وطن-قد يبدو الوصول إلى الموعد قبل عشر دقائق مجرد عادة بسيطة تعكس الانضباط واحترام الوقت، لكن علم النفس يرى أن هذا السلوك قد يكشف جوانب أعمق من طريقة تعامل الإنسان مع وقته والتزاماته والآخرين، بل وقد يرتبط أحياناً بمستويات القلق لديه.
فبينما يصل بعض الأشخاص مبكراً لأنهم منظمون ويخططون ليومهم بدقة، قد يفعل آخرون ذلك لتجنب التوتر أو المفاجآت أو الشعور بالحرج الناتج عن التأخر. وبالتالي، فإن السلوك نفسه قد تكون وراءه دوافع نفسية مختلفة تماماً.
دراسة راقبت مواعيد الوصول فعلياً
وبحسب ما أورده موقع «إس آند إن» الفرنسي، تناولت دراسة نشرتها «مجلة أبحاث الشخصية» عام 2006 العلاقة بين الالتزام بالمواعيد وسمات الشخصية، وشملت 92 طالباً في ألمانيا.
ولم يعتمد الباحثون فقط على سؤال المشاركين عن مدى التزامهم بالمواعيد، بل راقبوا أوقات وصولهم الفعلية من دون إخبارهم بأن هذا السلوك يمثل جزءاً من موضوع الدراسة.
وقبل التجربة، طُلب من المشاركين ملء استبيان في منازلهم لقياس ما يعرف في علم النفس بـ«السمات الخمس الكبرى للشخصية»، وهي يقظة الضمير، والمقبولية، والعصابية، والانبساط، والانفتاح على التجارب. وبعد أيام، دُعي المشاركون إلى تجربة جماعية، وكان وقت وصول كل شخص هو أحد العناصر الأساسية التي ركز عليها الباحثون.
الوصول المبكر يرتبط بالتنظيم والانضباط
اعتمد الباحثون على ثلاثة مؤشرات رئيسية: وقت الوصول الفعلي، ومقدار التبكير عن الموعد، ومدى التأخر في حال حدوثه.
وأظهرت النتائج، وفق المصدر، أن الأشخاص الذين يصلون في الموعد أو قبله بدقائق يميلون إلى الارتباط بدرجة أعلى بسمة «يقظة الضمير»، وهي إحدى السمات الخمس الكبرى التي ترتبط بالتنظيم والانضباط والتخطيط واحترام الالتزامات والاستعداد المسبق.
وهذا يعني أن الشخص الذي يصل دائماً قبل الموعد قد يكون أكثر ميلاً إلى ترتيب وقته مسبقاً وتوقع العقبات التي يمكن أن تعترض طريقه، بدلاً من ترك الأمور للصدفة، لكن هذه ليست الصورة الكاملة.
أحياناً يكون التبكير احتراماً للآخرين
وجدت الدراسة أيضاً ارتباطاً بين الالتزام بالمواعيد وسمة «المقبولية»، التي ترتبط بالتعاون واللطف ومراعاة مشاعر الآخرين. وبذلك، قد لا يكون وصول الشخص مبكراً نابعاً من حرصه على تنظيم جدوله فقط، وإنما من رغبته أيضاً في عدم جعل الآخرين ينتظرونه.
فبالنسبة إلى بعض الأشخاص، قد يُنظر إلى التأخر عن الموعد باعتباره نوعاً من عدم الاحترام لوقت الطرف الآخر، ولذلك يفضلون الوصول مبكراً حتى لو اضطروا إلى الانتظار.
وهنا تصبح الدقائق العشر السابقة للموعد وسيلة لتجنب إحراج الآخرين أو تحميلهم عبء الانتظار.
لكن التبكير قد يرتبط بالقلق أيضاً
المفارقة أن الوصول المبكر لا يعني دائماً أن صاحبه شديد التنظيم أو هادئاً وواثقاً، فبحسب المادة، رصدت الدراسة نفسها ارتباطاً بين الحضور المبكر وسمة «العصابية»، وهي السمة التي ترتبط بالميل إلى القلق والتفكير في الاحتمالات السلبية والتوتر تجاه المواقف غير المتوقعة.
