وطن-تحولت الاحتجاجات التي بدأت بمطالب تتعلق بظروف الدراسة ونقص الإمكانات في عدد من المؤسسات التعليمية الفرنسية إلى محور جدل أمني وسياسي، بعدما شهدت باريس أعمال تخريب ونهب خلال الليالي الأخيرة، وفق تقرير نشرته صحيفة «إيه بي سي» الإسبانية. ومع تصاعد مشاهد العنف، تراجعت المطالب الطلابية عن واجهة النقاش، لتحل محلها تساؤلات بشأن هوية المشاركين في أعمال الشغب، وطبيعة المجموعات التي تستغل الاحتجاجات لتنفيذ عمليات تخريب وسرقة.
وبحسب الصحيفة، فإن جذور التحركات تعود إلى منتصف سبتمبر، حين عبّر طلاب ومعلمون عن استيائهم من ظروف الدراسة ونقص التجهيزات والخدمات الأساسية. لكن الأحداث التي شهدتها باريس لاحقاً غيّرت مسار النقاش، بعدما ظهرت مجموعات من الملثمين وهي تحطم واجهات المتاجر وتنهب بعض المحال.
من الاحتجاج الطلابي إلى أعمال النهب
تُظهر الروايات التي أوردها التقرير أن المشاركين في الأحداث لا ينتمون بالضرورة إلى فئة اجتماعية واحدة. ونقلت الصحيفة عن عالم الاجتماع فرانسيس دوبوي-ديري أن الموقوفين شملوا أشخاصاً شاركوا في الاحتجاجات، وشباباً عاطلين عن العمل، وآخرين يعملون في وظائف منخفضة الأجر، إلى جانب أشخاص لديهم سوابق قضائية.
ويجعل هذا التنوع من الصعب اختزال المشاركين في صورة واحدة أو افتراض وجود جهة موحدة تقف وراء جميع أعمال العنف. كما أن الوجود في مكان الأحداث أو توقيف شخص خلالها لا يثبت وحده تورطه في التخريب أو السرقة، إذ يتطلب تحديد المسؤوليات الرجوع إلى نتائج التحقيقات والإجراءات القضائية.
ومع ذلك، ركز التقرير على مشاهد تكررت في مقاطع الفيديو المتداولة، من بينها إخفاء بعض المشاركين وجوههم وارتداء ملابس داكنة، وهي ممارسات قد تصعّب التعرف عليهم خلال المواجهات مع الشرطة.
ما دور مجموعات «بلاك بلوك»؟
تناول التقرير ما يُعرف بتكتيكات «بلاك بلوك»، التي تقوم على إخفاء الهوية والظهور في مجموعات خلال الاحتجاجات، من دون أن تعني بالضرورة وجود تنظيم مركزي أو قيادة موحدة. ونقلت الصحيفة عن الباحث فرانسيس دوبوي-ديري وصفه لتنوع التيارات التي قد تستخدم هذه التكتيكات، بما فيها مجموعات أناركية وشيوعية وبيئية وناشطة في قضايا اجتماعية.
كما أشار التقرير إلى تحليل عالم السياسة جيروم فوركيه، الذي يميز بين مشاركين أكثر خبرة في المواجهات، وبين أشخاص يستغلون حالة الاضطراب لنهب المتاجر وتخريب الممتلكات.
لكن وجود أفراد يستخدمون تكتيكات «بلاك بلوك» لا يكفي وحده لتفسير جميع أعمال الشغب، ولا يثبت أن كل من شارك في الاحتجاجات أو ارتدى ملابس سوداء ينتمي إلى هذه المجموعات. فالتخريب والنهب قد يحدثان بالتزامن مع الاحتجاجات من جانب أشخاص تختلف دوافعهم وخلفياتهم.
تصريحات حكومية تعيد الضواحي إلى دائرة الاتهام
في خضم الجدل، وجّه وزير شؤون المدن الفرنسي فينسنت جانبران الأنظار إلى ضواحي باريس، قائلاً، وفق ما نقلته «إيه بي سي»، إن مجموعة من المجرمين القادمين من الضواحي شاركت في نهب الممتلكات، وإن بعض الشباب يمتلكون خبرة في مواجهات الشوارع.
وربط الوزير هذه الممارسات، بحسب التقرير، ببيئات تنشط فيها شبكات مرتبطة بتجارة المخدرات، متهماً بعض المجموعات بتلقين الشباب أساليب مهاجمة الشرطة. وتظل هذه التصريحات منسوبة إلى المسؤول الفرنسي، ولا تعني أن سكان الضواحي عموماً مسؤولون عن أعمال العنف.
وتُعد الضواحي الباريسية من أكثر الملفات حساسية في النقاش الفرنسي حول الأمن والاندماج الاجتماعي، إذ تتداخل فيها قضايا البطالة والفقر والتمييز والعلاقة بين الشباب وأجهزة الشرطة. ولهذا، فإن إرجاع أعمال الشغب إلى خلفية جغرافية أو اجتماعية واحدة قد يحجب اختلاف الظروف والدوافع بين المشاركين، فضلاً عن تجاهل السكان الذين يتضررون من التخريب والنهب.
