وطن-في الوقت الذي كانت فيه الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران تشعل جولة جديدة من التصعيد في الشرق الأوسط، كانت معركة أخرى تدور بعيداً عن ساحات القتال: من يملك الحق في رؤية ما يحدث على الأرض؟
فمع تشديد القيود على صور الأقمار الصناعية التجارية عالية الدقة فوق الشرق الأوسط، يحذر صحفيون ومحللون وخبراء في الاستخبارات مفتوحة المصدر من أن الحروب في المنطقة قد تصبح أكثر غموضاً وأقل قابلية للتحقق، بينما تضطر المؤسسات الإعلامية تدريجياً إلى البحث عن بدائل صينية وأوروبية بعد تراجع الوصول إلى الصور الأميركية.
صور تختفي من السماء
بحسب ما أورده موقع “ميدل إيست آي“، بدأت شركة “Planet Labs” الأميركية، إحدى أبرز الشركات العالمية في مجال صور الأقمار الصناعية التجارية، بفرض تأخير على نشر صور منطقة الخليج بعد أيام من بدء الضربات على إيران.
بدأ التأخير بأربعة أيام، قبل أن يرتفع إلى 14 يوماً، ثم امتدت القيود إلى مساحات واسعة من الشرق الأوسط. وفي أبريل/نيسان، وبعد طلب من الحكومة الأميركية، أصبحت القيود على الصور عالية الجودة للمنطقة مفتوحة المدة، في خطوة أثارت تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين حماية الأمن القومي والتحكم في المعلومات المتاحة للجمهور.
وعلى الرغم من أن “Planet Labs” قالت إن القرار اتُخذ بالتشاور مع الحكومة الأميركية وخبراء خارجيين، فإن صحفيين ومحللين اعتبروا أن التأخير الطويل قد يحرمهم من أداة أساسية للتحقق من الأحداث العسكرية والإنسانية.
هل تتحول القيود إلى رقابة؟
المشكلة، وفق خبراء تحدثوا إلى” ميدل إيست آي”، لا تتعلق فقط بتأخير الصور، وإنما باحتمال تحول القيود الأمنية المؤقتة إلى نمط دائم من التحكم في المعلومات البصرية. وقال بيل غرير، المؤسس المشارك لمبادرة “Common Space”، إن الوصول إلى صور الأقمار الصناعية بات يختفي تدريجياً من المجال العام.
وتبرر الجهات المعنية القيود بمخاوف من إمكانية استخدام الصور عالية الدقة لاستهداف القوات الأميركية أو البنية التحتية الحليفة في الخليج. لكن منتقدي القرار يتساءلون: إذا كان التأخير لأيام أو أسبوعين كافياً لتقليل المخاطر العسكرية، فلماذا يصبح الوصول إلى الصور مجمداً إلى أجل غير مسمى؟ هنا تحديداً تظهر المخاوف من أن تتحول حماية العمليات العسكرية إلى وسيلة غير مباشرة للحد من قدرة الصحافة على مراقبة الحرب.
المفارقة: الأقمار الصناعية تتكاثر.. والصور المتاحة تتراجع
المفارقة الأكبر أن العالم يمتلك اليوم عدداً أكبر من الأقمار الصناعية القادرة على مراقبة الأرض مقارنة بأي وقت مضى. لكن زيادة عدد الأقمار لا تعني بالضرورة زيادة المعلومات المتاحة للجمهور.
فالدول والشركات الخاصة تمتلك قدرات متطورة في التصوير والمراقبة، بينما يستطيع المستخدم العادي أو الصحفي الوصول إلى جزء محدود فقط من هذه البيانات. وهذا يجعل التحكم في الصور التجارية عاملاً مؤثراً في الطريقة التي يمكن بها للعالم رؤية النزاعات.
عندما تكشف الأقمار ما تنفيه الروايات الرسمية
تكمن أهمية صور الأقمار الصناعية في أنها تستطيع تقديم دليل بصري مستقل في مناطق يصعب الوصول إليها ميدانياً. ومن أبرز الأمثلة التي تناولها ميدل إيست آي الهجوم على مدرسة في مدينة ميناب الإيرانية، والذي أدى إلى مقتل عشرات المدنيين، بينهم عدد كبير من الأطفال.
في البداية، نفت الولايات المتحدة مسؤوليتها عن الهجوم، قبل أن تستخدم وسائل إعلام صور الأقمار الصناعية وغيرها من الأدلة لتقييم موقع الضربة والأضرار الناتجة عنها.
كما لعبت الصور الفضائية دوراً بارزاً في توثيق حجم الدمار الذي أصاب قطاع غزة خلال الحرب، وفي تقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمباني. وفي حالات أخرى، استخدمت وسائل إعلام دولية الصور الفضائية لتحديد مواقع ضربات عسكرية وتقييم الأضرار قبل صدور بيانات رسمية بشأنها. وهنا تكمن أهمية هذه التقنية: الصورة لا تنهي الجدل بالضرورة، لكنها تمنح الصحفيين أداة للتحقق والمقارنة ومساءلة الروايات الرسمية.
غزة.. عندما تغيب الصحافة عن الأرض
تزداد أهمية هذه التكنولوجيا في قطاع غزة، حيث واجه الصحفيون الأجانب قيوداً شديدة على الوصول الميداني، بينما ظل الصحفيون المحليون يعملون في ظروف بالغة الخطورة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح صور الأقمار الصناعية واحدة من الأدوات القليلة التي يمكن استخدامها لرصد التغيرات على الأرض. لكن إذا تأخرت الصور أو حُجبت، فإن عملية التحقق تصبح أكثر صعوبة.
