وطن-من خلف القضبان، يعود اسم مروان البرغوثي إلى واجهة المشهد السياسي الفلسطيني، وسط تقارير عن مشاورات لتشكيل تحالف انتخابي قد يجمع قوى وشخصيات فرّقتها سنوات من الانقسام والصراع، من بينها حركة حماس والجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي المرتبط بمحمد دحلان.
وإذا تحولت هذه المشاورات إلى اتفاق فعلي، فقد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني، وتضع قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية أمام اختبار جديد. لكن الطريق إلى هذا التحالف لا يزال محفوفاً بالعقبات، خصوصاً في ظل غياب إعلان نهائي بشأن تركيبته، وتأجيل الانتخابات الفلسطينية التي كان مقرراً إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
البرغوثي.. اسم يتجاوز حدود الفصائل
لا يمثل مروان البرغوثي مجرد قيادي في حركة فتح، بل يحظى برمزية سياسية وشعبية لدى قطاعات من الفلسطينيين، في ظل سجنه في إسرائيل واستمرار حضوره في النقاشات المتعلقة بمستقبل القيادة الفلسطينية. وقد يمنح وجوده على رأس قائمة انتخابية واسعة أي تحالف محتمل ثقلاً يتجاوز حدود التنظيمات المشاركة فيه، خصوصاً إذا نجح في استقطاب ناخبين يبحثون عن تغيير في القيادة أو عن صيغة تتجاوز الانقسام بين فتح وحماس.
لكن مكانة البرغوثي السياسية لا تعني أن تشكيل قائمة باسمه بات أمراً محسوماً. فنجاح الفكرة يتوقف على طبيعة الاتفاقات بين الأطراف، ومدى استعدادها لتقديم تنازلات متبادلة، وقدرتها على التوافق بشأن برنامج سياسي واضح وترتيبات القيادة بعد الانتخابات. كما أن وجود البرغوثي في السجن يثير أسئلة عملية وسياسية بشأن قدرته على إدارة حملة انتخابية أو ممارسة دور قيادي مباشر، في حال جرى الاتفاق على ترؤسه قائمة مشتركة.
حماس ودحلان والجهاد الإسلامي.. تقارب غير مألوف
تكتسب الأنباء عن تقارب حماس والجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي المرتبط بمحمد دحلان أهمية خاصة بسبب الخلفيات السياسية والتنظيمية المختلفة لهذه الأطراف. فحماس، التي سيطرت على قطاع غزة عام 2007 بعد الصدام مع حركة فتح، ظلت في قلب الانقسام الفلسطيني، فيما يمثل دحلان أحد أبرز خصوم القيادة الحالية لفتح، بعد خلافه مع الرئيس محمود عباس وخروجه من مراكز القرار في الحركة. أما الجهاد الإسلامي، فيختلف عن الطرفين من حيث بنيته التنظيمية وموقفه من المشاركة في المؤسسات السياسية والانتخابات، ما يجعل أي صيغة تنسيق انتخابي معه بحاجة إلى توضيح دقيق بشأن طبيعة المشاركة وأهدافها.
ومن هنا، فإن الحديث عن قائمة موحدة لا يعني بالضرورة اندماج هذه القوى في مشروع سياسي واحد، فقد يكون الأمر أقرب إلى تفاهم انتخابي محدود يستهدف إعادة توزيع المقاعد والنفوذ، أو محاولة لفتح مسار جديد للحوار الوطني. ولا تزال التفاصيل النهائية بحاجة إلى إعلان رسمي يحدد أسماء المشاركين، وطبيعة القائمة، وبرنامجها السياسي، ومدى التزام كل طرف بنتائج أي اتفاق محتمل.
هل يمكن للتحالف أن يغيّر موازين القوى؟
تكمن أهمية أي قائمة جامعة محتملة في قدرتها على استقطاب ناخبين من اتجاهات مختلفة، وتقديم بديل عن حالة الاستقطاب التقليدي بين فتح وحماس. وقد يتيح تحالف واسع للبرغوثي وحلفائه المحتملين تحويل شعبيته إلى قوة انتخابية، إذا توافرت له بنية تنظيمية متماسكة وبرنامج يحظى بقبول واسع. كما يمكن أن يضغط على القيادة الفلسطينية لإعادة النظر في أساليب إدارة المؤسسات السياسية وتحديد شكل المرحلة المقبلة.
لكن جمع أسماء متباينة داخل قائمة واحدة لا يضمن الفوز أو القدرة على الحكم. فالتحالفات الانتخابية قد تنجح في تحقيق مكاسب أولية، ثم تواجه خلافات بشأن توزيع المناصب، والبرنامج السياسي، والعلاقة مع إسرائيل، وإدارة قطاع غزة، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية. ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في إعلان التقارب، بل في قدرة الأطراف على تحويله إلى اتفاق قابل للاستمرار، يتجاوز المصالح الانتخابية الضيقة.
تأجيل الانتخابات يغيّر الحسابات
كان من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في استحقاق كان يُنظر إليه باعتباره فرصة لإعادة تجديد الشرعية السياسية بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات العامة. لكن الرئيس محمود عباس أعلن في 10 أكتوبر/تشرين الأول تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى 11 سبتمبر/أيلول 2027، في خطوة أعادت فتح الجدل بشأن مستقبل العملية الانتخابية وقدرة الفلسطينيين على تجاوز الانقسام.
واستندت القيادة الفلسطينية إلى العقبات السياسية والأمنية والإسرائيلية التي تحول دون إجراء انتخابات شاملة، بما في ذلك التحديات المتعلقة بالقدس الشرقية وقطاع غزة. في المقابل، أثار التأجيل انتقادات وتساؤلات بشأن استمرار غياب التجديد الديمقراطي للمؤسسات الفلسطينية.
ويمنح التأجيل القوى السياسية وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب أوراقها، لكنه قد يضعف أيضاً زخم أي تقارب انتخابي ناشئ، ويتيح للخصوم فرصة تفكيك التفاهمات قبل أن تتحول إلى قوائم وبرامج معلنة. وفي ظل عدم وضوح المسار الانتخابي النهائي، يصبح الحديث عن التحالف المحتمل جزءاً من صراع أوسع على شكل القيادة الفلسطينية المقبلة، وليس مجرد استعداد لاقتراع بات موعده معروفاً.
المعركة الأصعب تبدأ بعد التوافق
حتى لو نجحت المشاورات في جمع أطراف متباعدة، فإن الاتفاق على قائمة انتخابية لن ينهي الانقسام الفلسطيني تلقائياً. فالتباينات بين الفصائل تتعلق بقضايا جوهرية، من بينها إدارة غزة، ومستقبل السلطة الفلسطينية، والعلاقة مع إسرائيل، وشكل النظام السياسي، وحدود المشاركة في المؤسسات.
كما أن أي تحالف يحتاج إلى تحديد آليات واضحة لاتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات، وتسوية الخلافات، حتى لا يتحول إلى اتفاق مؤقت ينتهي بمجرد ظهور النتائج الانتخابية.
وفي حال تصدر البرغوثي قائمة جامعة، فقد يصبح اسمه محوراً لمحاولة إعادة تشكيل القيادة، لكن ذلك سيظل مرتبطاً بقدرته على تحويل رمزيته إلى مشروع سياسي متماسك، وبمدى استعداد القوى المشاركة لتجاوز حساباتها التنظيمية.
ختاماً، قد يشكل التقارب المحتمل بين حماس والجهاد الإسلامي وتيار دحلان، إذا تأكد رسمياً، تطوراً مهماً في المشهد الفلسطيني. غير أن تأجيل الانتخابات إلى سبتمبر/أيلول 2027 أعاد ترتيب الجدول السياسي، وجعل الطريق إلى أي تغيير أكثر تعقيداً.
فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كان البرغوثي قادراً على جمع الخصوم في قائمة واحدة، بل ما إذا كان هذا التقارب يستطيع إنتاج قيادة موحدة ومشروع سياسي قابل للاستمرار، ينهي جانباً من الانقسام بدلاً من إعادة إنتاجه بأسماء وتحالفات جديدة.
اقرأ المزيد
استطلاع فلسطيني يكشف مخاوف واسعة من عودة حرب غزة بعد نزع سلاح حماس
الرجوب يكشف لقاءات مع قادة حماس في تركيا ويشكك في إجراء الانتخابات الفلسطينية
مصادر بفتح: عباس يتجه لتأجيل انتخابات التشريعي الفلسطيني بتحريض من حسين الشيخ

