وطن-أثار قرار دار النشر البريطانية «فابر آند فابر» وقف توريد كتب الكاتبة الإيرلندية سالي روني إلى السوق البريطانية جدلاً واسعاً بشأن تأثير قوانين مكافحة الإرهاب على حرية التعبير والتضامن مع فلسطين، بعدما أعلنت الكاتبة نيتها تخصيص عائدات أعمالها لدعم مجموعة «بالستاين أكشن» المحظورة في المملكة المتحدة.
وتقول روني إن استمرار نشر أعمالها في بريطانيا قد يعرّض الأطراف المعنية لمخاطر قانونية، في ظل تصنيف الحكومة البريطانية المجموعة منظمة إرهابية بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وأكدت الكاتبة موافقتها على قرار ناشرها، مشيرة إلى أنها مستعدة لتحمل تبعات موقفها.
لماذا توقفت دار النشر عن توريد كتب سالي روني؟
أعلنت دار «فابر آند فابر»، الناشرة لأعمال روني في بريطانيا، أنها لن تواصل توريد كتبها إلى السوق المحلية، سواء في النسخ المطبوعة أو الرقمية، بسبب تعذر تحويل العائدات المستحقة للكاتبة من المبيعات البريطانية في ظل التشريعات الحالية.
وقالت الدار إن بيع أعمال كاتبة من دون القدرة على تحويل مستحقاتها المالية إليها وضع لا يمكنها قبوله، مؤكدة أن قرار وقف التوريد اتُّخذ بالاتفاق مع روني.
ويشمل القرار أعمالاً معروفة للكاتبة، من بينها روايتا «أناس عاديون» و«محادثات مع الأصدقاء»، إضافة إلى روايتها «إنترميزو». لكن وقف التوريد لا يعني أن جميع النسخ اختفت فوراً من المكتبات؛ إذ أوضحت الدار أن الكتب الموجودة بالفعل لدى تجار التجزئة لن تُسحب من البيع، فيما قد تتناقص الكميات المتاحة مع نفاد المخزون.
دعم «بالستاين أكشن» في قلب الأزمة
تعود الأزمة إلى إعلان روني استعدادها تخصيص عائدات من أعمالها لدعم «بالستاين أكشن»، وهي مجموعة تنشط في حملات العمل المباشر ضد شركات ومنشآت مرتبطة بصناعة السلاح والتعاون العسكري مع إسرائيل.
وفرضت الحكومة البريطانية حظر المجموعة في يوليو 2025، بعد حادثة اقتحام قاعدة «بريز نورتون» الجوية ورش طلاء على طائرتين عسكريتين. وأصبح الانتماء إلى المجموعة أو تقديم الدعم لها ضمن الأفعال التي قد تترتب عليها مسؤولية جنائية بموجب قانون مكافحة الإرهاب البريطاني.
وبموجب القانون، قد تصل العقوبة القصوى لبعض جرائم الدعم أو إظهار التأييد لمنظمة محظورة إلى 14 عاماً من السجن، بحسب طبيعة المخالفة والظروف القانونية المحيطة بها. وتقول روني إن استمرار تنفيذ عقود نشر أعمالها وتحويل أرباحها في بريطانيا قد يعرّضها أو يعرّض الجهات المتعاقدة معها لمخاطر قانونية.
وكانت الكاتبة قد أبدت علناً دعمها للمجموعة، كما قدمت إفادة في إطار الطعن القانوني على قرار حظرها، محذرة من تداعياته المحتملة على حرية التعبير والعمل الثقافي.
هل أصبحت كتب روني محظورة في بريطانيا؟
رغم الجدل الذي أثاره القرار، فإن ما حدث لا يعني صدور قرار حكومي مستقل بحظر روايات سالي روني أو مصادرتها. فالخطوة المعلنة جاءت من الكاتبة ودار نشرها، اللتين قررتا وقف التوريد بسبب المخاطر القانونية المرتبطة بتحويل العائدات، بينما لا تزال بعض النسخ الموجودة لدى المكتبات قابلة للبيع.
ويكشف هذا التمييز جانباً أساسياً من القضية: فالمسألة لا تتعلق بحظر الكتب بسبب محتواها الأدبي، بل بالتداعيات القانونية التي ترى الكاتبة وناشرها أنها قد تنشأ عن تحويل الأموال إليها في ظل موقفها من المنظمة المحظورة.
