وطن-أثار تنظيم محاضرة داخل مبنى البرلمان البريطاني بعنوان «تحدي الإسلام» جدلاً سياسياً وإعلامياً في لندن، بعدما استضافت الفعالية الكاتب تيم ديب، المعروف بانتقاداته الحادة للإسلام ودعوته إلى الحد مما يصفه بتزايد تأثيره في المجتمع البريطاني.
وأقيمت المحاضرة مساء الثلاثاء في قاعة أتلي داخل البرلمان، في فعالية قالت صحيفة «ميدل إيست آي» إنها نُسبت إلى رعاية النائب جيم أليستر، زعيم حزب الصوت الوحدوي التقليدي في أيرلندا الشمالية. وتقول الصحيفة إن أليستر لم يؤكد علناً حتى الآن أنه استضاف الفعالية، رغم تداول صورة له من الحدث.
محاضرة داخل البرلمان
وأعلنت منظمة «كريستيان كونسرن» عن المحاضرة عبر موقعها الإلكتروني، موضحة أن ديب تحدث باسم «جمعية الحقيقة البروتستانتية»، وأن الفعالية كانت موجهة بصورة أساسية إلى أعضاء البرلمان وقادة الكنائس، مع السماح لآخرين بالحضور.
وتحمل المحاضرة عنوان «تحدي الإسلام»، وهو العنوان نفسه الذي اختاره ديب لكتاب أصدره عام 2025، يتناول فيه ما يصفه بتزايد تأثير الإسلام في المملكة المتحدة وسبل التعامل معه.
ولم يُنشر حتى الآن تسجيل كامل للمحاضرة، إلا أن الجدل حولها ارتبط بدرجة كبيرة بمواقف وتصريحات سابقة للمتحدث.
مواقف حادة تجاه الإسلام
سبق لديب أن كتب أن تأثير الإسلام في المجتمع البريطاني يحتاج إلى «مقاومة في القانون والسياسة»، كما دعا الكنائس إلى إعداد مواد تساعد المسيحيين على التعامل مع ما يعتبره تحدياً إسلامياً في الحياة العامة.
وفي تصريحات سابقة، قال ديب إن الإسلام «يهدد الديمقراطية بالفعل ويغيّر الثقافة»، كما عبّر عن اعتقاده بأن بعض الممارسات والتعاليم الإسلامية ينبغي أن تخضع للمراقبة، ووصل في مقابلة تلفزيونية إلى الدعوة إلى حظر بعض الممارسات التي وصفها بأنها إسلامية.
وفي المقابل، حاول ديب في التصريحات نفسها التفريق بين انتقاد بعض الممارسات وبين حرية المسلمين في ممارسة عبادتهم، قائلاً إن المسلمين يجب أن يكون بإمكانهم الاستمرار في الصلاة داخل المساجد.
وفي مقال نشره هذا العام، عبّر ديب كذلك عن اعتقاده بأن الإسلام «ليس دين سلام»، وفق فهمه لنصوصه وتاريخه، وقال إن الغرب محق في التعامل معه بدرجة من الشك.
هذه المواقف هي التي جعلت استضافة محاضرته داخل البرلمان موضع اهتمام وانتقاد، خصوصاً في ظل النقاش البريطاني المستمر حول الحدود بين حرية التعبير وخطاب يستهدف جماعة دينية.
انتقادات للمضمون أم جدل حول حرية التعبير؟
لا يتعلق الجدل فقط بمحتوى المحاضرة، وإنما أيضاً بالسؤال حول طبيعة الفعاليات التي يمكن تنظيمها داخل المؤسسات البرلمانية، ومن يتحمل مسؤولية استضافتها أو رعايتها.
وفي بريطانيا، تتمتع حرية التعبير بحماية قانونية واسعة، بما في ذلك التعبير عن آراء دينية أو سياسية مثيرة للجدل. لكن ذلك لا يعني أن جميع أشكال الخطاب محمية بالدرجة نفسها، إذ توجد قيود قانونية على التحريض على الكراهية والعنف والتمييز في ظروف محددة.
