وطن – القدس – تتجه الأنظار في الساحة الفلسطينية إلى قرار الرئيس محمود عباس بشأن انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وسط تقديرات متزايدة داخل حركة فتح بأن خيار التأجيل بات الأقرب في هذه المرحلة، ليس بسبب تراجع أهمية الانتخابات، بل لأن نتائجها قد تفتح الباب أمام واقع سياسي جديد يصعب على قيادة السلطة الفلسطينية التحكم فيه.
وقال مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية، في تقرير أعده المحلل يوني بن مناحيم، إن مسؤولين كباراً في حركة فتح يرون أن الرئيس محمود عباس يميل حالياً إلى تأجيل الانتخابات التشريعية، خشية أن تؤدي إلى تعزيز قوة حركة حماس وحلفائها، أو تمنح تيار محمد دحلان موقعاً مؤثراً في معادلة الحكم الفلسطينية.
وبحسب ما أورده المركز، فإن حسين الشيخ، نائب رئيس السلطة الفلسطينية، يعد من أبرز الدافعين باتجاه تأجيل الانتخابات، إذ يحاول إقناع عباس بالموافقة على هذا المسار وتقديم مبررات فنية وسياسية له، من بينها صعوبة تنظيم الاقتراع في قطاع غزة والقدس الشرقية في الظروف الراهنة.

القرار النهائي بيد محمود عباس
يرى مسؤولون أمنيون، وفق التقرير، أن محمود عباس لا يزال الشخصية الفلسطينية الأكثر قدرة على تحديد توقيت الانتخابات وقواعد اللعبة السياسية. فهو رئيس حركة فتح، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الفلسطينية، ما يجعل أي محاولة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني مرتبطة بشكل مباشر بموقفه وحساباته.
وأضاف مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية أن الانتخابات، من وجهة نظر عباس، تحمل مخاطر كبيرة. أول هذه المخاطر أنها قد تمنح حركة حماس وحلفاءها قوة سياسية معتبرة داخل المؤسسات الفلسطينية، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها قطاع غزة بعد الحرب.
أما الخطر الثاني، فيتمثل في احتمال تشكل تحالف بين حماس وتيار محمد دحلان، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور مركز قوة جديد داخل النظام السياسي الفلسطيني، قد لا يكون بمقدور عباس ضبطه أو احتواؤه بسهولة.
وتحدث التقرير أيضاً عن خطر ثالث لا يقل أهمية، وهو أن تتحول الانتخابات في ظل الأوضاع الحالية إلى استفتاء شعبي على أداء السلطة الفلسطينية وقيادتها، في وقت تتعرض فيه السلطة لانتقادات واسعة في الشارع الفلسطيني، خاصة بسبب اتهامات الفساد وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.
التأجيل يمنح عباس وقتاً إضافياً
في المقابل، يمنح تأجيل الانتخابات محمود عباس مساحة زمنية أوسع لإدارة المشهد السياسي، ومتابعة التطورات في غزة، ومحاولة ترتيب البيت الداخلي لحركة فتح، التي لا تزال تعاني من انقسامات عميقة قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
وكشف مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية أن أحد الاعتبارات الأساسية لدى قيادة فتح يتمثل في الحاجة إلى تفاهمات داخلية قبل إجراء الانتخابات، لأن دخول الحركة وهي منقسمة قد يضعف فرصها، ويفتح المجال أمام منافسين آخرين، سواء من حماس أو من تيار دحلان أو من قوائم مستقلة.
وتبرز أيضاً عقبات ميدانية حقيقية أمام تنظيم انتخابات فلسطينية شاملة. ففي قطاع غزة، لا تزال الأوضاع الأمنية وآليات الحكم وإمكانية إجراء عملية انتخابية منتظمة غير واضحة. أما في القدس الشرقية، فتظل مسألة مشاركة الفلسطينيين في التصويت إحدى العقد الأساسية، خصوصاً مع رفض إسرائيل السماح لسكان القدس الشرقية بالمشاركة في الانتخابات الفلسطينية.
وبحسب التقرير، فإن إسرائيل قد تزيد من صعوبة النشاط السياسي والتنظيمي في مناطق «ج» بالضفة الغربية، حيث تملك سيطرة أمنية وإدارية واسعة، ما يجعل تنظيم حملات انتخابية أو فتح مراكز اقتراع أمراً معقداً في حال عدم وجود ترتيبات مسبقة.
واشنطن تركز على غزة أكثر من الانتخابات
من زاوية أخرى، لا تبدو الانتخابات الفلسطينية أولوية قصوى بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي. فبحسب ما أورده مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية، ينصب التركيز الأمريكي أساساً على إدارة قطاع غزة وترتيبات «اليوم التالي» للحرب، وليس على دفع مسار انتخابي فلسطيني سريع.
وأشار التقرير إلى أن توقيت الانتخابات الفلسطينية، إذا جرت بعد فترة قصيرة من انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر، قد يتقاطع مع مرحلة سياسية حساسة في إسرائيل، تتعلق بمفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي الجديد.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تعارض إسرائيل بقوة أكبر إجراء الانتخابات في القدس الشرقية وقطاع غزة وأجزاء من الأراضي الخاضعة لسيطرتها، وهو ما قد يوفر لعباس مبرراً إضافياً لتأجيل العملية الانتخابية.
