وطن-تواجه فرنسا أزمة سياسية وأمنية متفاقمة بعد موجة احتجاجات وأعمال شغب شهدتها مدن عدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسط تقارير عن سقوط قتيلين وإصابة آلاف الأشخاص، واتساع الانتقادات لطريقة تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين. وتضع التطورات الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته أمام اختبار صعب، مع تصاعد الغضب الشعبي بسبب تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأوضاع التعليم.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عقد اجتماعًا طارئًا يوم الاثنين لبحث سبل احتواء الاضطرابات، التي وصفتها تقارير إعلامية بأنها من أعنف موجات العنف التي شهدتها البلاد منذ عقود، وسط استحضار المقارنات مع احتجاجات مايو 1968.
وطلب لوكورنو من بعض البلديات فرض حظر تجول جزئي، مع إبقاء خيار إعلان حالة الطوارئ مطروحًا إذا تطلب الوضع الأمني ذلك. وأكد عزمه على استعادة النظام العام، معتبرًا أن القيود المحلية قد تكون كافية في المرحلة الحالية.
آلاف الاعتقالات وانتقادات لأداء الشرطة
كشفت الاضطرابات عن صعوبات واجهتها قوات الأمن في التعامل مع حجم الاحتجاجات وانتشار أعمال التخريب والنهب في عدد من المدن الفرنسية. ووفقًا لتقارير إعلامية، تجاوز عدد الموقوفين ألفي شخص، فيما تعرضت متاجر ومبانٍ عامة ومرافق تجارية لأضرار واسعة.
وأثارت الإصابات الخطيرة التي لحقت بعدد من المتظاهرين جدلًا متجددًا بشأن استخدام الشرطة أسلحة مكافحة الشغب، ولا سيما القنابل الصاعقة. وتحدثت تقارير عن حالات بتر للأطراف، بينها إصابة فتى يبلغ 15 عامًا في حادثة سابقة خلال الاحتجاجات الطلابية.
وتزامنت هذه التطورات مع انتقادات لطريقة استعداد السلطات للمظاهرات، بعدما أقر مسؤولون بوجود إخفاقات في تقدير حجم التحركات وجمع المعلومات اللازمة بشأنها.
ورغم الضغوط، رفض ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، الذي عرض التنحي على خلفية الانتقادات المتعلقة بإدارة الملف الأمني. وفضّل الرئيس بقاءه في منصبه، في محاولة للحفاظ على استمرارية القيادة الأمنية خلال الأزمة.
وشدد ماكرون على محاسبة المتورطين في أعمال التخريب والنهب، مؤكدًا أن من يدمّر الممتلكات أو يسرقها يجب أن يتحمل المسؤولية القانونية والمالية عن أفعاله.
من احتجاجات المدارس إلى غضب اجتماعي واسع
تعود جذور موجة الاحتجاجات، وفق «ميدل إيست آي»، إلى تحركات طلابية ونقابية بدأت في سبتمبر الماضي، عندما خرج طلاب ومعلمون في ضواحي باريس الفقيرة للمطالبة بتحسين ظروف المدارس وزيادة الموارد المخصصة للمؤسسات التعليمية التي تعاني نقصًا في التجهيزات والإمكانات.
ومع اتساع التحركات، تجاوزت المطالب حدود التعليم لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع جودة الخدمات العامة والضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر الفرنسية.
وساهمت المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين، إلى جانب التقارير عن الإصابات الخطيرة، في توسيع نطاق الغضب. وانضمت إلى التحركات شرائح أخرى من المجتمع، فيما شهدت بعض التجمعات أعمال عنف ونهب وتخريب ارتكبتها مجموعات من المشاركين.
وبذلك، تحولت الاحتجاجات من تحركات مرتبطة بأوضاع المدارس إلى أزمة اجتماعية أوسع، تجمع بين مطالب معيشية وانتقادات للسياسات الحكومية ومخاوف بشأن أساليب إنفاذ القانون.
حظر تجول في مرسيليا ومدن أخرى
في محاولة للحد من أعمال العنف، فرضت السلطات قيودًا على التجمعات العامة في عدد من المناطق. وفي مرسيليا، قررت السلطات المحلية حظر التجمعات والمظاهرات خلال ساعات محددة يوم الاثنين، عقب أعمال احتجاج ونهب شهدتها المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وأظهرت التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمحال التجارية والمرافق العامة في مدن مختلفة، فيما عبّر سكان وأصحاب أعمال عن مخاوفهم من تكرار أعمال التخريب وتأثيرها في الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي.
ونقلت وكالة «رويترز» شهادات من سكان عبّروا عن صدمتهم من مشاهد الدمار، في وقت دعت فيه السلطات إلى استعادة الهدوء ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.
وتواجه الحكومة معادلة معقدة: حماية الممتلكات العامة والخاصة وضمان الأمن، من دون زيادة الاحتقان أو تقويض حق المواطنين في الاحتجاج السلمي.
أزمة اقتصادية تزيد الضغوط على الحكومة
تأتي الاضطرابات في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطًا اقتصادية ومالية، تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، إلى جانب الخلافات بشأن الإنفاق العام ومستقبل الخدمات الاجتماعية.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن تصاعد عدم اليقين السياسي يضيف أعباء على الشركات والمستثمرين، في ظل مخاوف من انعكاس الاضطرابات على النشاط التجاري وثقة الأسواق.
كما أظهرت استطلاعات نقلتها تقارير إعلامية استياءً لدى قطاعات من أصحاب الأعمال إزاء السياسات الاقتصادية الحكومية، وسط مخاوف من استمرار الضغوط المالية على الشركات إذا لم تتغير الظروف الاقتصادية.
ويزيد هذا المناخ من صعوبة مهمة الحكومة، إذ لا يقتصر التحدي على احتواء العنف في الشوارع، بل يمتد إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي غذّت الاحتجاجات، بما فيها تراجع الخدمات العامة والقلق بشأن القدرة الشرائية.
ماكرون يواجه أزمة في المرحلة الأخيرة من ولايته
وضعت التطورات الأخيرة ماكرون وحكومة لوكورنو أمام ضغوط متزايدة، مع تصاعد الانتقادات بشأن الاستعداد الأمني وطريقة التعامل مع المتظاهرين، في مقابل مطالبات بإعادة فرض النظام ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف.
وتحذر التطورات من أن الاكتفاء بالإجراءات الأمنية قد لا يكون كافيًا لاحتواء الغضب الشعبي، ما لم تقترن به خطوات لمعالجة المطالب المتعلقة بالتعليم وتكاليف المعيشة والخدمات العامة.
وبينما تسعى الحكومة إلى استعادة الاستقرار، تبقى قدرتها على احتواء الأزمة مرتبطة بمدى نجاحها في الموازنة بين تطبيق القانون والاستجابة للمطالب الاجتماعية، في مرحلة سياسية حساسة تسبق الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027.
اقرأ المزيد
فرنسا على صفيح ساخن.. احتجاجات الغلاء تشعل الشوارع وتضع الحكومة أمام اختبار صعب
حريق ضخم يدمّر أجزاء من بلدية ليموج التاريخية خلال احتجاجات فرنسا
أعمال عنف واعتقالات واسعة في فرنسا.. ماكرون يعلن موقفه من مثيري الشغب
ثلاجات تتحول إلى أفران.. هجوم إلكتروني يضرب الأمن الغذائي في فرنسا ويهدد مئات المتاجر

