وطن-في قرية ناراناغ الجبلية، شمالي كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، يقف غلام قادر جاغيل أمام متجره الصغير في انتظار زبائن لا يأتون. فالشوارع التي كانت تعج خلال موسم السياحة بمحبي الطبيعة وعشاق الرحلات الجبلية، تبدو اليوم شبه خالية، بينما يواجه سكان المنطقة أزمة معيشية متفاقمة بسبب استمرار القيود المفروضة على السياحة الجبلية وأنشطة المغامرات.
كانت ناراناغ، المعروفة بإرثها الأثري وبكونها إحدى البوابات الرئيسية لمسارات المشي الجبلي في كشمير، تستقبل الزوار عادة بين مايو وأغسطس. ومنها ينطلق المتنزهون في مسار البحيرات السبع الذي يربط المنطقة بغانغبال وفيشنسار وغادسار ولاسباتري وسونامارغ، وسط تضاريس جبلية مرتفعة تعد من أبرز الوجهات الطبيعية في الإقليم.
قرى جبلية تعتمد على موسم سياحي قصير
يقطن ناراناغ والمناطق المحيطة بها ما بين ألفين وأربعة آلاف شخص، وينتمي عدد كبير منهم إلى مجتمعي الغوجار والبكروال شبه الرحّل. ويعتمد جزء واسع من السكان على السياحة الموسمية كمصدر رئيسي للدخل، من خلال الإرشاد الجبلي وتأجير الخيول والطهي وحمل الأمتعة وتنظيم الرحلات للزوار القادمين من داخل الهند وخارجها.
غلام قادر جاغيل، البالغ من العمر 45 عاماً، يجمع بين العمل في متجره الصغير والعمل مرشداً للرحلات الجبلية. وكان يقدم للزوار خدمات توفير أكياس النوم والطهي والحمالين، كما يرافق مجموعات تخوض مساراً يتراوح طوله بين 70 و75 كيلومتراً ويستغرق عادة سبعة إلى ثمانية أيام، مروراً بسبع بحيرات ألبية.
لكن هذا النشاط تراجع بصورة حادة منذ الهجوم الذي وقع في مرج بيساران بمنطقة باهالغام في 22 أبريل 2025، والذي أدى إلى فرض قيود واسعة على أنشطة السياحة والمغامرات في عدد من المناطق.
هجوم باهالغام يضرب قطاع السياحة
أسفر هجوم باهالغام عن مقتل 26 شخصاً، بينهم 25 سائحاً وأحد العاملين المحليين في خدمات الخيول. وأدى الهجوم كذلك إلى تصعيد كبير في التوتر بين الهند وباكستان، قبل أن تقترب الدولتان النوويتان من مواجهة عسكرية واسعة في مايو 2025.
وبعد الهجوم، فرضت السلطات قيوداً أمنية على عدد من المواقع والمسارات السياحية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على سكان القرى التي تعتمد على السياحة الجبلية ولا تملك مصادر دخل بديلة.
ويقول جاغيل إن غالبية سكان قريته والمناطق المحيطة بها يعتمدون على سياحة المغامرات، من خلال تقديم خدمات الطهي وتأجير الخيول للمتنزهين. ويقدر خسائره منذ فرض القيود بنحو 600 ألف روبية هندية، أي ما يقارب 6300 دولار، مؤكداً أن أوضاع كثير من السكان الآخرين ليست أفضل حالاً.
وبحسب جاغيل، لا يزال عدد محدود من الزوار يصل إلى المنطقة في رحلات قصيرة، لكن السماح لهم بالبقاء حتى الخامسة مساءً فقط يجعل النشاط السياحي محدوداً للغاية. كما أن الإيرادات الناتجة عن بيع الشاي والوجبات الخفيفة في النُزل الصغيرة ومحال البقالة لا تكفي لتعويض الأسر التي تعتمد على موسم سياحي قصير لكنه حاسم بالنسبة لدخلها السنوي.
