وطن-منح البرلمان الأوروبي، الخميس 22 أكتوبر 2026، جائزة ساخاروف لحرية الفكر إلى المحكمة الجنائية الدولية ومسؤوليها، في خطوة تحمل دلالات سياسية وقانونية، تأتي بعد أيام من فرض الولايات المتحدة عقوبات على المحكمة، في إطار تصعيد إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد الهيئة القضائية التي تتخذ من لاهاي مقراً لها.
وجاء القرار تقديراً لدور المحكمة في الدفاع عن القانون الدولي وملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم، فيما تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب ملفات تتصل بإسرائيل وفلسطين وأوكرانيا وغيرها من القضايا الدولية.
وقالت وكالة الأنباء الإسبانية «إفي» إن المحكمة حصلت على أغلبية الأصوات في الاختيار النهائي، بعد منافسة مع زعيم المعارضة التنزانية توندو ليسو والتوأمتين الإيرانيتين ترانه ورومينا رحيمي. وأكدت وكالتا رويترز وأسوشيتد برس فوز المحكمة بالجائزة، التي تُعد أبرز تكريم يمنحه الاتحاد الأوروبي للمدافعين عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
جائزة في توقيت حساس للمحكمة
يأتي منح الجائزة في وقت تواجه فيه المحكمة الجنائية الدولية ضغوطاً أمريكية متصاعدة. ففي 9 أكتوبر الجاري، أعلنت واشنطن فرض عقوبات على المحكمة بوصفها مؤسسة، بعد سلسلة إجراءات استهدفت قضاة ومدعين ومسؤولين فيها.
وتؤثر هذه الإجراءات في قدرة المحكمة على التعامل مع المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا الأمريكية، كما تفرض قيوداً على الجهات الأمريكية التي تتعامل معها. وترى المحكمة أن العقوبات تستهدف استقلالها القضائي وتهدد قدرتها على أداء مهامها، بينما تقول إدارة ترامب إنها تعارض تحركات المحكمة التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها.
وفي هذا السياق، اكتسبت الجائزة أهمية تتجاوز طابعها التكريمي، إذ تمثل إشارة أوروبية إلى دعم المؤسسات القضائية الدولية في مواجهة الضغوط السياسية. وقالت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا إن الجائزة تعكس تمسك الاتحاد الأوروبي بالتعددية والمؤسسات الدولية واحترام القانون والعدالة.
ورحبت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني بالتكريم، معتبرة أنه يأتي في وقت تواجه فيه المحكمة ومسؤولوها تحديات غير مسبوقة، ويؤكد أهمية استقلال المؤسسات القضائية الدولية والعاملين على تطبيق القانون.
منافسة مع معارض تنزاني وتوأمتين إيرانيتين
وصلت المحكمة الجنائية الدولية إلى المرحلة النهائية من المنافسة بعد ترشيحها من جانب المجموعة الاشتراكية الديمقراطية في البرلمان الأوروبي. وضمت القائمة النهائية أيضاً توندو ليسو، زعيم المعارضة التنزانية المسجون، والتوأمتين الإيرانيتين ترانه ورومينا رحيمي، اللتين تواجهان أحكاماً بالسجن على خلفية مشاركتهما في احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية.
وكان ليسو يحظى بدعم الحزب الشعبي الأوروبي ومجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، بينما دعمت المجموعة الاشتراكية الديمقراطية ترشيح المحكمة الجنائية الدولية. ووفق تقارير إعلامية، حظيت المحكمة بتأييد الاشتراكيين والليبراليين والخضر واليسار في عملية الاختيار النهائية.
ويعكس التنافس تباين أولويات المجموعات السياسية داخل البرلمان الأوروبي، بين الدفاع عن المعارضين السياسيين الذين يواجهون الاعتقال والملاحقة، ودعم مؤسسة قضائية دولية تتعرض لضغوط بسبب تحقيقاتها وقراراتها.
من أوامر الاعتقال إلى العقوبات الأمريكية
تأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي الذي أُقر عام 1998، لتكون محكمة دائمة تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، وفق شروط اختصاصها.
وتعمل المحكمة وفق مبدأ التكامل مع القضاء الوطني؛ فهي لا تحل محل المحاكم المحلية تلقائياً، بل تتدخل عندما تتوافر شروط اختصاصها وتكون الدولة المعنية غير راغبة في إجراء تحقيق أو محاكمة حقيقية، أو غير قادرة على ذلك.