وفي هذه الحالة، قد يصل الشخص قبل الموعد بوقت طويل لأنه يخشى التأخر أو يتوقع حدوث مشكلة في الطريق أو يخشى أن يواجه ظرفاً غير متوقع يمنعه من الوصول في الوقت المحدد.
أي أن شخصين قد يصلان قبل الموعد بعشر دقائق، لكن أحدهما قد يفعل ذلك نتيجة التخطيط والتنظيم، بينما يفعله الآخر نتيجة القلق والرغبة في التخلص من احتمال التأخر.
السلوك نفسه.. ودوافع مختلفة
يشير التقرير إلى أن العادة الواحدة قد تكون نتيجة دوافع نفسية مختلفة، فالشخص المنظم قد يحسب الوقت اللازم للوصول ويضيف هامشاً احتياطياً، والشخص الذي يولي أهمية كبيرة لمشاعر الآخرين قد يحرص على عدم إبقائهم في الانتظار، بينما قد يحتاج الشخص القلق إلى الوصول مبكراً حتى يشعر بأنه يسيطر على الموقف.
ولهذا، لا يمكن النظر إلى الوصول المبكر باعتباره مؤشراً نفسياً منفرداً يسمح بتحديد شخصية الإنسان.
كما أشار التقرير إلى دراسة أخرى تناولت العلاقة بين الالتزام بالمواعيد وارتداء الساعة، ووجدت بدورها صلة بين التنظيم ويقظة الضمير والدقة في الحضور، بما يعزز الفكرة القائلة إن الأشخاص الأكثر اهتماماً بالوقت يميلون إلى التخطيط المسبق.
لا يمكن الحكم على شخصية شخص من موعد وصوله
ورغم هذه النتائج، فإن الدراسة نفسها لا تسمح بتقديم حكم نفسي قاطع على أي شخص بناءً على عادة الوصول المبكر.
فالعينة اقتصرت على 92 طالباً، وكانت الملاحظة في سياق جامعي محدد، وهو ما يجعل تعميم النتائج على جميع الأشخاص أمراً غير مبرر.
كما أن الارتباط بين سلوك معين وسمة شخصية لا يعني بالضرورة أن أحدهما يسبب الآخر.
لذلك، فإن الشخص الذي يصل دائماً قبل الموعد بعشر دقائق ليس بالضرورة شديد الانضباط، وليس بالضرورة شخصاً يعاني القلق. وقد يكون سلوكه ببساطة نتيجة تربية معينة، أو عادات يومية، أو خبرات سابقة، أو ظروف مرتبطة بطبيعة حياته وتنقلاته.
عشر دقائق قد تكشف أكثر مما نتوقع
في النهاية، تبدو عادة الوصول المبكر أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فقد ترتبط بالتنظيم واحترام الوقت ومراعاة الآخرين، لكنها قد تكون لدى بعض الأشخاص وسيلة لتخفيف القلق والخوف من التأخر.
ولهذا، فإن الوصول قبل الموعد بعشر دقائق يمكن أن يكون مجرد عادة عملية، لكنه قد يقدم أيضاً لمحة صغيرة عن طريقة تعامل الإنسان مع الوقت والالتزامات والآخرين والضغوط اليومية، من دون أن يكون في حد ذاته اختباراً نفسياً أو تشخيصاً للشخصية.
اقرأ المزيد
«خرافة الانغلاق والرفض».. كيف يخدعك تفسير لغة الجسد في الاجتماعات والمحادثات؟
لماذا يعاني البعض بصمت؟ أسباب نفسية واجتماعية تمنعهم من طلب المساعدة
أخصائي نفسي يكشف العبارة التي تفضح الأشخاص المنافقين رغم مظهرهم اللطيف..

