وطن-تصاعد الجدل في بريطانيا حول عمل المنظمات الإنسانية في قطاع غزة، بعدما طالبت مجموعة «محامون بريطانيون من أجل إسرائيل» الحكومة البريطانية بفتح تحقيق في أنشطة منظمة «أطباء بلا حدود» والنظر في حظرها بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، على خلفية مزاعم تتعلق بوجود صلات بين عدد من موظفي المنظمة وفصائل فلسطينية مسلحة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، وجهت المجموعة، المعروفة اختصاراً باسم «يو كي إل إف آي»، مراسلات إلى وزيرة الداخلية البريطانية شابانا محمود، وإلى هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية والجهات المعنية بتنظيم جمع التبرعات، مطالبة باتخاذ إجراءات ضد المنظمة الطبية الدولية. وتستند المجموعة في تحركها إلى مزاعم بشأن اثنين من العاملين السابقين في «أطباء بلا حدود» قُتلا خلال الحرب.
وتنفي «أطباء بلا حدود» هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا توظف عن علم أشخاصاً يشاركون في أنشطة عسكرية أو تتعارض أنشطتهم مع المبادئ الإنسانية التي تعمل المنظمة على أساسها. وقالت المنظمة إن الادعاءات المتعلقة بوجود «صلات بالإرهاب» لم تُعرض عليها قبل مقتل الموظفين الذين تستند إليهم الاتهامات.
اتهامات مرتبطة بموظفين قُتلوا في غزة
ومن أبرز الأسماء التي أُثيرت في القضية فادي الوادية، وهو أخصائي علاج طبيعي كان يعمل مع «أطباء بلا حدود» في غزة وقُتل في غارة إسرائيلية في يونيو/حزيران 2024. وكانت إسرائيل قد قالت بعد مقتله إنه كان مرتبطاً بحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية.
لكن «أطباء بلا حدود» أكدت أنها لم تكن تملك، قبل مقتله، معلومات تشير إلى مشاركته في نشاط عسكري، وقالت إن المعلومات التي استندت إليها الاتهامات الإسرائيلية لم تُشارك معها قبل وفاة موظفها.
وتقول المنظمة إن اتهامها بأنها وظفت عن علم أشخاصاً لهم صلات بجماعات مسلحة لا يستند إلى معلومات قدمتها السلطات الإسرائيلية لها في الوقت المناسب، وإن وجود أي نشاط عسكري يتعارض بصورة مباشرة مع مبادئها المهنية والإنسانية.
وتأتي هذه المواجهة في وقت تواصل فيه «أطباء بلا حدود» تقديم خدمات طبية وإنسانية في مناطق النزاع، بينما تواجه المنظمات العاملة في غزة قيوداً أمنية وسياسية متزايدة.
المنظمة تتحدث عن «اتهامات كاذبة»
وقالت «أطباء بلا حدود» إن الحملة الحالية تأتي ضمن سلسلة من الاتهامات التي تستهدف المنظمة والعاملين في المجال الإنساني، مؤكدة رفضها لما وصفته بادعاءات كاذبة ومضللة.
وأشارت المنظمة إلى أن العاملين الذين اتُّهموا بوجود صلات لهم بفصائل مسلحة لم تُبلّغ بشأنهم بهذه الصفة إلا بعد مقتلهم، مؤكدة أن السلطات التي تملك معلومات موثوقة حول أي نشاط عسكري كان بإمكانها مشاركتها معها قبل وقوع عمليات القتل.
وفي الوقت نفسه، قالت مصادر إعلامية إن مركبة تابعة للمنظمة تعرضت لأضرار جراء غارة في مدينة غزة بينما كانت تقل عاملين في المجال الإنساني، في حادث يعكس المخاطر الأمنية التي تواجه الفرق الطبية والإغاثية داخل القطاع.
وتؤكد «أطباء بلا حدود» أن العاملين الإنسانيين يواصلون العمل في ظروف شديدة الخطورة، وأن أي إجراءات تحد من قدرتها على الوصول إلى المرضى والسكان المحتاجين قد تؤثر مباشرة في تقديم الرعاية الطبية.
من يحقق في القضية؟
لم تتحول مطالبة المجموعة البريطانية حتى الآن إلى قرار حكومي بحظر «أطباء بلا حدود» أو تصنيفها منظمة إرهابية. القضية المطروحة حالياً تتمثل في دعوات إلى التحقيق في مزاعم تتعلق بالمنظمة، وسط متابعة من الجهات البريطانية المختصة.
وأفادت تقارير بأن هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية البريطانية قالت إنها «تقيّم بنشاط» المخاوف التي أُثيرت لتحديد الخطوات المناسبة التي يمكن اتخاذها.
وتحاول المجموعة المؤيدة لإسرائيل ربط القضية أيضاً بالتمويل الخيري للمنظمة في بريطانيا، معتبرة أن المتبرعين يجب أن يحصلوا على ضمانات بشأن آليات التدقيق في الموظفين والشركاء والجهات التي تصل إليها الأموال.
لكن المنظمة تؤكد أن اتهامات الارتباط بفصائل مسلحة لا تثبت أنها كانت على علم بأي نشاط عسكري، وهو فرق جوهري في القضية المطروحة أمام الجهات البريطانية.
ضغط متزايد على المنظمات الإنسانية
ولا تأتي هذه القضية بمعزل عن سلسلة أوسع من الإجراءات والقيود التي طالت منظمات إغاثية تعمل مع الفلسطينيين.
ففي إسرائيل، واجهت «أطباء بلا حدود» ومنظمات إنسانية أخرى إجراءات استهدفت استمرار عملها في غزة والضفة الغربية. وكانت المنظمة، إلى جانب منظمات أخرى، قد لجأت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للطعن في قرار يستهدف عشرات المنظمات غير الحكومية العاملة في الأراضي الفلسطينية.
وتقول منظمات إنسانية وحقوقية إن القيود المفروضة على عمل المؤسسات الطبية والإغاثية يمكن أن تزيد صعوبة وصول المساعدات والرعاية الصحية إلى السكان في قطاع غزة، الذي يعاني من أضرار واسعة في البنية التحتية الصحية.
وفي المقابل، تقول السلطات الإسرائيلية إن إجراءاتها تستند إلى مخاوف أمنية ومزاعم بشأن استغلال بعض المؤسسات الإنسانية من جانب جماعات مسلحة، وهي مزاعم تنفيها المنظمات المعنية أو تطالب بأدلة واضحة عليها.
مواجهة تتجاوز «أطباء بلا حدود»
وتضع المطالبة البريطانية بحظر «أطباء بلا حدود» المنظمة أمام اختبار قانوني وسياسي جديد، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول حدود الرقابة على المؤسسات الإنسانية العاملة في مناطق النزاع.
فمن جهة، تطالب مجموعة «محامون بريطانيون من أجل إسرائيل» السلطات البريطانية بالتحقيق في ما تعتبره ثغرات في إجراءات التدقيق والحماية من استغلال الموارد الخيرية.
ومن جهة أخرى، ترفض «أطباء بلا حدود» الاتهامات الموجهة إليها، وتؤكد أن عملها يقوم على مبادئ الاستقلال والحياد الطبي وعدم المشاركة في الأعمال العسكرية.
وبذلك، لا يتعلق الخلاف فقط بمصير منظمة طبية واحدة، بل يمتد إلى سؤال أكبر حول كيفية تعامل الحكومات مع المؤسسات الإنسانية التي تعمل في مناطق الحرب، وما المعايير التي يجب اعتمادها للتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بموظفيها، من دون أن تؤدي الإجراءات الأمنية أو القانونية إلى تعطيل تقديم الرعاية للمدنيين.
وفي الوقت الراهن، تبقى المطالبة بحظر «أطباء بلا حدود» موقفاً تقدمت به مجموعة ضغط بريطانية، بينما لم يصدر قرار حكومي بريطاني بحظر المنظمة أو تصنيفها منظمة إرهابية، وتواصل الجهات المختصة تقييم المخاوف والادعاءات المطروحة أمامها.
اقرأ المزيد
مقتل أطفال في غزة مع تكثيف إسرائيل هجماتها خلال الساعات الـ24 الماضية
ضابط إسرائيلي أمر بقصف قافلة إغاثية في غزة.. “لست نادماً” رغم مقتل 7 عاملين
حين تصبح الأقمار الصناعية سلاحاً للمعلومات.. أمريكا تضيّق الخناق على صور إيران وغزة