وخلال السنوات الأخيرة، دخلت المحكمة في ملفات ذات حساسية سياسية كبيرة. ففي مارس 2023، أصدرت مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خلفية اتهامات تتعلق بالترحيل غير القانوني ونقل أطفال من أوكرانيا إلى روسيا، وهي اتهامات ينفيها الجانب الروسي.
وفي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وتؤكد هذه المذكرات وجود اتهامات تستوجب المثول أمام القضاء، لكنها لا تمثل حكماً نهائياً بالإدانة.
وأثارت إجراءات المحكمة اعتراضات حادة من إسرائيل والولايات المتحدة، فيما دافع مؤيدوها عن استقلالها وحقها في التحقيق في الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها، بصرف النظر عن هوية المتهمين أو مواقعهم السياسية.
عقوبات تضغط على عمل المحكمة
لا تقتصر آثار العقوبات الأمريكية على الرسائل السياسية، بل تشمل قيوداً عملية على تعامل المحكمة مع جهات مالية وتقنية أمريكية. وقد تؤدي هذه القيود إلى تعقيد بعض العمليات الإدارية والتشغيلية، في وقت تعتمد فيه المؤسسات الدولية على شبكات مالية وتقنية متعددة لتنفيذ مهامها.
وأعلنت المحكمة رفضها للعقوبات، معتبرة أنها محاولة لعرقلة عمل مؤسسة مستقلة أُنشئت بموجب معاهدة دولية، وتؤدي مهامها بتفويض من الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي. كما حذرت جهات مرتبطة بالدول الأطراف في النظام من أن استهداف القضاة والمدعين والعاملين قد يضعف جهود المساءلة الدولية.
وتضم المحكمة 125 دولة طرفاً في نظام روما الأساسي. إلا أن اختصاصها ليس عالمياً بصورة مطلقة؛ إذ يرتبط بالأسس القانونية المحددة في النظام، ومنها صفة الدولة المعنية ومكان وقوع الجرائم، أو إحالة مجلس الأمن الدولي، وغيرها من الشروط المنصوص عليها.
جائزة ساخاروف ورسالة الدفاع عن حرية الفكر
يمنح البرلمان الأوروبي جائزة ساخاروف لحرية الفكر سنوياً منذ عام 1988، تكريماً للأفراد والمنظمات التي تقدم إسهامات بارزة في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وتحمل الجائزة اسم الفيزيائي السوفيتي والمعارض السياسي أندريه ساخاروف، وتبلغ قيمتها 50 ألف يورو.
ومن بين أبرز الحاصلين عليها في السنوات السابقة نيلسون مانديلا وملالا يوسفزاي وعدد من المدافعين عن الحقوق والحريات في مناطق مختلفة من العالم.
ويأتي تكريم المحكمة الجنائية الدولية بعد أقل من أسبوعين من فوز القاضية الجنوب أفريقية السابقة في المحكمة نافانيثيم «نافي» بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، في 9 أكتوبر، تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. ويمنح تقارب التكريمَين المؤسساتِ المعنية بالعدالة الدولية حضوراً بارزاً في النقاش العالمي حول استقلال القانون عن الضغوط السياسية.
ومن المقرر أن تُسلّم جائزة ساخاروف في احتفال رسمي خلال الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ يوم 16 ديسمبر المقبل. ومن شأن هذا التكريم أن يعزز الرسالة الأوروبية الداعمة للمحكمة، لكنه لن يزيل بمفرده العقوبات الأمريكية أو يضع حداً للخلافات السياسية حول اختصاصها وقراراتها.
وبين الدعم الأوروبي والضغوط الأمريكية، تجد المحكمة الجنائية الدولية نفسها في قلب نقاش يتجاوز ملفات القضايا الفردية، ليمتد إلى مستقبل العدالة الدولية وقدرة المؤسسات القضائية على تطبيق قواعد القانون على نحو مستقل في مواجهة مصالح القوى الكبرى.
اقرأ المزيد
قرار فيدرالي يحمي منظمات حقوقية من الملاحقة بسبب أنشطتها المرتبطة بفلسطين والجنائية الدولية
الجنائية الدولية تكشف مذكرات اعتقال سرية بحق قياديين في طالبان بتهمة اضطهاد النساء
الجنائية الدولية تتمسك بمذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت رغم الضغوط والعقوبات الأمريكية
عمدة نيويورك: لا أملك صلاحية اعتقال نتنياهو.. وعلى واشنطن تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية

