقيد بيع عقارات المستوطنات
وتشير الشكوى إلى مفارقة سياسية وقانونية لافتة، إذ إن كندا، إلى جانب بريطانيا وفرنسا، اعترفت قبل أكثر من عام بدولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية وقطاع غزة. وتعتبر الأمم المتحدة هذه الأراضي خاضعة للاحتلال العسكري الإسرائيلي منذ عام 1967.
وقالت ميدل إيست آي إن الحكومة الكندية كانت قد صرحت الشهر الماضي بأن إسرائيل “تقوض إمكانية حل الدولتين”، في ظل مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات.
ورغم ذلك، بحسب الشكوى، لم تتخذ أوتاوا خطوات عملية لتقييد بيع الأراضي والعقارات الإسرائيلية الواقعة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي خلق فجوة بين الموقف الرسمي الكندي في السياسة الخارجية وبين الإجراءات المتخذة على أرض الواقع.
وتبرز في الشكوى أمثلة عدة على عقارات تديرها أو تسوقها شركات إسرائيلية للمشترين في كندا، من بينها مبنى سكني فاخر يُعرف باسم أدوميم تاورز، يقع في مستوطنة معاليه أدوميم المقامة في الضفة الغربية المحتلة، على بعد نحو سبعة كيلومترات شرق القدس.
مشروع “E1” ومخاطر قطع التواصل الفلسطيني
وتكتسب معاليه أدوميم حساسية خاصة لأنها تقع على تخوم مشروع الاستيطان الإسرائيلي المعروف باسم E1، وهو مشروع تقول جهات دولية وحقوقية إنه سيؤدي فعلياً إلى فصل القدس الشرقية المحتلة عن أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بما يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
وبحسب ما نقلته ميدل إيست آي، فإن تنفيذ مشروع E1 سيجعل التواصل الجغرافي الفلسطيني أكثر تعقيداً، على نحو يشبه العزلة المفروضة على قطاع غزة عن الضفة الغربية.
وكان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قد وصف في أغسطس/آب قرار الحكومة الإسرائيلية نشر مناقصات بناء لمشروع E1 بأنه “غير مقبول”، محذراً الشركات من التقدم لهذه المناقصات، ومشدداً على أنها يجب أن تدرك “العواقب القانونية والسمعية”، بما في ذلك خطر التورط في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل أرجأت لاحقاً مناقصة البناء، لتجنب استخدامها في الحملات الانتخابية قبل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول.
أما مشروع أدوميم تاورز، فتصفه المواد الترويجية بأنه يقدم “إطلالات بانورامية مذهلة على القدس”، وأنه مبني باستخدام “تقنيات خضراء” تراعي البيئة. غير أن الشكوى تلفت إلى أن المشكلة ليست في فخامة المشروع أو تفاصيله المعمارية، بل في موقعه القانوني والسياسي داخل أرض محتلة.
اتهامات بفرز الحضور واستبعاد الفلسطينيين
وقالت إميلي شيفر أومر-مان لصحيفة ميدل إيست آي إن العديد من هذه الفعاليات العقارية لا تكون مفتوحة أمام كل من يستطيع الشراء، بل يجري فحص الحاضرين مسبقاً عبر أسئلة من قبيل: “أي كنيس ترتاد؟” أو “ما اسم الحاخام الخاص بك؟”.
وأضافت أن منظمي الفعاليات يبررون ذلك باعتبارات أمنية، غير أنها قالت إن التحقيقات التي أجراها مركز غلوبال إيكو تشير إلى أن هذا الفرز يؤدي في الغالب إلى استبعاد غير اليهود، وبصورة خاصة الفلسطينيين.
ويمنح هذا الجانب من الشكوى بعداً إضافياً، إذ لا يتعلق الأمر فقط بمعلومات عقارية مضللة، بل أيضاً بإمكانية وجود ممارسات تمييزية في تسويق العقارات، وفق ما تفيد به الوثيقة القانونية.
باسل عدرا: القانون الدولي واضح
ونقلت ميدل إيست آي عن المحامي والمخرج الفلسطيني باسل عدرا، الحائز على جائزة الأوسكار عام 2025 عن فيلمه الوثائقي No Other Land، قوله إن آفاق الدولة الفلسطينية تبدو أكثر قتامة يوماً بعد آخر، لكن تطبيق القانون الدولي من جانب القوى الغربية يمكن أن يغير المسار.
ويشغل عدرا حالياً منصب رئيس المشاركة المجتمعية في مركز غلوبال إيكو للتقاضي. وقال للصحيفة إن الحديث المتكرر عن موت حل الدولتين أو غياب الحل يتجاهل أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب التصورات، بل في عدم رغبة صناع القرار في فرض حل عادل.
وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية نجحت في تغيير الوقائع على الأرض وجعل الحلول أكثر صعوبة، لكنه يرى أن كندا والولايات المتحدة وأوروبا تمتلك أدوات ضغط حقيقية، من بينها العقوبات، لفرض احترام القانون الدولي.
تصعيد في الضفة الغربية بعد 7 أكتوبر
وتربط الشكوى بين تسويق العقارات في المستوطنات وبين التصعيد الميداني الواسع في الضفة الغربية المحتلة منذ هجمات حركة حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاها من حرب إسرائيلية مدمرة على غزة، وصفتها الصحيفة بأنها إبادة جماعية.
وقالت ميدل إيست آي إن الضفة الغربية لم تكن بمنأى عن الحملة العسكرية الإسرائيلية، إذ قُتل أكثر من 1200 فلسطيني هناك منذ ذلك الحين، وفق أرقام منظمة أوكسفام الدولية.
وبحسب أوكسفام، فإن هذا العدد يفوق حصيلة الفلسطينيين الذين قُتلوا في الضفة الغربية على مدى السنوات السبع عشرة السابقة كاملة. كما نزح نحو 46 ألف فلسطيني جراء المداهمات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء، قبل هدم كثير من المنازل.
وتشير الصحيفة إلى أن هجمات المستوطنين الإسرائيليين على المزارعين الفلسطينيين وكبار السن ونشطاء التضامن والصحفيين تصاعدت بشكل كبير، ووُثق عدد كبير منها بمقاطع فيديو.
وفي يوليو/تموز 2025، قُتل عودة الهذالين، زميل باسل عدرا في فيلم No Other Land وصديقه المقرب، برصاص مستوطن إسرائيلي. كما تعرضت المصورة الصحفية في صحيفة واشنطن بوست، هايدي ليفين، الأسبوع الماضي، للركل مراراً من مستوطنين، ما أدى إلى كسر عظامها، وفق ما أوردته ميدل إيست آي.
“إذا لم يتوفر المال، لا يستطيعون الاستمرار”
وقال باسل عدرا للصحيفة إن المستوطنين يسعون إلى “سرقة المزيد والمزيد من الأراضي” كلما أتيحت لهم الفرصة، مشيراً إلى إنشاء مئات البؤر الاستيطانية غير القانونية واستمرار البناء من دون توقف.
وأضاف أن بعض المستوطنين يستخدمون خطاباً دينياً من نوع “الله أعطانا الأرض”، لكنه شدد على أن استمرار المشروع الاستيطاني يحتاج إلى المال، وأن وقف التمويل أو تضييق مسارات الاستثمار يمكن أن يحد من توسعه.
ومن بين المشتكين في الملف فلسطيني كندي رفض الكشف عن اسمه خشية أن تمنعه إسرائيل من زيارة الضفة الغربية المحتلة. وقال لصحيفة ميدل إيست آي إنه لا يثق في أن المؤسسات الكندية ستتحرك من تلقاء نفسها لترجمة اعترافها بالدولة الفلسطينية إلى سياسات عملية.
واعتبر المشتكي أن الموقف الكندي قد يكون “انتهازياً” إلى حد ما، في ظل تغير الرأي العام العالمي تجاه إسرائيل، بحسب استطلاعات الرأي، لكنه أضاف أن التحركات الصغيرة من المجتمع المدني والقانونيين يمكن أن تمنح هذا الموقف “أقداماً” وتحوله إلى إجراءات ملموسة.
وتضع الشكوى الجديدة الحكومة الكندية ومكتب المنافسة أمام اختبار قانوني وسياسي حساس: هل يُعامل تسويق عقارات المستوطنات باعتباره مجرد إعلان تجاري قابل للتصحيح، أم باعتباره جزءاً من شبكة اقتصادية أوسع ترتبط بالاحتلال والاستيطان وانتهاكات القانون الدولي؟
اقرأ المزيد
من الركام إلى المستوطنات.. القوارض تحوّل حياة سكان غلاف غزة إلى جحيم
كالاس تدعو أوروبا لحظر تجارة المستوطنات الإسرائيلية.. «تعاملوا معها كما تعاملتم مع القرم»
عقوبات بريطانيا على المستوطنات الإسرائيلية.. ما الجهات والأنشطة التي تستهدفها؟
المجلس الأوروبي يحذّر الشركات من مشروع E1 الاستيطاني.. مخاطر قانونية واقتصادية تهدد المتورطين