تراجع السياحة يهدد اقتصاد كشمير
لا تقتصر تداعيات القيود على قرية ناراناغ، بل تمتد إلى قطاع السياحة في كشمير بأكمله. ووفق الأرقام الواردة في المصدر، يمثل القطاع نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم، ويوفر دخلاً مباشراً وغير مباشر لنحو 500 ألف شخص يعملون في الضيافة والحرف اليدوية والنقل وتنظيم الرحلات والتجارة المحلية.
وجاء هجوم باهالغام في ذروة الموسم السياحي، ما ضاعف أثره على النشاط الاقتصادي. فقد استقبلت باهالغام وحدها خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025 أكثر من 460 ألف زائر، بينهم أكثر من 137 ألفاً في أبريل قبل وقوع الهجوم.
وفي الفترة نفسها من عام 2026، تراجع عدد الوافدين إلى نحو 250 ألفاً، وفق البيانات الرسمية التي أوردها المصدر.
وبعد الهجوم، أقامت إدارة نائب الحاكم مانوج سينها نقاط تفتيش أمنية في مناطق مختلفة، بما في ذلك المواقع السياحية الرئيسية ومسارات الرحلات الجبلية، في إطار إجراءات قالت السلطات إنها تهدف إلى منع تكرار مثل هذه الهجمات.
ورغم ظهور مؤشرات على تعافٍ جزئي في بعض الوجهات السياحية التقليدية، فإن القرى التي تعتمد على المشي الجبلي والتخييم ما زالت تواجه أزمة حادة.
مطالب برفع القيود عن سياحة المغامرات
في غاندربال، يقول خورشيد أحمد مغراي، الذي يدير نزلاً صغيراً، إن ممثلين عن أصحاب المتاجر ومقدمي خدمات الخيول وشركات الرحلات الجبلية عقدوا اجتماعات مع الشرطة ومسؤولي الحكومة والإدارة المدنية للمطالبة برفع القيود عن سياحة المغامرات.
وبحسب ما نقله المصدر، شهدت هذه اللقاءات تقدماً في النقاشات، لكنها لم تؤد إلى انفراج فعلي بالنسبة للعاملين الذين يرون أنفسهم متضررين من هجوم لم يكونوا طرفاً فيه.
ويروي مغراي أنه اشترى كميات جديدة من البضائع بعد إعلان الإدارة رفع القيود عن بعض الوجهات السياحية عقب أشهر من الإغلاق، لكنه سرعان ما اكتشف أن الزوار لا يستطيعون البقاء في المنطقة سوى لساعات محدودة.
ويقول إن فرحته لم تدم طويلاً، وإنه بات يواجه صعوبة في تصريف البضائع التي اشتراها بعدما توقع عودة النشاط السياحي.
ويضيف أن المكان كان يمتلئ سابقاً بعشاق المغامرة الذين ينصبون خيامهم ويقضون أياماً بين غابات ناراناغ، بينما أصبح المشهد اليوم مختلفاً تماماً، مع أعداد محدودة من الزوار.
شركات الرحلات الجبلية أمام خسائر قاسية
ولا تقف تداعيات القيود عند أصحاب المتاجر والخدمات المحلية. فوفق تقديرات القطاع، تضم كشمير نحو 200 شركة ومشغل لرحلات المغامرات، يعتمد كثير منها على الموسم الصيفي القصير لتنظيم رحلات المشي والتخييم والأنشطة الخارجية.
ويقول محمد عادل لانغو، الشريك في شركة «كليفهانغرز إنديا» المتخصصة في الرحلات الجبلية ومقرها كشمير، إن شركته تعرضت لخسائر كبيرة خلال العامين الماضيين.
وقبل فرض القيود، كان حجم أعمال الشركة السنوي يقترب من 20 مليون روبية هندية، أي نحو 207 آلاف دولار، لكنه تراجع، بحسب لانغو، إلى الصفر.
ويقول إن إيرادات الشركة من رحلات المشي أصبحت معدومة، بسبب عدم وجود مواقع مفتوحة لممارسة الأنشطة التي اشتهرت بها. ويضيف أن المجموعات لم تعد قادرة على المرور عبر ناراناغ أو سونامارغ في وسط كشمير، كما أغلقت رحلات المشي في باهالغام جنوب الإقليم.