مصالحة فتح الداخلية.. الاختبار الأصعب
يرى مسؤولون كبار في السلطة الفلسطينية، وفق التقرير، أن الاختبار الحقيقي لا يقتصر على تحديد موعد الانتخابات، بل يكمن في المصالحة الداخلية داخل حركة فتح. ولهذا تكتسب الاجتماعات التي تعقد في القاهرة أهمية خاصة، رغم عدم تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن في ملف المصالحة مع التيار الإصلاحي الذي يقوده محمد دحلان.
وأضاف مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية أن الواقع الجديد في غزة أجبر حركة فتح وتيار دحلان على إعادة تقييم العلاقة بينهما. فبعد سنوات كان الخلاف خلالها ذا طابع تنظيمي وسياسي، أصبح الانقسام اليوم جزءاً من الصراع الأوسع حول شكل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن المتوقع، بحسب التقرير، أن يطالب تيار دحلان بإعادة أعضاء فتح الذين تم فصلهم من الحركة، واستعادة حقوقهم التنظيمية، ودمج أنصارهم في مؤسسات فتح، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات بشأن توزيع النفوذ السياسي في المرحلة المقبلة.
وقد يبدأ الطرفان، وفق التقديرات، بخارطة طريق تدريجية تشمل إجراءات لبناء الثقة، ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة، وتشكيل لجنة مشتركة لمعالجة الخلافات، والاتفاق على قواعد المشاركة في الانتخابات إذا تقرر إجراؤها.
ضغوط عربية لإعادة توحيد فتح
تلعب مصر والسعودية والإمارات والأردن دوراً مهماً في الدفع نحو إعادة توحيد حركة فتح، انطلاقاً من قناعة بأن وحدة الحركة قد تكون شرطاً أساسياً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب في غزة.
وبحسب ما أورده مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية، ترى هذه الدول أن استمرار الانقسام داخل فتح يضعف السلطة الفلسطينية، ويجعل من الصعب تأسيس إطار سياسي فلسطيني قادر على التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة.
ولهذا السبب، لا يستطيع محمود عباس تجاهل مطالب القاهرة والعواصم العربية المؤثرة، ليس فقط بسبب أهمية هذه الدول في الملف الفلسطيني، بل أيضاً لأنه يعتمد على علاقاته الإقليمية في تثبيت موقع السلطة الفلسطينية داخلياً وخارجياً.
لكن التقرير يشير إلى أن الاستجابة لهذه الضغوط ليست سهلة، لأن أي مصالحة مع تيار دحلان قد تعني إعادة توزيع مراكز القوة داخل فتح، وهو ما قد يثير حساسيات لدى قيادات نافذة في الحركة وفي السلطة الفلسطينية.
هل تخدم الانتخابات مصالح عباس وفتح؟
في نهاية المطاف، يقول مسؤولون كبار في فتح إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الفلسطينيون يريدون انتخابات، بل ما إذا كان محمود عباس سيصل إلى قناعة بأن إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني يخدم مصالحه السياسية ومصالح حركة فتح في هذا التوقيت.
وبحسب تقديرات مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية، فإن الإجابة في المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى «لا». فالواقع في قطاع غزة لا يزال غير مستقر، وحماس تبحث عن صيغة جديدة للمشاركة السياسية، ومحمد دحلان يكتسب حضوراً متزايداً في الإقليم، بينما لا تزال حركة فتح نفسها منقسمة.
وفي ظل هذه المعطيات، قد تؤدي الانتخابات إلى نتائج لا يستطيع عباس السيطرة عليها، سواء عبر صعود حماس، أو تقوية تيار دحلان، أو تشكيل تحالفات جديدة تغير موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني.
لذلك، يرجح مسؤولون في فتح أن يكون السيناريو الأقرب هو تأجيل انتخابات المجلس التشريعي إلى موعد لاحق، مع الاستناد إلى مبررات رئيسية مثل الوضع الأمني والسياسي في غزة، وصعوبة إجراء الانتخابات في القدس الشرقية، والغموض المحيط بترتيبات اليوم التالي للحرب.
كلفة التأجيل على شرعية السلطة الفلسطينية
مع ذلك، فإن تأجيل الانتخابات لا يخلو من كلفة سياسية. فإذا تحول التأجيل إلى حالة مفتوحة بلا موعد واضح، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق أزمة شرعية السلطة الفلسطينية، ويعزز الاتهامات الموجهة إلى قيادة فتح بأنها تخشى مواجهة إرادة الناخبين.
وأوضح مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية أن محمود عباس لا يزال يمسك بمفتاح الانتخابات الفلسطينية؛ فهو قادر على فتح الباب أمام صناديق الاقتراع، كما أنه قادر على إغلاقه وتأجيل الاستحقاق إلى أجل غير محدد.
وتبقى المعضلة الأساسية أمام عباس هي الاختيار بين المجازفة بنتائج انتخابية غير مضمونة، أو شراء مزيد من الوقت عبر التأجيل، في انتظار اتضاح المشهد في غزة، وترتيب أوضاع فتح الداخلية، وضمان عدم تحول الانتخابات إلى محطة تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني خارج حساباته.
ومن المتوقع، بحسب التقرير، أن يُحسم القرار النهائي قريباً، وسط ترقب فلسطيني وإقليمي لمسار قد يحدد مستقبل السلطة الفلسطينية وحركة فتح، وموقع كل من حماس ومحمد دحلان في المرحلة المقبلة.