سكان سان دوني بين القلق ورفض التعميم
في سان دوني، شمال باريس، نقل التقرير شهادات لسكان عبّروا عن قلقهم من أعمال العنف، وانتقد بعضهم الطريقة التي تُستحضر بها الضواحي في التغطية الإعلامية كلما اندلعت اضطرابات. وقال أحد السكان، وفق الصحيفة، إن الأشخاص المتورطين في مثل هذه الأعمال يتكرر ظهورهم في مناسبات مختلفة، من بينها احتفالات رياضية ومظاهرات سابقة.
واستشهد التقرير بأعمال العنف التي رافقت احتفالات فوز باريس سان جيرمان بدوري أبطال أوروبا في مايو من العام نفسه، ناقلاً عن لوران نونييز، الذي كان يشغل آنذاك منصب محافظ شرطة باريس، قوله إن نسبة كبيرة من الموقوفين قدموا من أحياء الضواحي، وإن ثلثهم كانوا قاصرين.
غير أن الأرقام المتعلقة بالموقوفين في واقعة محددة لا تكفي وحدها لتعميم الاستنتاجات على سكان الضواحي أو تفسير أسباب العنف فيها. كما أن خلفية الشخص الاجتماعية أو مكان إقامته لا تثبت مسؤوليته الجنائية، التي ينبغي أن تحددها الأدلة والإجراءات القانونية.
ضعف الاندماج و«قانون الأقوى»
ونقلت «إيه بي سي» عن تيريزا، وهي مدرسة للغة الإسبانية في إحدى مدارس شمال باريس، قولها إن بعض الأحياء تعيش منذ سنوات توترات اجتماعية، وإن ما وصفته بـ«قانون الأقوى» يظهر في بعض البيئات المحلية. واستندت في تقييمها إلى خبرتها في التدريس داخل مدارس الضواحي، حيث رأت، بحسب التقرير، صعوبات تتعلق بالاندماج بين الشباب والمجتمع.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على أبعاد اجتماعية لا يمكن فصلها عن النقاش الأمني، لكنها تظل تجارب وآراء فردية لا تمثل بالضرورة جميع المدارس أو الأحياء. كما أن ضعف الاندماج أو تراجع الفرص الاقتصادية لا يبرر الاعتداء على الممتلكات، ولا يعني أن الشباب الذين يعيشون في ظروف صعبة متورطون في أعمال الشغب.
وفي سان دوني، عقد رئيس البلدية بالي باغايوكو اجتماعاً مع التجار بعد أعمال النهب، ودعا السكان إلى توخي الحذر، وفق ما أوردته الصحيفة. وجاءت هذه الخطوات وسط مخاوف من تجدد الاضطرابات وتأثيرها في المتاجر والسكان المحليين.
دعوات عبر مواقع التواصل ومخاوف من تجدد الاضطرابات
تزايدت مخاوف السلطات المحلية، بحسب التقرير، بعد تداول دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحث الشباب على المشاركة في عمليات نهب جديدة. وأقر رئيس بلدية سان دوني بأن بعض المشاركين في أحداث الأحد قدموا من بلدات مجاورة، بينما ينتمي آخرون إلى المدينة نفسها.
وتطرح هذه التطورات تحدياً أمام السلطات الفرنسية، التي تواجه ضرورة حماية الممتلكات والأمن العام، بالتوازي مع التعامل مع المطالب الطلابية التي شكّلت نقطة انطلاق الاحتجاجات. كما تبرز أهمية التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف، بدلاً من التعامل مع جميع المشاركين بوصفهم كتلة واحدة.
وفي ظل غياب صورة مكتملة عن هوية جميع المتورطين ودوافعهم، تبقى الأسئلة المتعلقة بحجم دور المجموعات المنظمة، ومدى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وطبيعة المشكلات الاجتماعية في الضواحي، مرتبطة بما تكشفه التحقيقات والأدلة.
وبينما تستمر تداعيات الأحداث في باريس، يبقى التحدي مزدوجاً: ضمان المساءلة عن أعمال النهب والتخريب، وعدم السماح في الوقت نفسه بأن تطغى الصور الأمنية على المطالب التعليمية والاجتماعية التي بدأت الاحتجاجات من أجلها.
قتيلان وآلاف المصابين.. اضطرابات فرنسا تدفع حكومة ماكرون إلى حافة أزمة مفتوحة
فرنسا على صفيح ساخن.. احتجاجات الغلاء تشعل الشوارع وتضع الحكومة أمام اختبار صعب
حريق ضخم يدمّر أجزاء من بلدية ليموج التاريخية خلال احتجاجات فرنسا
احتجاجات الطلاب في فرنسا تكشف أزمة التعليم في الضواحي: مدارس متهالكة وفرص غير متكافئة