ومع ذلك، أثار القرار مخاوف بشأن احتمال امتداد أثر التشريعات الأمنية إلى قطاع النشر والثقافة، خصوصاً عندما تدفع المؤسسات إلى وقف التوزيع أو تجنب التعامل مع أصحاب مواقف سياسية معينة خشية التعرض للملاحقة.
معركة قانونية حول حظر المجموعة
لم يقتصر الجدل على قرار النشر، إذ يخضع حظر «بالستاين أكشن» نفسه لنزاع قضائي. ففي فبراير 2026، قضت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز بعدم قانونية قرار الحظر، لكن محكمة الاستئناف ألغت ذلك الحكم في يونيو، معتبرة أن قرار الحكومة يمكن أن يبقى نافذاً في إطار قانون مكافحة الإرهاب.
وأعاد حكم الاستئناف القضية إلى مسار الطعن القضائي، مع إدراجها للنظر أمام المحكمة العليا في المملكة المتحدة في نوفمبر 2026. وبذلك يستمر الجدل القانوني حول مدى تناسب الحظر مع ضمانات حرية التعبير والتجمع، وحدود صلاحيات الحكومة في تصنيف الجماعات المحظورة.
وتكمن أهمية هذا النزاع في أن التشريعات لا تؤثر فقط على أعضاء المجموعة أو أنشطتها، بل قد تثير أيضاً تساؤلات بشأن المواقف العامة والتبرعات والعلاقات المهنية التي يمكن أن تُفسَّر قانونياً على أنها دعم لمنظمة محظورة.
مخاوف من تأثير الحظر على حرية التعبير
أثارت القضية انتقادات من مدافعين عن الحريات المدنية، الذين يحذرون من أن توسيع نطاق قوانين مكافحة الإرهاب قد يؤدي إلى ردع أشخاص ومؤسسات عن التعبير عن مواقف سياسية أو المشاركة في حملات احتجاجية.
وتتجاوز تداعيات هذه المخاوف حالة روني، إذ يمكن أن تواجه دور النشر والمؤسسات الثقافية أسئلة بشأن كيفية التعامل مع فنانين أو كتّاب يعلنون دعمهم لحركات محظورة، حتى عندما يكون النشاط محل النقاش متعلقاً بمواقف سياسية أو تضامن معلن.
وفي المقابل، تدافع السلطات البريطانية عن قرار الحظر باعتباره إجراءً مرتبطاً بالأمن العام ومواجهة أنشطة المجموعة. ويظل الخلاف قائماً بشأن مدى التناسب بين هذا الهدف والقيود التي قد تطال حرية التعبير والتجمع السلمي.
سالي روني في قلب نقاش أوسع بشأن فلسطين
تحولت روني، المعروفة بأعمالها الأدبية التي تحظى بانتشار دولي، إلى واحدة من أبرز الوجوه الثقافية المرتبطة بالجدل حول الحظر. وتقول الكاتبة إنها حرصت على الوضوح بشأن مواقفها، وإنها مستعدة لتحمل العواقب التي قد تترتب عليها.
وتأتي القضية في سياق نقاش بريطاني أوسع بشأن حدود التضامن مع فلسطين، ودور قوانين مكافحة الإرهاب في تنظيم الاحتجاجات والأنشطة المرتبطة بالمجموعة المحظورة. وقد أثار توقيف آلاف الأشخاص خلال احتجاجات تتعلق بالحظر انتقادات من منظمات حقوقية ومدافعين عن الحريات المدنية، فيما تؤكد السلطات أن تطبيق القانون يستند إلى تصنيف المجموعة بموجب التشريعات القائمة.
وبين قرار وقف توريد الكتب والطعن القضائي المستمر على حظر «بالستاين أكشن»، أصبحت قضية سالي روني مثالاً بارزاً على التداخل بين النشر والسياسة والتشريعات الأمنية، وعلى الأسئلة التي تثيرها بشأن المساحة المتاحة للتعبير عن المواقف السياسية في بريطانيا.
اقرأ المزيد
ترامب يصنف “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية بعد الحظر البريطاني
محامية يهودية تبلغ 94 عاماً تُعتقل في بريطانيا بسبب لافتة داعمة لـ«فلسطين أكشن»
نائب بريطاني يندد باعتقال صحفيين خلال تغطية احتجاج مؤيد لفلسطين.. ومخاوف من تقييد حرية الصحافة