وفي حالة هذه الفعالية تحديداً، لا تتوافر حتى الآن معلومات تشير إلى أن السلطات البريطانية اعتبرت المحاضرة بحد ذاتها مخالفة للقانون.
جمعية دينية تنتقد رسائل الملك للمسلمين
وتنظم الفعالية «جمعية الحقيقة البروتستانتية»، وهي منظمة مرتبطة بديب وبنشاطه الديني والفكري. وكانت الجمعية قد وجهت في أبريل/نيسان رسالة إلى الملك تشارلز الثالث عقب نشره رسائل تهنئة للمسلمين بمناسبة شهر رمضان وعيد الفطر.
ودعت الجمعية الملك إلى عدم إرسال رسائل مماثلة مستقبلاً بمناسبة الأعياد الإسلامية، كما تضمنت رسالتها دعوة دينية إلى الملك باعتناق المسيحية وفق معتقدات الجمعية.
ويعكس هذا الموقف توجه المنظمة إلى التعامل مع حضور الإسلام في الحياة العامة البريطانية باعتباره قضية دينية وثقافية وسياسية في آن واحد.
من يقف خلف استضافة الفعالية؟
برز اسم النائب جيم أليستر باعتباره الراعي البرلماني المفترض للفعالية، بعدما ظهر اسمه على مواد ترويجية مرتبطة بها، كما جرى تداول صورة له من داخل الحدث. لكن «ميدل إيست آي» قالت إن أليستر لم يؤكد علناً استضافته للمحاضرة، وإن الصحيفة تواصلت معه للحصول على تعليق من دون أن تنشر رداً منه حتى إعداد تقريرها.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن تنظيم فعالية داخل مبنى البرلمان لا يعني بالضرورة أن المؤسسة التشريعية البريطانية تتبنى آراء المتحدث أو مضمون المحاضرة، إذ يمكن لأعضاء البرلمان رعاية أو استضافة فعاليات تعكس مواقف مختلفة ضمن الأطر المتاحة لهم.
الإسلاموفوبيا وحرية التعبير في بريطانيا
يأتي الجدل في وقت تشهد فيه بريطانيا نقاشاً متواصلاً حول تعريف الإسلاموفوبيا، وكيفية التمييز بين انتقاد الدين، وهو حق تحميه حرية التعبير، وبين الخطاب الذي يستهدف المسلمين باعتبارهم جماعة دينية أو عرقية. ويزداد تعقيد هذا النقاش عندما تنتقل مثل هذه المواقف من المنصات الإعلامية أو الدينية إلى المؤسسات السياسية، بما فيها البرلمان.
وفي حالة محاضرة «تحدي الإسلام»، يبقى من المهم الفصل بين مواقف تيم ديب الشخصية تجاه الإسلام وبين أي موقف رسمي للبرلمان البريطاني أو الحكومة البريطانية من الإسلام والمسلمين. كما أن تنظيم الفعالية داخل البرلمان لا يعني، بحد ذاته، أن المؤسسة البرلمانية تتبنى مضمونها أو تصادق على الآراء التي طُرحت خلالها.
ويضع الجدل الحالي الفعالية في قلب نقاش أوسع في بريطانيا: أين ينتهي حق الشخص في انتقاد دين أو عقيدة، وأين يبدأ الخطاب الذي يمكن أن يُنظر إليه باعتباره استهدافاً لأتباع ذلك الدين؟ وهو سؤال يظل مرتبطاً بالقانون البريطاني وبالسياق الذي تُطرح فيه التصريحات، وليس بمجرد عنوان المحاضرة أو هوية المتحدث.
اقرأ المزيد
أكثر من 70 اعتداءً على المساجد في بريطانيا خلال عام.. تصاعد الإسلاموفوبيا يثير المخاوف
مجلس العلاقات الإسلامية يصنف رودي جولياني “متطرفاً معادياً للمسلمين” بعد تصريحات عنصرية ضد مامداني
تكساس تفرض منهجاً عن الأديان يصف الإسلام بـ”الراديكالي” و”الوحشي”
“قلّلوا ماء الوضوء”.. بريطانيا تدخل على خط العادات الدينية لترشيد المياه