ويحذر خبراء المصادر المفتوحة من أن غياب هذه البيانات قد يخلق ما يشبه “النقاط العمياء”، حيث تصبح بعض الأحداث أقل قابلية للرصد، بينما يزداد اعتماد الجمهور على مقاطع وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تكون مجتزأة أو غير موثقة.
من أميركا إلى الصين وأوروبا
ومع تضييق الوصول إلى بعض المنتجات الأميركية، بدأ صحفيون ومحللون بالبحث عن بدائل. وتتجه بعض المؤسسات إلى الشركات الصينية، بينما أصبحت أقمار صناعية أوروبية تابعة لبرامج وكالة الفضاء الأوروبية أدوات مهمة لمراقبة الأضرار ورسم خرائط النزاعات.
لكن البدائل ليست متساوية في الدقة أو السرعة، فبعض الصور الأوروبية قد تكون أقل وضوحاً، بينما تكون المنتجات الصينية أكثر تكلفة في بعض الحالات، وهو ما يعني أن القيود الأميركية لا تلغي قدرة الصحفيين على الوصول إلى المعلومات، لكنها ترفع تكلفة الحصول عليها وتبطئ عملية التحقق منها.
هل تمتد الضغوط إلى أوروبا؟
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الضغوط لا تبدو محصورة بالمزودين الأميركيين قحسب، فوفق ما أورده ميدل إيست آي، بدأت وكالة الفضاء الأوروبية في يوليو/تموز نشر صور بعض مناطق الشرق الأوسط، بينها مضيق هرمز، بتأخير يصل إلى 24 ساعة، بعد طلبات من مسؤولين أميركيين.
وأثار ذلك انتقادات من خبراء رأوا أن مهمة علمية عامة ممولة أوروبياً لا ينبغي أن تتحول إلى أداة تخضع للضغوط السياسية المتعلقة بالحرب.
إسرائيل والاستثناء القديم
القضية ليست حديثة تماماً. فالولايات المتحدة فرضت منذ سنوات قيوداً خاصة على دقة صور الأقمار الصناعية المتعلقة بإسرائيل، بموجب تشريعات أميركية حدّت من مستوى التفاصيل التي يمكن للشركات الأميركية نشرها تجارياً.
وقد أثار ذلك انتقادات من جهات صحفية وإنسانية، خصوصاً بسبب أهمية الصور الفضائية في متابعة التطورات العمرانية والاستيطانية في الأراضي الفلسطينية. ومع اتساع الحرب في المنطقة، تعود هذه القضية إلى الواجهة بقوة أكبر: هل ينبغي أن يكون الأمن القومي قادراً على تحديد ما يستطيع الجمهور رؤيته؟
الخطر الأكبر: حرب بلا شهود
يقول خبراء المصادر المفتوحة إن الخطر لا يكمن فقط في اختفاء صورة واحدة أو تأخيرها، بل في تراكم القيود حتى يصبح الوصول إلى المعلومات الأساسية مرتبطاً بقرارات حكومية وتجارية. وفي مناطق الحرب، قد تكون ساعات أو أيام كافية لتغيير الأدلة على الأرض، أو إزالة الأنقاض، أو إعادة بناء الرواية الإعلامية للأحداث. لذلك فإن تأخير الصورة قد لا يعني مجرد تأخير خبر، بل قد يعني فقدان فرصة للتحقق من حدث بصورة مستقلة.
من يملك “عيون السماء”؟
تتجه المعركة الآن إلى سؤال أوسع من صور الأقمار الصناعية نفسها، ففي عالم تستطيع فيه الأقمار الصناعية مراقبة مواقع عسكرية ومدن كاملة، أصبحت القدرة على الوصول إلى الصور جزءاً من معركة المعلومات.
تملك الدول الأقمار والشركات تملك البيانات، والحكومات تستطيع التأثير في قواعد النشر، بينما يعتمد الصحفيون والمنظمات الإنسانية على ما يصل إليهم من صور.
وهكذا تظهر مفارقة لافتة: كلما أصبحت التكنولوجيا أكثر قدرة على كشف ما يحدث في مناطق الحرب، أصبح الوصول إلى بعض هذه التكنولوجيا أكثر تقييداً. وفي النهاية، قد لا تكون المعركة فقط على الأرض أو في السماء، بل على من يملك الحق في رؤية الحرب وتوثيقها وإثبات ما حدث فيها.
فإذا أصبحت مناطق النزاع خارج مجال الرؤية الفضائية، فمن سيملأ الفراغ؟ الروايات الرسمية؟ مقاطع التواصل الاجتماعي؟ أم أن الحروب ستدخل مرحلة جديدة يمكن فيها إخفاء آثارها بسهولة أكبر؟ حين تُغلق “عيون السماء”، لا تختفي الحرب.. لكن يصبح إثباتها أصعب.
اقرأ المزيد
واشنطن تعيد دبلوماسييها إلى الشرق الأوسط.. هل انتهى خطر الحرب مع إيران؟
نتنياهو يستبعد اتفاقاً مع قادة إيران ويصف حكام طهران بـ”المتوحشين”..
من تحت الركام إلى تحمل مسؤوليات الكبار.. مأساة أطفال غزة الناجين وحدهم
في الذكرى الأولى لاستشهاد أنس الشريف: منصة رقمية تروي حكايات صحفيي غزة عبر الرسائل الصوتية