ويؤكد لانغو أن ذلك ترك شركات الرحلات أمام خسائر مالية ضخمة، في وقت لا تزال فيه استفسارات الزوار عن الرحلات الجبلية في كشمير مستمرة.
لداخ ليست بديلاً عن جبال كشمير
اتجه بعض محبي المغامرات إلى لداخ، وهي منطقة اتحادية شمالية كانت جزءاً من كشمير الخاضعة للإدارة الهندية حتى عام 2019، لاستكشاف بحيرات مرتفعة ومناطق جبلية أخرى.
لكن لانغو يرى أن لداخ لا تستطيع تعويض كشمير بالنسبة لعشاق الرحلات الجبلية، مشيراً إلى أن أعداد الزوار هناك لا تقارن بما كانت تستقبله كشمير.
ويقول إن الشركة ما زالت تتلقى استفسارات من هنود وأجانب يرغبون في خوض الرحلات الجبلية داخل كشمير، لكن كثيراً منهم يرفضون البدائل المقترحة في لداخ، لأن هدفهم الأساسي هو استكشاف طبيعة كشمير.
بين الأمن وحق السكان في العمل
من جانبه، يرى مصدق رفيق واني، وهو محترف في سياحة المغامرات ومتسلق من سريناغار، أن القيود المفروضة على مواقع الرحلات الجبلية أصبحت بمثابة «خنق للحرية» بالنسبة لمحبي الطبيعة والمغامرة.
ويقول واني إنه بدأ ممارسة المشي الجبلي عام 2017 أثناء دراسته السياحة، قبل أن يترك المسار المهني التقليدي للعمل في الجبال قائداً للرحلات ومرشداً، وأحياناً طاهياً للمجموعات.
ويقر بأن فرض قيود مؤقتة كان مفهوماً، خصوصاً في ظل تزايد أعداد الزوار والضغط الذي تعرضت له الأنظمة البيئية الهشة في الجبال. لكنه يرى أن استمرار القيود لفترة طويلة أصبح يضر بالمتنزهين والاقتصاد المحلي في الوقت نفسه.
كما يتساءل عن استمرار السياحة الدينية والحج إلى بعض المواقع، بينما تبقى مسارات كثيرة للمشي الجبلي مغلقة أمام الزوار.
ويؤكد واني أن العاملين في القطاع يدركون أهمية الأمن ويدينون الإرهاب والعنف، لكنه يرى أن الإجراءات الأمنية لا ينبغي أن تؤدي إلى قطع علاقة السكان والزوار بالجبال بصورة دائمة.
ويضيف أن الخوف من الوقوع في مشكلة أو مواجهة قيود مفاجئة بات يؤثر حتى في قرار تنظيم الرحلات، معتبراً أن هذا الخوف يحرم السياحة الجبلية من جانب أساسي من جاذبيتها، وهو الشعور بالحرية والاستمتاع بالطبيعة.
أزمة تتجاوز السياحة
بين متطلبات الأمن ومطالب السكان باستعادة مصدر رزقهم، تواجه السياحة في كشمير اختباراً صعباً. فالقيود المطولة لا تؤثر في شركات تنظيم الرحلات وحدها، وإنما تمتد إلى أصحاب المتاجر الصغيرة ومقدمي خدمات الخيول والمرشدين والحمالين والعمال الموسميين والأسر التي تعتمد على موسم الصيف لتعويض أشهر طويلة من الركود.
وفي قرى جبلية مثل ناراناغ، لم تعد القضية مجرد موسم سياحي متعثر أو مسارات مغلقة، بل أصبحت مرتبطة بمصير مصدر دخل كامل يعتمد عليه آلاف السكان، الذين يجدون أنفسهم أمام مستقبل اقتصادي غامض في انتظار انفراج أمني يسمح بعودة السياحة الجبلية إلى المنطقة.
اقرأ أيضاً
كشمير بعد إلغاء الحكم الذاتي: كيف غيّرت الهند الخريطة السكانية والسياسية للإقليم؟

